مروان البرغوثي… إسرائيل تعتقل السلام

لينا الطبال

يبقى السؤال: هل تستطيع إسرائيل حقاً تحقيق السلام الدائم عبر القوة؟

الجواب واضح: لا توجد فرصة.
لأن السلام لا يُبنى على القمع وانتهاك حقوق الإنسان.
مروان البرغوثي هو الوحيد القادر على قيادة المفاوضات وتحقيق السلام. على مدى 22 عاماً من الاعتقال، استطاع أن يتجاوز قيود السجن ليحرك المشهد السياسي الفلسطيني، وقام بصياغة «وثيقة الأسرى للوفاق الوطني» التي أسهمت في توحيد صفوف مختلف الفصائل الفلسطينية وتحقيق مصالحة بين حركتي «فتح» و«حماس».
ما يميز مروان البرغوثي هو أنه مقبول من مختلف الأطراف الفلسطينية، كونه رمزاً للنضال والصمود وقائداً ذا مصداقية في تمثيل الشعب الفلسطيني. المعتقل منذ 15 نيسان 2002 في سجون إسرائيل، هو اليوم رمز عالمي للنضال الفلسطيني، وهو لا يزال يجذب اهتمام وسائل الإعلام والصحافة العالمية التي تتحدث وتكتب عنه كما تتحدث وتكتب عن رؤساء الدول أو قادة البلاد، واستقبل في زنزانته كبار الشخصيات من مختلف أنحاء العالم من برلمانيين وإعلاميين إلى حقوقيين عرب وأجانب.
شهدت قضية مروان البرغوثي تضامناً دولياً واسعاً، حيث أطلق المناضل أحمد كاترادا، الذي خاض معركة الحرية إلى جانب نيلسون مانديلا في جنوب أفريقيا، حملة دولية من داخل زنزانة مانديلا في معتقل روبن ايلاند مبادرة للمطالبة بالإفراج عنه. وقد حظيت هذه المبادرة بدعم شخصيات دولية بارزة، من بينهم فائزون بجائزة نوبل للسلام مثل دزموند توتو وجيمي كارتر وجودي ويليامز، كما استحوذت الحملة على دعم 120 حكومة ومئات الحكام والبرلمانيين والفنانين والأكاديميين في مختلف أرجاء العالم.
لكن هل أسهم هذا التضامن الدولي في تحريك قضيته وإطلاق سراحه؟ – لا.
عندما ترفض إسرائيل نداءات عالمية من ثمانية حاملي جائزة نوبل للسلام ومن شخصيات ناضلت ضد الاستعمار والعنصرية، فإنها تكشف عن تصلّب موقفها تجاه حقوق الفلسطينيين وتجاهلها لإرادة السلام. بل إنها تزيد من عمق الأزمات في المنطقة.
بدأ مروان البرغوثي نضاله في سن مبكرة، فلم يكن يتجاوز الخامسة عشرة حين شارك في أول مظاهرة ضد الاحتلال الإسرائيلي، تطوّع بعد ذلك للعمل مع لجان القرى. اعتقل لأول مرة وهو لا يزال فتى في مقتبل العمر في الصف الثاني ثانوي، بسبب انتمائه لحركة «فتح»، التي اعتبرتها السلطات الإسرائيلية «حركة إرهابية محظورة». ورغم قسوة السجن، تمكن مروان من مواصلة تعليمه.
منذ شبابه، برزت شخصية مروان البرغوثي كقائد طموح، ليشكل حلقة تواصل حيوية بين الفلسطينيين في الداخل والقيادة في الخارج، ولعب دوراً محورياً إلى جانب «أبو جهاد»، حيث وسّع نشاط حركة الشبيبة في الداخل الفلسطيني، وقاد حركة الشبيبة الطالبية في جامعة بيرزيت لثلاث دورات متتالية. في تلك المدة، كانت الجامعة تخضع للأمر العسكري الإسرائيلي الرقم 854، الذي يمنح الحاكم العسكري الإسرائيلي سلطة مطلقة على مؤسسات التعليم العالي الفلسطينية، من تعيين الأساتذة إلى منح التصاريح الأمنية، إلى فرض القيود القمعية على الطلاب، إذ شهدت جامعة بيرزيت سلسلة طويلة من الإغلاقات القسرية. فبين عامي 1973 و1988، أغلقت الجامعة نحو 15 مرة، في هذه المرحلة سقط أول شهيد لجامعة بيرزيت، وهو صديق مروان، الشهيد شرف الطيبي، الذي تركه الجيش الإسرائيلي ينزف حتى الموت. وبعد سنوات من هذه الحادثة سيطلق مروان اسم صديقه الشهيد شرف على أحد أبنائه.

لا يسمح لمروان بمقابلة محاميه إلا مرة كل شهرين أو أكثر، وعبره فقط، تصل إليه العناوين العامة للأخبار، فلا يعرف بتفاصيل الأحداث المأساوية الأخيرة

عندما اندلعت الانتفاضة الأولى، كان مروان البرغوثي مبعداً عن فلسطين إلى الأردن ثم إلى تونس ثم إلى الأردن. لكنه لم يغب عن المشهد وشغل منصب عضو في اللجنة العليا للانتفاضة مع قيادات الخارج، وعمل مع اللجنة القيادية للقطاع الغربي في الداخل الفلسطيني. فأصبح على صلة مباشرة مع القيادة الموحدة للانتفاضة، فشكّل حلقة وصل حيوية بين الداخل الفلسطيني وقيادته في الخارج. فهؤلاء الشباب القادمون من الداخل كانوا يثيرون الخوف لدى قيادة الخارج ولم يكن الطرفان يعرفان بعضهما إلا بالأسماء ومروان أسهم بشكل كبير في تعزيز التنسيق والتواصل وبث الثقة بينهما.
مروان البرغوثي قائد بالفطرة، وشخصية يبرز تأثيرها دون جهد، لقد كان دائم الحركة يريد بناء وطنه ويريد الأفضل لأبناء شعبه. تجده دائماً في أي تجمّع نضالي أو فعالية سياسية، وقد تم انتخابه كأصغر عضو في المجلس الثوري لحركة «فتح». تتيح له كاريزميته التأثير وتجاوز الانقسامات، الأمر الذي جعل جميع الحركات والفصائل المعارضة لـ«فتح»، تميل إلى الاستماع إليه والتحاور معه. إنه الوسيط المثالي بينهم جميعاً، قادر على توحيد الصفوف والاستماع والمناقشة في سبيل القضية الفلسطينية.
قد تكون هذه الفضائل السبب الرئيسي لتجاهل إسرائيل إطلاق سراحه. فوجود مروان البرغوثي خارج السجن قد يؤدي إلى رص الصف الفلسطيني، وهو ما لا ترغب فيه السلطات الإسرائيلية بأي شكل من الأشكال.
طالما آمن مروان البرغوثي بالسلام لفلسطين. يصفه رفاق نضاله بأنه «حركة لا تهدأ»، إذ إذا آمن بشيء، فإنه يسعى إلى تحقيقه حتى النهاية دون أن يقبل بحلول جزئية. كان مروان البرغوثي يصف نفسه بأنه «معسكر السلام»، ففعلاً هو قد أراد إنهاء الاحتلال دون أن يسعى إلى قتل الإسرائيليين أو تدمير إسرائيل.
حقاً، هكذا كان مروان البرغوثي يرى أن في إمكانه حل هذا الصراع. كان يعتقد أن السلام الحقيقي هو السبيل لتحقيق العدالة والحرية، كان يدرك أن أي حل دائم يتطلب أيضاً الاعتراف بحقوق الجميع. لكن عندما تأكد أن الإسرائيليين غير جادين في إعطاء فرصة للسلام، واستمروا في ممارسة القتل والتشريد وقضم الأراضي لبناء المستوطنات، اندلعت الانتفاضة الثانية وقرر مروان البرغوثي مناصرتها وحمل السلاح في مواجهة المحتل. كان خياره هذا مدفوعاً بالإحباط من عدم نضوج الجانب الإسرائيلي واحترامه لالتزاماته، هو الذي مدّ يديه للجميع وكان مستعداً للتحاور حتى مع حزبي «الليكود» و«شاس». لكن ما دام القانون الدولي يكفل للشعوب الواقعة تحت الاحتلال حق مقاومة المحتل… إذاً فليكن ذلك.
لقد أظهرت إسرائيل مرة أخرى أن تحايلها المتكرر بحجة تحقيق السلام أدى إلى تدهور الأوضاع وتصاعد وتيرة المقاومة.
لقد اغتال أرييل شارون عدداً من قيادات الصف الأول الفلسطيني، واعتقل بعضهم، وأبعد الكثيرين منهم، وعزل قائدهم ياسر عرفات في المقاطعة، ثم اغتاله في ما بعد بالسم. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: ما كانت نتيجة تلك الإجراءات؟ هل توقّف النضال الفلسطيني؟ وهل استطاعت إسرائيل تحقيق أمنها المزعوم؟
الإجابة واضحة: لم يتوقف النضال الفلسطيني، بل استمر وتطور بأشكال متعددة. ورغم كل محاولات القمع والاغتيالات، ظل الشعب الفلسطيني مصمماً على مقاومة الاحتلال والدفاع عن حقوقه.
اليوم، يواصل نتنياهو تكرار الفعل القائم نفسه على اغتيال قادة المقاومة وقادة الصف الأول، دون أن يدرك أن الأساليب القديمة لم تعد مجدية. فالمولوتوف التي استخدمتها المقاومة سابقاً قد تم استبدالها بصواريخ «عياش 250»، والحجارة التي كان الأطفال يلقون بها على الدبابات استعيض عنها الآن بقاذفة «الياسين 105»، وبالمسيّرات، الأمر الذي غيّر قواعد اللعبة في الصراع.
إن كل تصعيد في المنطقة تتحمّل إسرائيل وحدها نتائجه، كل قطرة دم تسيل على أرض فلسطين ولبنان هي نتيجة مباشرة للعنف الإسرائيلي المفرط. حين يهشم الجيش الإسرائيلي عظام أطفال وشبان لا يملكون من سلاح سوى إلقاء الحجر بوجه المحتل فهذا يسمى عدواناً، لا يولد سوى المزيد من الكراهية والعنف.
مروان البرغوثي كما قال عنه يوري افنيري «هو آخر بقايا هؤلاء الفلسطينيين الذين عرفوا الإسرائيليين جيداً». وهو صانع السلام. كان وما زال مؤمناً بالسلام. كعضو في البرلمان الفلسطيني، شارك في مظاهرات سلمية تهدف إلى منع الاستيطان، وتنشّق بالغازات السامة وأصيب بالرصاص المطاطي وانهالت عليه هراوات قوات الاحتلال. كان يتردد على اللجان المركزية للأحزاب السياسية ويجتمع مع أعضاء الكنيست يحدثهم عن بلاده وعن السلام ويتعاون مع بعضهم في وفود مشتركة إلى أوروبا، ولا يغيب عن أي اجتماع، مؤمناً دائماً بأهمية الحوار.
شارك في مظاهرات السلام، وذراعه متشابكة مع ذراعي عضوي البرلمان عن حزب «ميرتس»، ديدي زوكر وزهافا غالون. أين هو الآن معسكر السلام الإسرائيلي؟ لقد انزلق نشطاءُ السلام الإسرائيليون باتجاه نتنياهو ولم يعارضوا اجتياح غزة، وفي ما يخص المعارضة في إسرائيل فإنها تتحول فوراً إلى اليمين المتطرف في كل مرة تعلّق الأمر بالفلسطينيين.
لقد جرى محاكمة مروان البرغوثي أمام محكمة عسكرية، وهو ما أطلق عليه مروان اسم «مسرحية المحاكمة السياسية». حيث حُكم عليه بالسجن لمدة 5 مؤبدات و40 عاماً إضافية، وهو حكم غير شرعي. أجل، هذا الحكم يعكس طبيعة النظام القضائي القائم في هذه البلاد.
ضحى مروان البرغوثي بحياته في سبيل وطنه، طوال 22 عاماً، اجتمع مع أبنائه مرات معدودة، لقد التقى ابنه البكر، القسام، أربع مرات فقط منذ اعتقاله، ولم يجتمع مع زوجته فدوى، حبيبته ورفيقة دربه، منذ عامين. تلك التي جابت أرجاء العالم لتوصيل صوته ورسالته.
ولم تكن هذه المعاناة جديدة، فقد سبق لإسرائيل أن منعتها من زيارته لمدة أربع سنوات، خلال إضراب الكرامة الذي ساندته به. ومع مرور السنوات، لم يتمكن من لقاء أي من أحفاده الستة، الذين ولِدوا جميعاً وهو في الأسر. ومن المهم الإشارة إلى أن مروان البرغوثي لم يشهد ولادة أي من أبنائه الأربعة، فقد كان إما معتقلاً أو مبعداً أو مطارداً، يحمل في قلبه الوطن وقضية شعبه. إنه من خامة المناضلين العظام كغيفارا ومانديلا وعز الدين القسام.
منذ السابع من أكتوبر، وضعت إسرائيل مروان البرغوثي في العزل الانفرادي في سجن مجدو قرب حيفا، حيث تم فصله تماماً عن العالم الخارجي. في هذه الزنزانة، حُرم من أبسط احتياجات الحياة اليومية؛ فالغذاء لا يُقدّم بشكل كاف، ولا تتوافر أي وسيلة للتواصل. لا يوجد تلفاز، ولا راديو، ولا حتى كتب أو مجلات تتيح له التفاعل مع الأفكار أو الأخبار. بالإضافة إلى ذلك، فإن غياب الرعاية الطبية في العزل يزيد من معاناته، و يكشف عن سياسة الاحتلال في التضييق على الأسرى الفلسطينيين وإضعاف معنوياتهم.
يشرف على اعتقال مروان البرغوثي وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير شخصياً. في سبتمبر الماضي، قامت وحدة من وحدات القمع في السجون بالاعتداء عليه في زنزانة العزل الانفرادي، مستخدمة أدوات القمع والضرب. أسفر هذا الاعتداء عن إصابات عدة بجسده، بما في ذلك كدمات على الأضلاع والأطراف، إضافة إلى إصابة في أذنه اليمنى وجروح في ذراعه اليمنى وآلام شديدة في الظهر. على إثر هذا الاعتداء، بدأ مروان يعاني من صعوبات في التنفس وأوجاع في الصدر والظهر، بالإضافة إلى تقيح الجروح وإصابات في الأذن. وقد ظهرت كتلة دموية في مكان الإصابة، دون أن يتم تقديم أي علاج أو أدوية أو مسكنات آلام.
لا يسمح لمروان بمقابلة محاميه إلا مرة كل شهرين أو أكثر، وعبره فقط، تصل إليه العناوين العامة للأخبار، فلا يعرف بتفاصيل الأحداث المأساوية الأخيرة؛ لا بمجازر غزة، ولا باجتياح إسرائيل للبنان، ولا حتى باستشهاد القيادي يحيى السنوار أو استهداف السيد حسن نصرالله.
يشارك مروان البرغوثي في معاناة تتشابه مع أوضاع الأسرى الفلسطينيين الآخرين الذين يعاملون بأسلوب انتقامي بحت وليس كأسرى حرب. ويصل عدد المعتقلين الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي إلى ما يزيد عن 10 آلاف أسير في الضفة الغربية بينهم آلاف من الشباب الذين يتم احتجازهم دون محاكمة تحت بند «الاعتقال الإداري».
أمّا في غزة، فهي المثال الأبرز على جميع أشكال الإبادة الجماعية، حيث شهدنا جميعاً عبر الشاشات مشاهد لمعتقلين مكدسين في ظروف إنسانية قاسية، عاري الصدور، مكبلي الأيدي، ومعصوبي الأعين. يتم نقلهم بالعشرات إلى معتقلات سرية، يستشهدون تحت التعذيب والمحظوظ منهم يُزج به في معتقل سدي تيمان في منطقة النقب. هذا المعتقل ينقسم إلى قسمين: قسم الأقفاص وتستعمل كزنازين وهي مزدحمة بالمعتقلين، وقسم الخيم، الذي يُعتبر بمنزلة المستشفى الميداني، حيث يتم إرسال المعتقلين المرضى والجرحى دون أي رعاية طبية، فلا دواء متوافر، ولا حتى مسكنات للألم.
المسار الذي سلكه مروان البرغوثي هو المسار الذي وجدت فيه إسرائيل نفسها عالقة، وبدلاً من إصلاح الوضع والبحث عن الحل، ضيقت الخناق على الفلسطينيين ودفعتهم نحو الهاوية. والآن، تسعى إلى إبادتهم، بينما العالم يراقب بصمت. إذاً، إذا كان لديك أدنى شك في فهمك للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، ما عليك سوى أن تلقي نظرة على قصة مروان البرغوثي، وستتضح لك الصورة كاملة، وسيتجلى لك الصراع كمرآة تعكس آلام الشعب الفلسطيني وآماله في السلام.
انظر إلى مروان البرغوثي وستدرك القصة كاملة.

* أستاذة جامعية، باحثة في العلاقات الدولية والقانون الدولي لحقوق الإنسان

شاهد أيضاً

شكر وامتنان

إيناس الفقية (راية الإسلام) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على …