الأديبة دلال موسى
في ظلّ الأوضاع المتقلّبة التي تعصف بواقعنا، حيث تتشابك الأزمات وتضيق مساحات اليقين، تبرز الكلمة كمساحة نجاة، ويغدو الحوار فعلاً من أفعال المقاومة الهادئة في وجه الانكسار. من هنا، تأتي هذه المقابلة محاولةً لالتقاط نبض الفكر والإبداع وسط الضجيج، والاقتراب من تجربةٍ إنسانيةٍ ترى أبعد من المشهد الآني، لتعيد صياغة الأسئلة التي نحملها بصمت. في هذا اللقاء، لا نبحث عن إجابات جاهزة، بل نفتح باب التأمّل، ونمنح الصوت مساحةً ليقول ما تعجز عنه الوقائع.

بتول سليمان، إعلامية لبنانية من مواليد البقاع، تنسج حضورها بين المعرفة الأكاديمية والعمل الإعلامي بروحٍ واعية ومتابِعة. هي مجازة في العلوم السياسية والإدارية من الجامعة اللبنانية، وتتابع دراساتها العليا في المجال نفسه، ما يمنح رؤيتها عمقًا تحليليًا ينعكس في أدائها المهني. تعمل مذيعةً ومعدّةً ومقدمة برامج في قناة الإيمان وإذاعة البشائر، حيث تواكب أبرز المستجدات على الساحة الاجتماعية والوطنية، وتمتد متابعتها إلى القضايا العربية والدولية، منخرطةً في نبض الحدث ومساءلاته. إلى جانب عملها الإعلامي، تُعنى بالشأن العام وتسهم في تسليط الضوء على قضايا المجتمع العربي والإسلامي عبر مشاركتها في أنشطة توعوية وتوجيهية ذات أبعاد اجتماعية وتربوية ونفسية وثقافية. تمتلك تجربةً أدبية غنية، إذ تكتب الشعر والنثر بالفصحى والمحكية اللبنانية، إلى جانب المقالات والمنشورات الفكرية، وتحافظ على حضور فاعل في المنتديات الثقافية والأدبية. كما شاركت في العديد من المهرجانات والأمسيات الشعرية وتواقيع الكتب في بيروت والبقاع، وأسهمت في تغطية مؤتمرات وندوات فكرية ودينية واجتماعية، مؤكدةً التقاء الكلمة بالفعل، والفكر بالحضور.
*كيف تعرّفين نفسكِ بين لقب “شاعرة” و”اعلامية”؟ وأين يتقاطع الصوتان وأين يفترقان؟
-إن أردتُ اختصار تعريفٍ لي ككائنٍ له وجودٌ في هذا العالم أراني أختزلُ عُصارة حضوري على هذه الأرض ب “صوت” أو بالأحرى “روحٌ لها صوت” لذلك يعنيني في كلّ الأسماء التي أحملها -أو “الألقاب” إن شئتِ- أن أكون ذاك الصّوت الذي يعبّر عمّا تئنّ به ذاته وما ينبض به محيطه ويعانيه واقعه..
في عملي أُلهِبُ جذوة السّؤال.. الذي استحال هاجساً عندي أو عند كثرٍ من أبناء جلدتي.. أبحث عن إجاباتٍ لأضعها في طريق الحائرين أو أرفعها بوجه المتنصّلين.. من باب المسؤوليّة المتعلّقة بالمحيط من أبناء المجتمع وإخوة الوطن.
وفي شعري أعود إلى انتفاضتي الدّاخليّة لأُشهِر بعض الإجابات التي توصّل لها لهيبي الذّاتيّ حول ما أدركته من معاني الحياة -حتى الآن.
إذاً هي حالة اشتعالٍ دائمٍ منبعها قلقٌ وجوديٌّ أو همٌّ جماعيٌّ على شكل ظاهرةٍ أو قضيّة.. وبذلك.. يكون هذان الصّوتان في حقيقة الأمر صوتاً واحداً لروحٍ واحدةٍ وغايةٍ مشتركة.. قد يختلفان فقط في الأسلوب التعبيريّ من حيث طبيعتهما بين المباشرة والرّمزية..
إن أردتِ يمكنني القول هنا صوتٌ حرٌّ في فضاء الإعلام وسماوات الشّعر..

*هل القصيدة موقف أخلاقي أم انحياز جمالي؟
-بالنسبة لي لم تكن القصيدة يوماً مجرّد ترفٍ تعبيريّ.. فالآلام التي يشهدها مخاضُ ولادتها لطالما عبّرت عن نزفٍ وجدانيٍّ عميق أو حالة استنفارٍ عاطفيٍّ وانفعاليٍّ إيجابيّ(سعيد) أو سلبيّ(حزين) لديّ.. وبالتالي-ومن جهتي طبعاً- أرى القصيدة نوعاً من التمرّد التعبيريّ الذي ينتج عن صراعاتنا الوجوديّة الذّاتيّة والجماعيّة مع كلّ ما نعيشه ويحيط بنا من ظواهر إنسانيّة(كالحبّ/الحريّة/الخوف/الحزن/الموت..)
أو آفاتٍ إجتماعيّة(الفساد/الفوضى/التخلّف..)
أو اضطهادٍ بشريّ(الظّلم.. العنصريّة.. الحروب..)
نعم، هي موقفٌ جماليٌّ بوجه اضطرابٍ أو قبحٍ لا يمكن لمعايير الشّاعر المبدئيّة أو جِبلته الإنسانيّة احتماله، وقد تأخذ منحى نزعة قلبٍ أو ومضة عقلٍ أو صرخة ضمير وبهذه الحالة تحديداً يمكن اعتبارها موقفاً أخلاقيّاً -إن شئتِ التّعبير- بالنّظر إلى أنّ الأخلاق تعتبر من أسمى التجلّيات الجماليّة للشّخصيّة الإنسانيّة.
*ماذا تتركين للقارئ: إجابةً أم قلقًا جميلاً؟
-غالباً.. أظنّ أنّي أترك له أملاً.. والأمل لا يحمل الحسم في الفكرة أو الخاتمة لكنّه يفتح أفقاً للشّعور أو التّفكير.. يخلق هامشاً للمحاولة ودافعاً للنّضال.. وهذا سرّ الاستمرار على أيّ حال.. أظنّ أنّي أضع للقارئ نقطةً على أوّل السّطر ليكمل بها ومن خلالها التنقّل في عوالم الخيال أو دهاليز المعنى أو اللّعب على مسرح التأويل. أترك له فرصة أن يكمل الحكاية من عنده وبرؤيته وأن يتابع السّؤال أو الإشكال وصولاً الى حقيقةٍ تُرضيه أو مشهديّةٍ تملأ وجدانه أو جرعة تفكّرٍ ترتقي بإنسانيّته..

*بين الكاميرا والكتاب، أين تنتهي المهنة ويبدأ الوعي؟
-لا يجب أن تنتهي المهنة ليبدأ الوعي.. بل يجب أن يترافقا في مسارٍ متزامنٍ ينطلق من الكتاب ويعود إليه كأساسٍ لبناء الوعي وأهمّ مرتكزاته.. وهذا ما يتمظهر بالضّرورة أمام الكاميرا كأحد تجلّياته..
*برأيك، من يملك الحقيقة اليوم: من يراها أم من يملك القدرة على كتابتها؟
-الحقيقة تحتاج إلى إثبات.. ومعنى وجودها متعلّقٌ بإمكانية إظهارها.. وإلا فقدت معناها وبقيت لصاحبها سرّاً يموت معه ولا ينتفع أو يتأثّر به غيره.. فالذي يرى الحقيقة -أو بالأحرى يعيشها- مُطالبٌ بإظهارها لتكتسب وقعها وأثرها المطلوب..
وهنا يأتي دور توثيقها أو الإعلان عنها بالقلم أو بالصّوت والصّورة.. وأهميّة هذا الدّور تكمن في إثبات وجود تلك الحقيقة وتعميم خلاصاتها.. وبالتالي لنقنع العالم بالحقيقة التي نملكها يجب أن ننشرها ونوثّقها أمامه.. هنا نصبح أكثر إقناعاً وتصبح حجّتنا أقوى حضوراً..
*هل تعتقدين أن الجمهور يُخدع… أم أنه يختار الرواية التي تريحه؟
-في هذا الزّمن من الصّعب خداع الجمهور.. فقد تعرّف على أغلب أدوات الخطاب الموجّه إليه وخَبِرها وبات أقدر على التّصنيف بين ما يمكن أن يتحلّى بالمصداقية وبين ما يحمل التّضليل..
قد يحدث أن يقع فريسة الانطباع الأول للخبر أو الصّورة لكنه بات أسرع في الفرز والتفاعل(بين التبنّي والنّبذ)..
لكنّ الجمهور في بلادنا أحياناً لا يحبّ التّصديق إذا كانت الحقيقة ليست على هواه.. فيختار جزءاً منها لتكريسه وكأنّه الأعمّ المطلق ويخفي او يتغافل عن الباقي حمايةً لتاريخه وأعرافه ربّما أو تحصيناً ممّا يمكن حقّاً أن يهدّده ويشوّه صورته..
لكنّ الحقيقة -إن كانت دامغة- تفرض نفسها في النّهاية ولو بعد حين..
*هل سبق أن خانتكِ الكلمة على الهواء؟
-أن تخونني في القدرة على التّعبير هذا جائز.. لا بل وأمرٌ واردٌ لأنّ بعض المواقف قد تكون أكبر من وصفها أو بعض الرّدود قد تُعجِز في مجاراتها.. لكن أن تخونني في حمل معنىً غير القصد من خلفه.. فهذا نادرٌ جداً.. لأنني أتأنّى في اختيار الكلمات حتّى لا أصيب أحداً من الجمهور بأذىً أو أخلق عنده التباسات.. أجتهد في ذلك والله من وراء القصد..

*ما الكذبة “الصغيرة” التي يضطر الإعلامي لتصديقها ليستمر؟
-من الجيّد أن يبقى العامل في الإعلام صادقاً مع نفسه ومع جمهوره ليبقى على أرضٍ صلبةٍ ويحقّق مصداقيّةً معيّنة.. لكن أحياناً يحدث أن تكون الظّروف المحيطة به مربكةً وغير مستقرّة(إن كان في الاستديو خلال بعض المشاكل التقنية او المواقف المحرجة او في الشارع إن حصل أي أمرٍ طارئ)
هنا يجب أن يبقى متماسكاً وأن يقول في نفسه: “سيكون كلّ شيءٍ على ما يُرام”.. يجب أن يحاول دائماً البقاء على ثباته قدر الإمكان كي لا يُشعر الجمهور بالقلق والخروج عن السّيطرة (وفي ذلك مواربةٌ للحقيقة ولكن يجب أن نصدّقها لنستمرّ.. ههه..)
*هل تكتبين الشعر لأنكِ تمتلكين الحقيقة… أم لأن الحقيقة لا تستطيع أن تُقال إلا بعد أن تتكسّر داخل اللغة؟
-لا أحد منّا يمتلك الحقيقة المطلقة.. حتّى في ما نكتب نحاول استنباط الحقائق من رؤيتنا للعالم التي يحكمها الشّعور الفطري أو الإلهام الشّعري أو النّزعة الى المنطق.. ولكنّها طبعاً تبقى رؤيةً قاصرة تحكم فقط الزّاوية التي نرى منها الأشياء ونتفاعل معها..
فتكون الكتابة بذلك رحلة كشفٍ لأسرار الكون أو مكنونات الذات أو جملةٍ من التّفاعلات النّفسيّة والفكريّة مع المحيط..
فتخرج رؤانا إلى دائرة النّور ومحور الضّوء لتكون حقيقةً مؤقّتةً أو جزئيّةً من مشهدٍ كليٍّ لا يملك رؤيته الكاملة إلا الخالق..

*إذا كانت حياتكِ قصيدة… هل هي مكتملة أم ما زالت تُكتب على حافة شيء؟
-طبعا ليست مكتملة..
وحتّى ان انتهت الحياة لا تنتهي القصيدة بالضّرورة.. فهي كلّ ما أردنا قوله واستطعنا.. ومن يدري إن كنّا سنقدر على قول كلّ ما لدينا وما نشعر به قبل الرّحيل..
ستبقى لآخر نبضٍ تُكتب على حافّة المعنى لفهم وجودنا ووجود هذا العالم والنّطق بما يعترينا من اختلاجات..
وعلى أيّ حال.. لا أجد أيضاً قصيدةً مكتملة.. وإن اكتملت قصائدنا انتهينا.. إذ توقّف نزفنا ووصلنا إلى كلّ الإجابات وانتهى القلق الوجوديّ الذي يحرّكنا.. وهذا ما ينافي أصل الوجود الإنسانيّ وحقيقة معنى الشّعر ودوره.
إلى اللقاء مع حلقة قادمة من برنامج ‘ سيرة شاعر ‘ كل الحب لقلوبكم
كنتم مع مديرة الصفحة الثقافية – الفنية لمجلة كواليس
دلال موسى
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
