هل دخلت إيران في الحرب؟

فاطمة الصياحي
باحثة في العلاقات الدولية من إيران

كان للرد الصاروخي الإيراني على إسرائيل يحمل رسالتين مهمتين؛ الرسالة الأولى كانت أن طهران لا تخشى الصراع مع تل أبيب، والثانية إنها لن تترك حلفائها وحدهم في المواقف الصعبة. وخلال الأيام القليلة الماضية أنتقد العديد من الأشخاص ووسائل الإعلام عدم تحرك إيران‌ واستبعدوا أي عملية إيرانية للإنتقام لدماء الشهيد إسماعيل هنية والشهيد السيد حسن نصر الله. لكن في نفس الوقت كانت إيران مشغولة بنقل ونصب بعض أنظمتها الصاروخية، مثل صواريخ “فتاح” الباليستية والفرط صوتية في مناطق حدودية مختلفة.

وكانت إيران مشغولة لعدة أيام بالتحقيق وتقييم الوضع من أجل إدارة الصراع. لكن مع الأخذ في الأعتبار كل النتائج، بما في ذلك بداية حرب إقليمية،
شنت طهران هجومها الصاروخي الثاني على الأراضي المحتلة، معلنة رسميا” أستعدادها للحرب وأي سيناريو محتمل آخر ودخلت إلى الميدان. خلال العام الماضي ومنذ بداية عملية طوفان الأقصى، لم تقم إيران قط بأي أعمال إضافية أو استفزازية ضد تل أبيب؛ والسبب في ذلك هو أن إيران لم ترغب في زيادة التوتر في المنطقة وإلحاق المزيد من الضرر بسكان غزة أو جنوب لبنان من خلال إثارة الصراعات.. وحتى بعد إغتيال هنية في طهران، كانت الحكومة الإيرانية الجديدة تأمل وتدعم الجهود الرامية إلى وقف إطلاق النار في غزة.

لكن إسرائيل بقيادة نتنياهو لم تكن شاكرة لطهران على ضبط النفس الذي أبدته، بل حولت استراتيجياتها إلى سياسة الإرهاب في مزيد من أنعدام الأمن. وفي حسابات إسرائيل، ترجمت كل استراتيجيات إيران قصيرة المدى، بما في ذلك الصبر الأستراتيجي، إلى “موقف ضعيف” وأصبح هذا الكيان المجرم أكثر غطرسة. إن أستهداف الشهيد السيد حسن نصر الله في لبنان كان يعني أن إسرائيل تجاوزت كل الخطوط الحمراء الإيرانية. ولذلك قامت طهران التي كانت مستعدة للحرب بقصف الأراضي المحتلة ليعلم نتنياهو أن للصبر نهاية.
نتنياهو هو قائد الهزائم المتتالية على يد إيران وحلفائها؛ وفي فرصته الأخيرة لقيادة إسرائيل أراد أن يذكره التاريخ باعتباره البطل التاريخي للصهيونية من خلال مهاجمة إيران والعديد من الدول المتحالفة مع إيران. لكن هجمات إيران الصاروخية أثبتت أنه بطل الركاض والهروب إلى الملاجئ!

كما ذكرت سابقاً أعلنت إيران دخولها الحرب بهذا الرد الصاروخي الكبير على تل أبيب.. ورغم أن طهران لم تتمكن من العودة الى الماضي أو إعادة قادة المقاومة، إلا أنها تمكنت من استعادة قوتها الردعية بالأعتماد على قدراتها الصاروخية التي استثمرتها منذ سنوات و في ظل أشد العقوبات. الهجوم المفاجئ على إسرائيل، سرعة إطلاق الصواريخ، إصابة الصواريخ المباشرة بالأهداف، تعطل منظومة القبة الحديدية وعدم قدرتها على أعتراض الصواريخ، أهداف عسكرية واستراتيجية مختلفة، الهروب الجماعي للمستوطنين إلى الملاجئ والخوف والتوتر الذي أصاب نتنياهو وقد ظهر ذلك جليا” في مؤتمره الصحافي من خلال رجفة يده ما فرض على المصورين تقريب الصورة حتى لا يظهر ذلك للجمهور، أثبت أن إيران ما زالت تملك قوة المبادرة المفاجئة وتستطيع خلق معادلات جديدة للصراع وفرضه على الطرف الآخر.

والآن كل السيناريوهات قائمة أمام طهران.. بما في ذلك أستمرار إغتيال القادة السياسيين من قبل إسرائيل أو أستهداف المنشآت النووية الإيرانية. ولكن يتعين على إسرائيل أن تعلم أيضاً أن سياسة الإرهاب هي سياسة خطيرة وأن عواقبها أخطر بكثير. ومن خلال الهجمات المباشرة على إيران ومصالحها وحلفائها، غيرت إسرائيل كل استراتيجيات طهران فيما يتعلق بالتطورات المستقبلية في المنطقة؛
بعد أنتصار الثورة الإسلامية التي مضى عليها 45 عاماً، لم يتم ذكر مسألة “الحرب مع إسرائيل” في مبادئ وأهداف النظام السياسي الإيراني بشكل مباشر ورسمي وكان يذكر فقط “مساعدة المستضعفين في العالم”. لكن الآن وبفضل إثارة الحرب لدى نتنياهو، انفتحت حدود الصراع مع إسرائيل وتعتبر طهران نفسها ملزمة بالدفاع عن نفسها؛ وهذا الدفاع لا يرتكز على شعارات هذا النظام بل يؤمن به كل الإيرانيين.

ومن خلال إعادة انتخاب الإصلاحيين لإدارة البلاد، سعى الشعب الإيراني إلى نقل رسالة السلام والأستعداد للتفاوض مع أمريكا. لكن نتنياهو جعل هذا الطريق مليئا” بالتحديات وأثبت إن سلام إيران مع العالم غير مرغوب فيه لدى الإسرائيليين. وبإغتيال هنية في طهران في حفل تنصيب الرئيس الجديد، بعثوا رسالة واضحة إلى طهران وواشنطن بأننا لا نريد السلام وأن العلاقات الأميركية مع إيران تحت سيطرتنا. ومن المؤسف جدًا لموقف أمريكا أن ترتكب تل أبيب الأخطاء في كل مرة دون استشارة البيت الأبيض، وتجبر واشنطن في النهاية على الدفاع منها. لقد أنفقت واشنطن الكثير في دعم إسرائيل والآن عندما يتظاهر مسؤولوها بأن الهجوم الإيراني الأخير لم يكن فعالاً أو أن البيت الأبيض لا يدعم رد تل أبيب على طهران، فإن السبب هو أنهم لا يريدون الدخول في لعبة نتنياهو مرة أخرى ودفع ثمن جديد.

 

شاهد أيضاً

شكر وامتنان

إيناس الفقية (راية الإسلام) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على …