من جبل عامل إلى طهران: سقوط أسطورة إسرائيل الكبرى وولادة نظام إقليمي جديد.

جمانة كرم عيّاد.

اليوم الـ110… لحظة انهيار الوهم الاستراتيجي وبداية تشكّل الردع الإقليمي الجديد.
المقدمة: لحظة الحقيقة التي أسقطت وهم القوة المطلقة:
في تاريخ الحروب لا تُقاس النتائج بعدد الغارات ولا بضجيج البيانات العسكرية، بل بقدرة مشروعٍ كامل على البقاء حيّاً بعد أول اصطدامٍ جادّ مع الواقع. فهناك معارك تُربَح بالنار، لكن الحروب تُحسم حين تُهزم الأفكار التي تقف خلف النار.
واليوم، في اليوم الـ110 من الحرب، لا يبدو المشهد مجرد مواجهة عسكرية ممتدة، بل لحظة انكشاف استراتيجية كبرى سعت لإعادة رسم الشرق الأوسط وفق منطق إسرائيل الكبرى، فإذا بها تصطدم بجغرافيا لا تُطوّع، ومجتمعات لا تُفرغ، ومقاومة لا تُستنزف كما كان يُخطط لها.
إن ما يجري ليس تفصيلاً تفاوضياً ولا هدنة مؤقتة، بل تحوّل عميق في ميزان القوة الإقليمي، حيث باتت تل أبيب، ومعها واشنطن، تتعامل مع قوى المقاومة لا كأهداف حرب، بل كأطراف في هندسة النظام القادم.
وهنا تبدأ نهاية الوهم وبداية الحقيقة.
أولاً: سقوط الأهداف الاستراتيجية… ارتداد المشروع على أصحابه:
انطلقت الحرب على قاعدة واضحة: تفكيك محور المقاومة، إعادة ضبط إيران، وتحويل جنوب لبنان إلى مساحة أمنية خاضعة للسيطرة الإسرائيلية المطلقة.
لكن بعد 110 أيام، تبدو النتائج على النقيض تماماً:
تبدد مشروع كسر الردع: بدل انهيار وحدة الساحات، تحولت إلى معادلة ميدانية ممتدة من طهران إلى جنوب لبنان، فرضت توازنها بالقوة لا بالشعارات.
فشل رهان تفكيك إيران: بقيت البنية النووية والسياسية في مكانها، بينما انتقلت طهران إلى موقع التفاوض النديّ لا موقع الضغط.
سقوط فكرة المنطقة العازلة: جنوب الليطاني لم يتحول إلى فراغ أمني، بل إلى مساحة اشتباك تُفشل أي محاولة تثبيت طويل الأمد للاحتلال.
وهكذا لم تتراجع الأهداف فقط، بل انقلبت لتصبح نقيضها بالكامل.
ثانياً: الميدان… حيث تحوّل التفوق التقني إلى عبء استراتيجي:
اعتمدت إسرائيل في هذه الحرب على تفوقها التكنولوجي والاستخباري، لكن الميدان أعاد تعريف معنى “القوة”.
ففي مقابل منظومات دقيقة ومعقدة، برزت معادلة مختلفة تماماً:
استنزاف محسوب بدل مواجهة مفتوحة: تضاريس الجنوب تحولت إلى بيئة إنهاك مستمر للقوات المهاجمة، لا إلى ساحة حسم سريع.
تكيّف مقاوم بدل رد فعل تقليدي: أساليب القتال تطورت بما يتجاوز نمط الاستهداف الكلاسيكي، وأفقدت سلاح الجو قدرته على فرض سيادة مطلقة في الأجواء.
تراجع هيبة التفوق الجوي: لم تعد السماء مفتوحة بلا كلفة، بل أصبحت جزءاً من معادلة ردع متبادل تُدار بحدود صارمة.
الإرادة كعامل حاسم: ثبت أن العنصر غير القابل للحسابات التقنية هو الأكثر تأثيراً في حسم التوازن: إرادة البقاء والقتال الطويل.
هنا لم يعد السؤال من يملك التقنية، بل من يفرض قواعد استخدامها.
ثالثاً: التصدع الداخلي الإسرائيلي وتحول الموقف الدولي:
في الداخل الإسرائيلي، لم تعد الأزمة مرتبطة بتكتيك عسكري، بل بعمق أزمة سياسية–وجودية تتعلق بجدوى الحرب نفسها.
المشهد يعكس:
تبايناً حاداً بين المستويين السياسي والعسكري حول إدارة المعركة.
تصاعد النقد الإعلامي لفكرة النصر المطلقالتي تآكلت أمام الواقع الميداني.
إعادة حسابات داخل المؤسسة الأمنية بشأن القدرة على تحقيق الأهداف الأصلية.
أما دولياً، فقد بدأت ملامح التحول تظهر بوضوح:
الولايات المتحدة لم تعد تتحرك بمنطق الدعم غير المشروط، بل بمنطق إدارة المخاطر الإقليمية.
الضغط بات يتجه نحو تثبيت تسويات تمنع الانفجار بدل توسيع الحرب.
وظهر إدراك متزايد أن استمرار المواجهة يهدد التوازنات الأمريكية في المنطقة أكثر مما يخدمها.
وهكذا انتقل المشهد من تفويض مطلق إلى إدارة تراجع محسوب.
#رابعاً: جبل عامل… من ساحة اشتباك إلى نقطة تحول تاريخي:
لم يعد الجنوب اللبناني مجرد جبهة عسكرية، بل أصبح نقطة إعادة تعريف للمعادلات الإقليمية.
فما كان يُراد له أن يكون منطقة عازلة، تحول إلى:
ساحة تثبيت ردع متبادل لا يمكن تجاوزها بسهولة.
نموذج لإفشال مشاريع الهندسة الجغرافية بالقوة العسكرية وحدها.
رمز لعودة الجغرافيا إلى دورها السياسي في مواجهة مشاريع التفكيك.
في هذا السياق، لم يعد الحديث عن السيطرة على الأرض ممكناً دون حساب كلفة سياسية وعسكرية مرتفعة، وهو ما يغيّر طبيعة الصراع من جذوره.
الخاتمة: نهاية مشروع وبداية نظام جديد:
في اليوم الـ110 للحرب، لا يبدو أن الشرق الأوسط كما كان قبلها. فالمعركة التي بدأت تحت عنوان “إعادة تشكيل المنطقة” انتهت عملياً إلى إعادة تعريف مفهوم القوة ذاته.
لقد سقطت فكرة “إسرائيل الكبرى” ليس كشعار سياسي، بل كمشروع قابل للتطبيق، وبدأ يتشكل بدلاً منها نظام إقليمي أكثر تعقيداً يقوم على توازنات متعددة الأقطاب، لا على هيمنة طرف واحد.
لم تعد القوة تُقاس بقدرة طرف على فرض إرادته، بل بقدرته على التعايش مع حدود لا يستطيع تجاوزها.
وفي هذا التحول، يبقى جبل عامل شاهداً على لحظة مفصلية:
حين توقفت الخرائط عن كونها أوراقاً… وأصبحت تُرسم من الميدان.
إن ما تحقق في جبل عامل هو امتدادٌ لملحمة غزة وتكريسٌ لـ “وحدة الساحات” التي حطمت أوهام الاحتلال بتحييد أزيد من 500 مدرعة عسكرية،
وهو ما فجّر في عمق الكيان استقطاباً حاداً بين جناحيه الديني والعلماني، مسبباً شللاً استراتيجياً عمّق مأزقهم الوجودي والسياسي،بموازاة تثبيت طهران لمعادلة التفاوض الندّي كقوة حافظت على كامل مقدراتها النووية دون التنازل عن كيلوغرام يورانيوم واحد تحت الضغط،
ليتجه الشرق الأوسط خلال السنوات الخمس المقبلة نحو هندسة جيوسياسية جديدة محكومة بالردع المتبادل وتعدد الأقطاب الإقليمية،وتتحول المقاومة إلى الشريك الأساس في رسم ملامح نظامٍ جديد يُكتب بوقائع الميدان الصلبة لا بأحلام وتمنيات القوى المهيمنة.
إنها ليست نهاية حرب فقط، بل بداية زمن جديد،زمن لا يُكتب فيه التاريخ بالأحلام، بل بالوقائع التي تفرض نفسها على الجميع.

شاهد أيضاً

مشروع مسيرة نحو الجنوب يوم الاحد في الحادي والعشرين من شهر حزيران

  – عقدت مجموعة “لأجل لبنان… المواطن أولاً” مؤتمرا صحافيا لإطلاق مبادرتها الأولى بعنوان “نحو …