مؤشرات تتنبأ بالطرف المنتصر في الحرب

د. خالد عزب

في الشهور الأخيرة، تبلورت في مراكز العصف الذهني الغربية نقاشات حول معنى مفهومَي الهزيمة والنصر في الحروب المعاصرة. بدأ هذا النقاش مع انسحاب الولايات المتحدة الأميركية من أفغانستان، وعودة طالبان إلى الحكم. فهل كان ذلك هزيمة لأميركا ونصرًا لطالبان؟

في حقيقة الأمر، لكل طرف سرديته التي يوثّق بها رؤيته. لكن عودة طالبان، التي أرادت أميركا محوها بعد هجمات 11 سبتمبر/ أيلول، تؤكد أن النصر المؤقت الكاسح قد يخفي في داخله هزيمة غير مرئية، يشاهدها من يحلل الوضع على المدى البعيد.

في الحروب المعاصرة، النصر والهزيمة لهما معانٍ تختلف عن معاني الماضي. قديمًا وحتى الحرب العالمية الثانية، كان اكتساح الجيوش في الحروب التقليدية كفيلًا بحسم الحرب وإعلان الانتصار. والآن، تشير سردية الحروب في العقود الأخيرة إلى مقاتلين أقل تقنية قد يدمّرون جيوشًا ذات تقنية وإمكانات أعلى. فلم يعد السلاح وقوته التدميرية كافيَين لحسم الحرب.

هذا ما يجعل النقاش حادًا حول كلفة الحرب ونتائجها. ففي حرب غزة الأخيرة، تعاملت إسرائيل مع حماس بنفس المفهوم القديم، فأعلنت لجمهورها وأنصارها على الصعيد الدولي، أهدافًا للحرب تنصّ على إنهاء سيطرة حماس على غزة واستعادة الرهائن الإسرائيليين. لكن كلا الهدفَين لن يتحققا بالحرب. صحيح أن إسرائيل سيطرت على غزة حتى خط حدودها مع مصر، لكن حماس ظلت تعمل على الأرض، مستنزفة الجيش الإسرائيلي الذي يضعف يومًا بعد يوم.

ورغم أن الخسائر البشرية في غزة صعبة ومؤلمة، فإن الفلسطينيين لم يتركوا أرضهم تحت ضغط الحرب، مخالفين بذلك ما اعتادته إسرائيل في حروبها السابقة. فقد أصبحت الأرض لدى الفلسطينيين موازية للحياة. من جهة أخرى، نجحت حماس في شيطنة إسرائيل إعلاميًا، مما أفقد الأخيرة قدرتها على لعب دور الضحية كما في الحروب السابقة. كما عادت القضية الفلسطينية إلى الواجهة، مع الاعتراف دوليًا بأن احتلال إسرائيل لغزة لم يعد مقبولًا.

لا تدرك إسرائيل بعدُ أن احتلالها غزة سيؤدي إلى تنامي بيئة أكثر شراسة وعداءً لها على المدى البعيد، حيث لن يتسامح أي غزيّ معها، وأن إغلاق المجال السياسي وتشديد العنف في الحرب يمثلان “قبلة حياة” مستدامة لحماس. وعلى هذا المنوال، فالاعتقاد بأن جنوب إسرائيل سيكون في مأمن بعد هذه الحرب هو مجرد وهم؛ إذ ستظل هذه الجبهة مصدر استنزاف دائم لها.

شاهد أيضاً

الحرب تُدار من الغرف لا من الجبهات: حين انتقلت المعركة من الصواريخ إلى كسر الإرادات السياسية

الإعلامية جمانة كرم عياد الخميس 2026/06/25 وضعية الحرب الحقيقية، كما وردت في مختلف وسائل الإعلام …