يجب ألا ننخدع بالضربات المحظوظة التي تحققها إسرائيل

 

كتب /// ألون مزراحي ” كاتب يهودي”

***ترجمها من الانكليزية جهاد أيوب

 

وبينما يلوح في الأفق غزو بري إسرائيلي ( يقصد على لبنان)، سيصبح من الواضح قريباً كيف أن السماح لإسرائيل بأن تكون المحرك المتصور لسقوطها، وهو أفضل مسار عمل لنصر الله في مشهد جيوسياسي معقد.
لقد استمعت باهتمام إلى خطاب حسن نصر الله أمس، ذلك الخطاب الذي ألقاه رداً على مذبحة بيجر العشوائية التي ارتكبتها إسرائيل. ما سمعته في هذا الخطاب هو زعيم يسعى إلى ترسيخ موقفه على الأخلاق والتضامن والتواضع (وهو ما يمكنك أن تصدقه أو لا تصدقه، أنا فقط أقول ما رأيته). لم أسمع أي غرور، ولا عدوانية، وقليل جداً من الغضب!
وسارع المحللون الإسرائيليون إلى إعلان نصر الله منكسراً ومهزوماً، ولم يظهروا، كالعادة، أياً من تواضع عدوهم وضبط النفس.
في حين أننا لن نعرف المعنى الحقيقي لخطاب نصر الله إلا في وقت لاحق، إلا أنني أتذكر شيئاً واحداً قاله لي عم يهودي عربي محبوب… كان ذلك خلال جولة سابقة من العنف على الحدود الشمالية لإسرائيل (ربما في عام 2006).
وفي حديثه عن نصر الله، قال عمي (عازف العود، الناطق بالعربية، المعجب بعبد الوهاب): “علينا أن نعامله باحترام… إنه أب ثكلى»… لدهشتي، استخدم عمي مصطلحاً مخصصاً خصيصاً لآباء جنود الجيش الإسرائيلي الذين سقطوا (‘شاخول’)، مما خلق إحساساً إنسانياً وفلسفياً بالمساواة كان شجاعاً وغير عادياً.
فقد نصر الله ابنه البكر، محمد هادي، الذي كان في الثامنة عشرة من عمره، في معركة مع جنود جيش الدفاع الإسرائيلي في 12 سبتمبر 1997، إلى جانب ثلاثة مقاتلين آخرين من حزب الله.
**لذا لا يوجد أي عدم احترام من جانبي تجاه نصر الله.** هو يعرف ثمن الحرب.
ما شعرت به أيضاً بعد مشاهدة خطابه من الأمس هو أن نصر الله قد يكون يتظاهر قليلاً، أي أنه يبالغ قليلاً في الألم والأضرار التي تعرضت لها حزب الله بلا شك كتكتيك لخداع إسرائيل وجعلها تعتقد أن المنظمة قريبة من نقطة الانهيار…!
كتب رون بن اشاي، احد المحللين العسكريين البارزين في اسرائيل بعد مشاهدة الخطاب نفسه : “ان اكثر ما يخشاه نصر الله هو غزو بري” .
أعتقد عكس ذلك تماماً وإن غزواً برياً إسرائيلياً للبنان هو أكبر حلم لنصر الله، حيث سيسمح للمنظمة بإطلاق العنان لتكتيكات حرب العصابات بشكل كامل، وتحقيق ثمن باهظ من حيث الخسائر والأجهزة المعنوية، وسيسمح ذلك أيضاً لحزب الله بالضرب بعمق داخل إسرائيل، ومع ذلك يُنظر إليه كقوة مدافعة….هذه نقطة حاسمة، وتوصلني إلى الأسباب الرئيسية التي تجعلني أعتقد أن حزب الله قرر عدم بدء حرب مع إسرائيل (بل السماح لإسرائيل بقيادتها) ولماذا، على الرغم من تكلفتها؟ كان هذا قراراً استراتيجياً سليماً.
***اجعل إسرائيل المتنمرة والمعتدية في الرأي العام*
يجب أن نتذكر أنه بالنسبة للقوات العربية والإسلامية، فإن القتال مع إسرائيل يتم تحت عجز كبير في العلاقات العامة” في أجزاء من العالم حيث يتشكل الوعي من خلال وسائل الإعلام الاستعمارية، يُقدم قتل المسلمين والعرب دائماً كأنه هواية لطيفة وعادية”، ومن الصعب للغاية على شعوب غرب آسيا الذين يكافحون ضد الإمبريالية الأوروبية البيضاء أن تُعرض قضيتهم بشكل عادل.
نظراً لأن الصراع السياسي هو عنصر أساسي في كل حرب، ولأن إسرائيل تتمتع بميزة غير طبيعية في هذا الصدد، فإن السيطرة الدقيقة على السرد تعتبر ضرورية لخصومها. بينما تعاني من أضرار جسيمة على الصعيد العملياتي، أصبح حزب الله الآن يواجه إسرائيل كالمعتدية والمتنمرة في مركز الاهتمام الدولي المستمر والمتجدد.
ولنتذكر أن غزة هي أرض جغرافية بلا صاحب (حيث لا يوجد تقريباً من يتحدث باسمها سوى أهلها)، بينما لبنان حالة مختلفة تماماً. إنه ليس مجرد دولة ذات سيادة، بل يقع على عتبة أوروبا، وله روابط عميقة مع العديد من المجتمعات القوية حول العالم، يتكون من مهاجرين لبنانيين وأجانب لهم علاقات طويلة الأمد مع هذا المكان.
وعلى الرغم من حجمه الصغير، إلا أن لبنان يحمل أهمية ثقافية كبيرة للعرب، وهو واحد من أكثر البلدان الغربية في العالم العربي، حيث يتمتع بتنوع لغوي وديني وعرقي.
إذاً حاولت إسرائيل أن تفعل بلبنان ما فعلته بغزة، فإن رد الفعل الدولي سيكون أقوى بعشر مرات، ونصر الله يعرف ذلك. إسرائيل، من ناحية أخرى، عمياء من الغرور والدعم الأميركي، ولا تعترف بهذه العقبة.

**هذا يحمل المعنى الدبلوماسي الجاد**

العلاقات العامة ليست اللعبة الوحيدة لحزب الله في أولمبياد السيطرة على السرد، والدبلوماسية هي أيضاً تخصص رئيسي في هذا المجال…وفي هذا الصدد، وبشكل عام أدى ذلك من إظهار ضبط النفس النسبي تجاه إسرائيل إلى تحقيق حزب الله لإنجازات جدية “حيث أعربت مجموعة من المؤسسات الدولية عن رأيها السلبي بشكل قاطع تجاه إسرائيل، مما عزز صورتها كدولة مارقة ومجنونة”!
قضية الإبادة الجماعية في محكمة العدل الدولية، وقضايا المحكمة الجنائية الدولية المتعلقة بعدم شرعية الاحتلال، والاحتمالات المتعلقة بمذكرات الاعتقال ضد قيادة إسرائيل، وحتى تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة بشكل ساحق لإنهاء احتلال إسرائيل لفلسطين، كلها جزء من العملية الطويلة لعزل إسرائيل، وكل تلك العمليات البطيئة والمحدودة الفعالية، التي تظل ضرورية رغم ذلك، من الأفضل أن تُترك لتظهر عندما تكون إسرائيل هي المتنمر الواضح، والمحتل، والمعتدي.
لو كان حزب الله قد قرر بدء حرب في وقت مبكر من الإبادة الجماعية، فمن المشكوك فيه أن أي من تلك التطورات كانت ستحدث، حيث كان بإمكان إسرائيل أن تقدم نفسها كضحية لهجوم منسق ومتعدد الاتجاهات.
ومن خلال البقاء بعيداً عن ذلك في الغالب، ترك حزب الله إسرائيل تتخبط في أفعالها وتبعاتها. كما ساعد ذلك في تمهيد الطريق لعمل دولي أكثر جدية ضد إسرائيل، حيث تتطور جميع تلك العمليات ببطء وتدمر بشكل أكبر تصور إسرائيل.
يعلم منافسو إسرائيل أنهم بحاجة إلى كسب قلوب الشعوب الغربية، ومن أجل ذلك، يجب أن يُنظر إليهم كضحايا بدلاً من أن يكونوا معتدين، وذلك بطريقة واضحة وحاسمة( بعد عام من الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في غزة، أصبحت صورتها في الغرب مدمرة بشكل شبه دائم إلا بين نخبة المؤسسات المشتراة والمدفوعة).
وعلى المدى الطويل، سيثبت أن هذا سيكون أكثر فائدة لمحور المقاومة من المدن الإسرائيلية المدمرة.

***دع إسرائيل تنزف وتضعف.
كالعادة، تقوم إسرائيل حالياً بتضخيم ورقة تفوقها الجوي، متظاهرة بأنها تستطيع الفوز في الحروب وتدمير المنافسين، لكنها تتظاهر أيضاً بأن بقية قواتها العسكرية تتمتع بنفس مستوى الفعالية أو الجاهزية. الحقيقة هي أن لا واحدة من هذه الادعاءات صحيحة. وقد استخدمت إسرائيل قوتها الجوية ضد غزة لمدة عام، ولا تزال حماس تعمل وتقتل جنود الجيش الإسرائيلي بشكل روتيني. وليس لدينا سبب للاعتقاد أنه سيكون الأمر مختلفاً مع حزب الله. (وحزب الله جيش أكثر قدرة وتنظيماً وتجهيزاً لا يمكن قطع إمداداته.)
بالإضافة إلى ذلك، فإن جيش الدفاع الإسرائيلي والجمهور الإسرائيلي متعبون ومثقلون بعد عام من القتال دون أي نتائج تذكر (تقريباً لا يوجد أسرى تم إنقاذهم أحياء، لا تزال حماس ناشطة، اقتصاد اسرائيل متضرر بشدة، وعشرات الآلاف من الجنود متضررين، وأكثر من 600 قتيل وعدة آلاف من المعاقين مدى الحياة).
وإذا لم يكن ذلك كافياً، فنحن نشهد تشكيل موجة من الكراهية الدولية والعمل الثقافي القانوني والمشاعر ضد إسرائيل لم نشهدها من قبل في حياتنا، ولو تصرف حزب الله بتهور، لما كان هذا قد حدث.
الجنود الاحتياطيون، الذين يمثلون المصدر الرئيسي للموارد البشرية في جيش الدفاع الإسرائيلي، متعبون ومليئون بالاستياء بعد عام من استدعائهم للخدمة من قبل حكومة يكرهها الكثير منهم ويتظاهرون ضدها، والخسائر الكبيرة المتوقعة في الأيام الأولى من غزو لبنان لن تكون جيدة للمعنويات، على أقل تقدير.
إسرائيل على وشك غزو لبنان في وقت تعاني فيه دبلوماسياً، وتواجه ضغوطاً سياسية ومالية، وتضررت عسكرياً. بالنسبة لحزب الله، هذا سيناريو مفضل للغاية.

**تحسين القدرات العسكرية*
في هذا العام الذي شهد عنفاً منخفض الشدة نسبياً، أتيحت لحزب الله فرصة ليس فقط لدراسة أساليب ووسائل وتكتيكات إسرائيل، بل أيضاً كانت فرصة للعديد من المجندين الجدد، الذين لم يشهدوا المعارك من قبل، لاكتساب خبرة قتالية والتعرف على عدوهم في بيئة حقيقية، غير محاكاة.
خسر حزب الله مقاتلين وقادة خلال هذا العام، بما في ذلك في الأسبوع الماضي (وذلك يشمل اليوم، مع الأخبار التي تفيد باغتيال إبراهيم عقيل التي تم الإعلان عنها للتو)، لكن الآلاف من ضباطه وعناصره الاستخباراتية أصبحوا أفضل بكثير في ما يقومون به الآن مقارنة بالعام الماضي.
**جنود جيش الدفاع الإسرائيلي، من ناحية أخرى، اكتسبوا…
كانت حساباتهم صحيحة. لن يُنظر إلى إسرائيل مرة أخرى كدولة عاقلة وشرعية، ولن تسمح الإنسانية لها بالاحتفاظ بفلسطين، ولن يحدث ذلك( أوامر اعتقال، عقوبات، حظر، وتحالفات عسكرية جديدة قادمة)، لقد دفع سكان غزة ثمناً فظيعاً لا يمكن تصوره، لكن القضية الفلسطينية لن تُنسى مرة أخرى، فقد تعرض لها الملايين وأدمجوها كجزء من هويتهم السياسية. غزة فقدت عدداً هائللاً من الأرواح بسبب جنون إسرائيل، لكنها انتصرت في الحرب السياسية.
بالمثل، يسعى حزب الله للاستفادة من جنون العظمة لدى إسرائيل وحاجتها لإثبات هيمنتها أو قوتها المطلقة على الأراضي اللبنانية.
ستقوم إسرائيل بقصف لبنان من الجو، لكنها لن تفعل شيئاً لوقف حزب الله، بينما ستدمر بشكل كبير صورتها الدولية أكثر، مما يوفر أسباباً لمزيد من الإجراءات القانونية والدولية ضدها، مما يعزز عزلتها.
في هذه الأثناء، ستضع الأعداد المتزايدة من الضحايا في قوات الدفاع الإسرائيلية والمدن التي تتعرض للقصف ضغطاً هائلاً على سكان مرهقين بالفعل وجهاز أمني متوتر – وهذا قبل أن يتم إدخال إيران في هذا الصراع، وهو ما أعتقد أنه سيحدث بحلول منتصف عام 2025.
بسبب غبائها، وعدم إنسانيتها، وعُجبها بنفسها، لن تعرف إسرائيل يوماً من السلام مرة أخرى، حتى تنهار. إنه مُعتمد بالفعل فقط على صورة نتنياهو الشبيهة بالقيصر ودعم أميركا. وبمجرد أن يثبت أحد هذين الأمرين، أو كليهما، أنه غير كافٍ، تكون النهاية “لا حوكمة، لا علاقات دولية، لا أكاديميا أو اقتصاد يعمل، وحتى لا توجد طبيعة زائفة من الطبيعية”.
يجب ألا ننخدع بالضربات المحظوظة التي تحققها إسرائيل بين الحين والآخر. إن وضعها يزداد سوءًا باستمرار، وشرور وعدم كفاءة قيادتها، المدعومة بطاعة المدنيين غير المسبوقة والتقيد، يضمنان أن كل شيء سيتدهور أكثر فأكثر، بطريقة شبه خطية، حتى النهاية.

شاهد أيضاً

نواب كذابون متحالفون مع العدو

  ✍️ علي خيرالله شريف عندما يتأجج الحقد في قلب المرء فيتقوقع في عنصريته، ويأكله …