
بقلم: أمين السكافي
في زمنٍ تُقاس فيه الإنجازات بميزان الدم، وتُكتب فيه الوقائع على وقع الانفجارات لا على ورق المراسلات، يخرج علينا “الإنجاز الكبير” و”القرار التاريخي” الذي سيُخلَّد — لا بأحرف من نور كما جرت العادة — بل بأحرف من سخرية سوداء لا تُمحى. نعم، كتر خيرك دولة الرئيس، فقد تكرّمت وطلبت من وزير الإعلام بول مرقص أن يتم ذكر دعوة لبنان الرسمية لوقف إطلاق النار، وتحديدًا في مناطق الجنوب. يا له من فتحٍ مبين!
لم يكن يخطر ببال أحد أن تختصر الدبلوماسية، بكل ما تحمله من ثقل ومسؤولية، بطلبٍ إعلامي عابر، وكأن المأساة التي تتوالى فصولها تحتاج فقط إلى “تذكير” أو “إدراج” في نشرة أخبار. كأن الدم الذي يُراق يحتاج إلى صياغة لغوية أدق، أو إلى إعادة ترتيب في البيان الرسمي، ليأخذ طريقه إلى ضمير العالم. وكأن الجنوب، وهو ينزف يوميًا، كان ينقصه فقط أن يُذكر بالاسم، لا أن يُنقذ بالفعل.
لذلك، لا يسعنا إلا أن نشدّ على يدك، وأن ندعو لك بطول العمر، فقد حققت ما لم يفعله أحد من قبلك، ولن يجرؤ أحد من بعدك على بلوغه. أن تجعل من “طلب الذكر” إنجازًا، ومن “إدراج الموقف” خطوة جريئة، فهذا مستوى جديد من الإبداع السياسي، يليق بأن يُدرّس في كليات اللامسؤولية المتقدمة.
لكن، يا دولة الرئيس، وبين هذا السيل من الإنجازات اللفظية، يجرؤ السؤال على التسلل: أليس من أبسط واجبات الحكومة، بل من بديهيات وجودها، أن تستنفر كل طاقتها الدبلوماسية؟ أن تتحرك في كل عاصمة، وأن تطرق كل باب، وأن تُقلق راحة كل مسؤول في دول القرار، مع كل شهيد يسقط، ومع كل طفل لم يبلغ الحلم، ومع كل صحفي قُطع صوته قبل أن ينهي جملته، ومع كل مسعفٍ كان يحاول إنقاذ ما تبقى من إنسان؟
أليس من المفترض أن يكون الجهد يوميًا، بل لحظيًا، بحجم الألم المتدفق؟ أن تتحول المأساة إلى قضية عالمية تُفرض فرضًا، لا إلى بندٍ يُدرج عند الطلب؟ أن تُروى السردية اللبنانية، لا كخبرٍ عابر، بل كصرخةٍ مدوية تفضح العدوان الوحشي والهمجي والبربري الذي تمارسه قوات الاحتلال الصهيوني على شعبٍ أعزل، على قرى تُمحى من الوجود، وعلى ترابٍ نحفظه أكثر مما يحفظنا؟
أم أن الانشغال بأولوياتٍ أخرى بدا أكثر إلحاحًا؟ كالتفكير، على مهل، بكيف ومتى يُنزع سلاح المقاومة، أو متى قد يحين موعد اللقاء المنتظر مع رئيس وزراء العدو في البيت الأبيض، عند صديق رئيس الجمهورية. ربما هذه هي المعارك الحقيقية التي تستحق الجهد، أما الدم النازف في الجنوب، فتكفيه برقية، أو طلب إحاطة، أو — في أقصى الحالات — توجيه إعلامي كريم.
ولا ننسى، بطبيعة الحال، أن نرفع القبعة لسفيرة لبنان لدى واشنطن، التي أدت قسطها للعلى، وطلبت وقف إطلاق النار. وهنا أيضًا، لا يسعنا إلا أن نشعر بثقل الجميل الذي أصبح في رقابنا. كيف سنوفيها حقها؟ هل نكتفي بالشكر، أم نُدرج طلبها في بيان آخر، لعلّ التاريخ يلتقطه هذه المرة؟
في المحصلة، يا دولة الرئيس، يبدو أن المأساة أكبر من أن تُختزل، لكن الإنجاز — كما قُدّم لنا — أصغر من أن يُرى. وبين هذا وذاك، يبقى الجنوب يكتب الحقيقة بدمه، فيما تُكتب البيانات بحبرٍ لا يشبه
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net