راوية المصري..
ترك لبنان لم يكن مجرد انتقال جغرافي بل زلزال عاطفي هز كيان روحي. وبينما أعود إلى حضن السويد البارد المألوف، أحمل معي دفء وذكريات حلوة ومرة من أرض ستظل محفورة في قلبي إلى الأبد.
لبنان، أرض التناقضات المدهشة، حيث تهمس الأرز القديمة بقصص التاريخ، والبحر المتوسط يعكس أفق الأمل اللانهائي. كل شارع في بعلبك يحمل ذكرى، وكل وجه يروي قصة. هنا تعلمت المعنى الحقيقي للصمود والضيافة.
غير أنني لم أتحمل وطأة الحرب النفسية التي اجتاحتني. العيش في لبنان كان مغلفاً بقلق دائم وبخوف مستمر وما يتبعها من استقرار. كل يوم يحمل معه قلقاً جديداً، وكل ليلة انتظاراً مجهولاً. الحروب والصراعات لم تترك لي مجالاً للتنفس بحرية، والتوتر الدائم أصبح رفيق دربي.
في اللحظات الأخيرة، كان العقل يطلب السلامة والروح ترفض الرحيل. ولكن كم نحن بحاجة إلى الاستقرار النفسي ، بعيداً عن ضجيج الحروب وقلق المستقبل. الرحلة إلى المطار كانت حجراً ثقيلاً على قلبي، وأنا أودع كل زاوية وكل وجه أحببته.
في المطار، تسربت الدموع بهدوء، وداخلي يتمزق بين رغبة بالبقاء وحاجة للرحيل. العين تلتقط آخر نظرات لعاصمة عشقتها، والروح تهمس بوداع أبدي يرفضه القلب. كانت لحظات الوداع تشبه لحظات النهاية لكتاب حياة، مليء بالدموع والحنين.
بينما أستعد للرحيل، غمرني شعور بالتناقض. أكاد أسمع نداءات الوطن، وأشعر بلمسات الأصدقاء، ورائحة الزهور التي تملأ حدائق بعلبك.
العودة إلى السويد، كانت عودة إلى عالم مألوف ولكنه مختلف. البرد والهدوء، النظام والاستقرار، كلها أمور افتقدتها، ولكنها الآن تبدو وكأنها جزء من عالم آخر. ومع ذلك، الروح تشعر بصراع دائم بين ما تركته خلفي وبين ما أواجهه الآن.
لبنان جزءاً مني، لا يفارق ذاكرتي ولا يبرأ من قلبي. ومع كل خطوة أخطوها في السويد، أحمل معي أصداء مدينتي وأطياف أهلها، ورائحة أرضها. وسأظل أحن لتلك الأرض ، وأدرك كيف يكون الوداع مجرد بداية لحياة جديدة.
إلى اللقاء لبنان….
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
