
✍️ المرجع الراحل
السيد محمد حسين فضل الله
” ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدۡ جَمَعُواْ لَكُمۡ فَٱخۡشَوۡهُمۡ فَزَادَهُمۡ إِيمَٰنٗا وَقَالُواْ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ وَنِعۡمَ ٱلۡوَكِيلُ (173) فَٱنقَلَبُواْ بِنِعۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضۡلٖ لَّمۡ يَمۡسَسۡهُمۡ سُوٓءٞ وَٱتَّبَعُواْ رِضۡوَٰنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضۡلٍ عَظِيمٍ (174) إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ يُخَوِّفُ أَوۡلِيَآءَهُۥ فَلَا تَخَافُوهُمۡ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ” (175)
[ آل عمران ].
القوّة تكمن في الإيمان الرّاسخ:
وتتجسّد الصورة التي توحي بالقوّة من قاعدة الإيمان، فتهزم بروحيتها كلّ أساليب التخويف والترهيب الذين قال لهم النَّاسُ إنَّ النَّاسَ قد جمعوا لكم فاخشوهم، فقد انطلقت هذه الكلمات في عملية إيحاء بضخامة العدد والعدّة الذي يتمثّل في اجتماع هذا العدد الغفير من النَّاس لحرب المسلمين، بالمستوى الذي لا يستطيع المسلمون مواجهته على طريقة الحسابات الماديّة؛ الأمر الذي يدفع بهم إلى الشعور بالخوف من المشركين، فيتراجعون عن مواقفهم أمامهم أو يخففون من اندفاعهم في التحدِّيات التي يثيرونها في صراعهم مع الشرك، فيقبلون بالتسويات التي يأخذ فيها الإيمان حصّة ليأخذ الشرك في مقابلها حصة، فينتهي بهم الأمر إلى الانسحاب من مواقعهم الحقيقية في نهاية المطاف، لأنَّ الذين يتساهلون في بعض المواقف الحيوية تحت تأثير عامل الخوف سوف يتساهلون في القضايا والمواقف الأخرى للسبب نفسه في حالة أخرى.
ولكن هؤلاء المؤمنين الذين استجابوا للّه وللرّسول، كانوا يعيشون الإيمان في أنفسهم كعاملٍ من عوامل الشعور العميق بالقوّة، من خلال الشعور بالانتماء إلى اللّه القويّ القادر، ولهذا كان ردّ فعلهم على هذا التحدّي مزيداً من التصعيد في حركة الإيمان في الداخل، لأنَّ المؤمن يعيش الانتماء إلى اللّه والاعتماد عليه واللجوء إليه في حالات التحدّي بالمستوى الذي يملأ نفسه بالقوّة، ويفرّغ داخله من كلّ مشاعر الضعف التي تهزم مواقفه… وبذلك يزداد إيماناً في فكره وشعوره، لأنَّ التجربة الصعبة لدى الواعين من المؤمنين لا تضعف الإيمان، بل تُنمّيه وتقوّيه، وتربطه بالأسس الثابتة التي ارتكز عليها وانطلق منها في ما يتحسسه من حركة الإيمان في خطّ الواقع، وفي ما يُعانيه من ارتباط التجربة بقضايا الإيمان.
وهناك نقطة أخرى، وهي أنَّ التحدِّيات الكافرة كلّما كبُرت كلّما كانت دليلاً جديداً على مستوى الخطورة التي تمثّلها حركة الإيمان ضدّ الكفر، ما يمنح المؤمن شعوراً بقوّة الموقف في قوّة الإيمان، لأنَّ ردّ الفعل في حركة الكفر في ما يمثّله من أساليب العدوان لا يدلّ على قوّة في الموقف، بل يوحي بحالة الضعف التي تدفع إلى التشنّج والانفعال العدواني. وفي هذا الموقف يشعر المؤمنون أنَّ عليهم مواصلة الفعل من مواقعهم القويّة، ليرتفع مستوى الحركة إلى أعلى ما يستطيع العاملون أن يبلغوه. وهذا هو وحي القرآن في تصويره لهذه الروح الفاعلة الصاعدة: فزادهم إيماناً وقالوا حسبُنا اللّه ونعم الوكيل فقد وازنوا بين قوّة هؤلاء النَّاس الذين جمعوا لهم، وعرفوا أنَّ قوّتهم لا تملك عمقاً ذاتياً في حسابات القوّة، ولا تملك امتداداً في التأثير، لأنَّها محدودة في ذاتها وفي أثرها… وبين قوّة اللّه المطلقة التي تمنح القوّة كما يشاء وتسلبها كما يشاء، وحدّدوا موقفهم على هذا الأساس، فاختاروا الارتباط بالمطلق ولـم يخضعوا للمحدود؛ فشعروا بالكفاية باللّه، فهو الذي يكفي من كلّ شيء ولا يكفي منه شيء، وهو الوكيل عن عباده المؤمنين في ما يقوم به من حمايتهم وحفظهم من كلّ سوء.
واستجاب اللّه لهذا الإيمان فانقلبوا بنعمةٍ من اللّه وفضلٍ لـم يمسسهم سوءٌ، وردّ اللّه كيد الأعداء إلى نحورهم، فتراجعوا أمام حالة الاستعداد القصوى للمؤمنين التي عاشها المؤمنون من خلال نعمة اللّه وفضله عليهم، واتَّبعوا رضوان اللّه في ما يأمرهم به من الوقوف مع رضوانه في مواقع الجهاد، واللّهُ ذو فضلٍ عظيمٍ في ما أعطاهم من قوّة الموقف من خلال قوّة الإيمان، فلم يستطع النَّاس أن يهزموهم بالكلمة، كما لـم يستطيعوا أن يهزموهم بالفعل. وذلك هو فضل اللّه على عباده في ما يفيض عليهم من نعمة القوّة الروحية التي لا تقف عند حدّ.
إنَّما ذلكم الشَّيطانُ يُخوِّفُ أولياءه فليس الخوف الذي يحدث للإنسان إلاَّ من خلال تسويلات الشَّيطان الذي يوحي له بالمشاعر السلبيّة، التي تُعطي الأشياء من حوله صورة غير واقعيّة، فتضخّم في وعيه القضايا الصغيرة، وتصغّر القضايا الكبيرة، وتضع أمامه صورة الموت الذي يُلغي أطماعه وشهواته؛ فيضعف أمام ذلك كلّه، ويتضاءل ويصغر ويتراجع عن مواقفه، وينسحب من مواقع الجهاد الصعب تحت تأثير عامل الخوف الناتج من ذلك كلّه… وذلك هو شأن أولياء الشَّيطان، يصغون بمسامع قلوبهم لوسوسته. أمّا أولياء اللّه فهم الذين لا يرتبطون بالحياة إلاَّ من خلال الإيمان باللّه الذي يمسك مقاليدها بيده، ويحرّكها بقدرته، ويضع خططها بحكمته، فهو الذي ينفع ويضر، وهو الذي يحيي ويميت وإليه المصير… وليست الحياة الدُّنيا نهاية المطاف، ليسقطوا أمام صورة النهاية في صورة الموت، بل هي بداية لحياة جديدة أخرى.
ولهذا فإنَّ الموت لا يمثِّل حالة سلبيّة في عمق الشعور الإنساني المطيع للّه، بل يحدث له حالة عكسيّة من الشعور الإيجابي بالشوق للقاء اللّه للحصول على رضوانه ونعيمه في الدار الآخرة. وهذا هو شعار المؤمنين في المعركة في ما حدّثنا اللّه عنه في قوله تعالى: قل هل تربَّصُونَ بنا إلاَّ إحدى الحسنيين (التوبة:52)؛ النصر أو الشهادة. فلا تخافوهم لأنَّهم لا يملكون القوّة الذاتية التي تخيف المؤمنين، وخافونِ إن كنتم مؤمنين بالوقوف أمام حدود اللّه في الثبات على خطّ الجهاد وعدم الانهزام أمام تحدّيات الأعداء، فإنَّ الإيمان موقف لحساب اللّه، وليس كلمةً عابرةً تنطلق به الشفاه في حالة شعورية سلبيّة في حركة الذات.
* * *
الجهاد حركة للحياة:
وقد نستوحي من هذه الآيات في أنَّها لـم تتحدّث عن التاريخ الجهادي للمسلمين كتاريخ محدود يتحرّك ضمن شخصيات معيّنة، بل تحدّثت عنه كنموذج من نماذج حركة الإسلام في الحياة في حركة المؤمنين الذين يواجهون تحدّيات الأعداء بالقوّة، فلا تصرعهم الهزيمة بل تزيدهم قوّةً واستعداداً للحصول على النصر من خلال اختزان دروس الهزيمة في داخلهم، وتحويلها إلى تجربةٍ رائدة في خطّ السير، ليُتابعوا الطريق ويستشعروا بالقوّة المتجدّدة بقدر ما يتجدّد الإيمان في نفوسهم.
وبذلك تتحوّل هذه القصة إلى درس نتعلّمه في مواقفنا عندما نقود معركتنا في صراعنا مع الكفر والظلم والاستعمار، فيُحاول الأعداء أن يستغلوا الأوضاع الشاذة في مجتمعاتنا ليثيروا فينا مشاعر الخوف من خلالها. فإنَّ المؤمن ينظر بنور اللّه، فيدرس الواقع، لا على أساس حدوده الضيّقة، بل على أساس المعطيات المستقبلية التي يمكن أن يقدّمها للمستقبل، في ما يوحي به من عملية حشد القوّة في الداخل والخارج من خلال الارتباط باللّه، فإنَّ الحياة بيد اللّه، فلا يملك أحد أن يسلب الحياة ممن يريد اللّه له ذلك. وهذا هو سرّ القوّة النفسية التي يواجه بها المؤمن الحرب النفسية التي يشنها الأعداء ضدّه، فيتزايد لديه الشعور بأنَّه يقف على أرض صلبة، وأنَّ رأسه مرفوع إلى السَّماء في اتجاه النور المتحرّك في آفاق اللّه.
وتربية التوكّل على اللّه التي نشأ عليها هؤلاء المسلمون من الصحابة في صدر الدعوة، هي السرّ في الثبات على الإسلام أمام كلّ التحدّيات الصعبة والأخطار الكبرى، فقد فهموه فهماً واعياً عميقاً واسعاً ممتداً في حركة الواقع الإنساني، وذلك بالأخذ بالأسباب التي أعدّها اللّه للأشياء في واقع الحياة في قضايا النصر والهزيمة مما يتصل بالأسباب الطبيعيّة، وبالانفتاح على اللّه في استلهام القوّة منه في الإمداد الغيبـي الذي يمدّ به عباده الصالحين في ساعات الشدّة، وفي مواقع التحدّي عندما يخضعون لبعض نقاط الضعف النفسية في ضعف بشريتهم، ووهن الإرادة واهتزاز الإحساس، وسيطرة الخوف والحزن من خلال أسبابها في الواقع، فينطلقون إلى اللّه يستمدون منه القوّة التي تنقذهم من ضعفهم، والأمن الذي يخلّصهم من خوفهم، والفرح الروحي الذي يُبعدهم عن حزنهم؛ فتمتلئ نفوسهم بالثقة أمام الأعداء.
فإذا كانوا يمثّلون القوّة الماديّة التي تغلب قوّة ماديّة مماثلة، فإنَّ اللّه يملك القوّة الغيبية التي لا تغلب ولا تقهر، وهكذا يتحوّل التوكل في معناه الإيماني إلى عنصر قوّة في الإنسان المؤمن، بحيث تطرد عنه كلّ عوامل الضعف، فينطلق إلى الحياة في كلّ قضاياها بثقةٍ فاعلةٍ، واطمئنان عميق، وموقف ثابت، وهذا هو شأن القوّة الروحيّة الإيمانيّة في الواقع الحركي للإنسان في مواجهة الشدائد.
ـــــــــــــــ
📖 تفسير من وحي القرآن
(1) مفردات الراغب، ص:149.
(2) مجمع البيان، ج:2، ص:886.
(3) مجمع البيان، ج :2، ص:886ـ888.
إعداد وتنسيق :
علي رفعت مهدي

مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
