إيكونوميست”: الفشل الإسرائيلي في غزة.. استراتيجي وعسكري وأخلاقي

 

      منى فرح 

إسرائيل فشلت إستراتيجياً وعسكرياً وأخلاقياً في حربها على قطاع غزة، وخسرت معركة الرأي العام العالمي؛ بما في ذلك الأميركي. وهذا يُقدّم “صورة مقلقة” عن مستقبل هذا الكيان في ظل “التهديدات” التي تحيط به والتي لن تنتهي مع انتهاء الحرب، بحسب مجلة “إيكونوميست”(*).

في الساعات الأولى من صباح يوم 7 نيسان/أبريل الجاري- أي بعد 6 أشهر بالضبط من عملية “طوفان الأقصى”- انسحبت الفرقة 98 التابعة للجيش الإسرائيلي من خان يونس، ثاني كبرى مدن قطاع غزة. وبرغم التعاطف اللامحدود والدعم الواسع النطاق الذي حظيت به من الغرب عموماً؛ أميركا على وجه الخصوص؛ فإن كل ما حقّقته إسرائيل طوال الأشهر الستة الماضية هو قتل أكثر من 34 ألف فلسطيني وتشريد وتجويع من بقي على قيد الحياة وذلك بعد تحويل القطاع إلى دمار وخراب. لقد بات واضحاً أن إسرائيل خسرت الحرب، وخسرت أيضاً معركة الرأي العام العالمي، بما في ذلك الأميركي. وبات حتى أقرب حلفائها؛ بما في ذلك الولايات المتحدة نفسها؛ يُفكّرون في الحد من تزويدها بالأسلحة.

تتعرض إسرائيل اليوم لموجة عنيفة من الانتقادات، يتركز جزء كبير منها على الجيش المتهم الآن بالفشل على المستوى الإستراتيجي والعسكري والدبلوماسي والأخلاقي،  فضلاً عن فشله الذريع في منع وقوع عملية “طوفان الأقصى”.

الجيش الإسرائيلي عدا أنه أحد الجيوش الأكثر تقدماً في العالم لناحية استخدامه للتكنولوجيا؛ لكنه هو أيضاً جيش شعبي، يعتمد على المجندين وجنود الاحتياط الذين يمثلون شريحة واسعة من المجتمع. والعديد من جنود الاحتياط؛ الذين استدعاهم (نحو 300 ألف جندي) للمشاركة في الحرب على غزة إلى جانب 175 ألف جندي آخرين في الخدمة الفعلية؛ يعيشون في مستوطنات في الضفة الغربية المحتلة (…).

لكن كل هذا العتيد لم يحقق، حتى الآن، أياً من أهداف الحرب المستعرة منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر، والتي حدَّدها الساسة الإسرائيليون بما يلي: تدمير قدرات حركة “حماس” العسكرية؛ إبعاد الحركة عن السلطة في غزة؛ وإنقاذ الرهائن. فجيش الكيان يدعي أنه قتل حوالي 12000 مقاتل فلسطيني، لكن هذا- إن كان صحيحاً- يمثل فقط حوالي نصف تقديرات ما قبل الحرب البالغة 40 ألفاً مقاتل (…). كما أن هذا الجيش تصرف بطريقة غير أخلاقية وانتهك قوانين الحرب ومواثيق حقوق الإنسان. ولهذا تداعيات كارثية على كل من مؤسسة جيش الكيان وعلى الكيان نفسه.

كما أن “حماس”، ومعها الفصائل الفلسطينية المقاومة الأخرى، لا تزال بعيدة كل البعد عن التدمير. وعلى سبيل المثال؛ من بين القادة الثلاثة الذين يُعتقد أنهم خططوا لعملية “طوفان الأقصى” يُعتقد أن واحداً فقط هو مروان عيسى، رئيس الأركان العسكرية لـ”حماس”، قد قُتل. وقُتل أيضاً العديد من القادة الميدانيين الآخرين، ومع ذلك ما زال المقاومون الفلسطينيون ينصبون الكمائن للقوات الإسرائيلية في جميع أنحاء غزة، ويعيدون تمركزهم وتأكيد تواجدهم في المناطق التي يغادرها جيش الكيان.

وكان قد تم التوصل إلى هدنة قصيرة، في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، أُطلق خلالها سراح 105 من الرهائن الذين تحتجزهم “حماس”. وبغض النظر عن ذلك، لم تنقذ إسرائيل سوى ثلاثة رهائن أحياء فقط.

فشل إستراتيجي

الفشل الأول لجيش الكيان استراتيجي. وفي هذا الصدد، يقع اللوم في المقام الأول على الساسة الإسرائيليين؛ رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على وجه الخصوص؛ الذين رفضوا القبول بأي قوة فلسطينية بديلة تتولى السلطة في غزة. كما يقع اللوم أيضاً على عاتق الجنرالات وكيفية فهمهم لمعايير النجاح في غزة.

فبحسب العقيد المتقاعد رؤوفين غال “كان كبار قادة الجيش الإسرائيلي مدفوعين بمشاعر عميقة بالذنب والإذلال.. وبدلاً من التروي والتفكير والتخطيط بدقة، تصرف (الجيش) بتهور وبقوة غير مدروسة بحجة استعادة الكبرياء المفقود”(…). أما اللواء نوعام تيبون، وهو أيضاً متقاعد، فيرى أنه كان ينبغي للجيش أن يذهب إلى رفح أولاً. وأن الجيش أخطأ عندما توهم أن الدخول أولاً إلى مدينة غزة من شأنه أن يحطم “حماس” نفسياً. ويضيف تيبون “كل حديث عن تفكيك ألويتهم وكتائبهم (حماس) هراء. إنهم حركة أصولية، ولا يحتاجون إلى قادة لكي يقاتلوا حتى الموت”.

غال وتيبون يمثلان شريحة كبيرة من الضباط العاملين والمتقاعدين الذين ينتقدون تركيز الجيش الإسرائيلي على عدد مقاتلي “حماس” الذين قتلوا، بدلاً من تبني نهج أكثر استراتيجية. “لا أريد أن أكون ويستمورلاند!” أعلن أحد كبار الجنرالات المشاركين في توجيه العمليات، في وقت مبكر من الحرب، في إشارة إلى قائد القوات الأميركية في فيتنام الذي لطالما تفاخر بأعداد رجاله.

فشل عسكري

الفشل الثاني الذي يُسجل للجيش الإسرائيلي عسكري، ويتجلى بـ”الطريقة” التي خاض بها حربه على غزة، وبـ”المستويات العالية وغير المسبوقة” من التدمير وقتل المدنيين (…) ويرجع ذلك إلى عاملين رئيسيين: أولاً، التوجيهات العملياتية التي تسمح بشن ضربات حتى عندما يكون احتمال قتل المدنيين كبيراً. وثانياً، عدم الانضباط عند الجنود في الالتزام بقواعد وقوانين الحرب.

لدى الجيش الإسرائيلي غرفة حرب مخصصة لتتبع مستويات السكان في كل منطقة من مناطق غزة وتصدر تحذيرات للمدنيين عبر إسقاط منشورات ووسائل التواصل الاجتماعي وكذلك عبر المكالمات الهاتفية وارسال رسائل نصية. ولكن لم يتم إتباع مثل هذه الاحتياطات على الإطلاق، ولم يحدث أن تم تحذير المدنيين قبل تدمير منازلهم وأحيائهم السكنية فوق رؤوسهم. وبالنسبة للجيش الإسرائيلي، تُعتبر أي منطقة موجودة على الخريطة السكانية “خضراء” بمجرد بقاء أقل من 25٪ من السكان الأصليين. وحتى في هذه الحالة، يعترف الضباط الذين يراقبون ذلك بأن تقييماتهم في نهاية المطاف هي مجرد “توصيات” للقادة في الميدان لا يتم الأخذ بها.

في العادة، يجب أن لا تتم أي عملية استهداف (بالمُسيّرات الحربية أو غيرها) أو أي عملية اغتيال، أو هدم من دون تصريح مسبق بذلك من قبل من هم في أعلى هرم القيادة العسكرية والسياسية. لكن ما يحدث في الحرب الحالية على النقيض من ذلك تماماً. هناك أكثر من 20 مقراً مختلفاً يضم ضباطاً ذوي خبرة متفاوتة يحق لهم إصدار الأوامر التي يرونها مناسبة ويسمحون بشن هجمات دون سابق خطط أو قرار سياسي.

من جهة ثانية، وبينما كانت هناك تقارير تفيد بأن العديد من الضربات الجوية يتم تحديدها بواسطة الذكاء الاصطناعي، يصر الجيش الإسرائيلي على أن قرارات الهجوم يتخذها البشر. ولكن هناك أدلة كثيرة على أن هذا هو المكان الذي تحدث فيه المشاكل. فقد كشف ضابط احتياط، خدم في غزة، عن أنه بإمكان أي قائد كتيبة “إصدار أوامره بتنفيذ ضربات مباشرة بغض النظر عن الهدف”. وقال: “كل ما يتحرك في القطاع هو إرهابي.. ويجب تدمير كل المباني لأنه من الممكن أن يستخدمها المقاتلون.. فالهدف هنا هو تدمير حماس. وسننفذ المزيد من الضربات”.

ويقول أحد خبراء المتفجرات في كتيبة الهندسة القتالية: “يكفي ان نعثر على أي قطعة سلاح، أو أي منشور يتحدث عن حماس في أي شقة، حتى نفجر المبنى بأكمله من دون تردد”.

وتحدث ضباط آخرون عن انهيار الانضباط في وحداتهم، مع حدوث حالات نهب متعددة. قال أحد الرقباء: “أعتقد أن كل فرد في فصيلتنا شارك في النهب”.. وقام الجنود الإسرائيليون بتصوير أنفسهم وهم يقومون بتخريب الممتلكات الفلسطينية، وفي بعض الحالات نشروا مقاطع الفيديو على الإنترنت (…).

فشل أخلاقي

أما الفشل الثالث فهو تعمد إسرائيل عرقلة جهود الإغاثة لسكان غزة وإمعانها بارتكاب جرائم إبادة بشكل علني (…). ويلقي ضباط الجيش باللوم بشكل أساسي على السياسيين في هذا الأمر. لكن البعض يعترف بأنه حتى بدون توجيه سياسي، كان ينبغي للجيش، بصفته قوة احتلال الآن، أن يتولى هذه المسؤولية منذ مرحلة التخطيط. لكنه بدلاً من ذلك لم يحرك ساكناً حتى عندما أصبح الوضع الإنساني حرجاً جداً.

واللواء المتقاعد تيبون ينتقد نتنياهو بشدة، “لأنه يدير الحرب لخدمة مصالحه السياسية – مما يبقي قاعدته القومية سعيدة ويمنع أحزابه اليمينية المتطرفة من مغادرة حكومته”. هذا الوضع لا يبشر بالخير بالنسبة لمستقبل إسرائيل. فالحرب في غزة لم تنته بعد. كما أن الخطوة التالية لليوم التالي غير واضحة: نتنياهو يتمسك بقرار اجتياح رفح، آخر معقل كبير لـ”حماس”، ويقول إنه تم تحديد موعد للتوغل. لكن في السرّ، ينفي جنرالاته ذلك.

وثمة سيناريو آخر يقول بضرورة أن توافق إسرائيل و”حماس” على هدنة مؤقتة أو وقف دائم لإطلاق النار. وهذا من شأنه أن يسمح للجيش الإسرائيلي بالاستعداد لصراعات أخرى، بما في ذلك الصراع مع إيران، التي تُهدّد بالرد على غارة جوية إسرائيلية استهدفت مقر قنصليتها في دمشق وأسفرت عن مقتل العديد من الضباط الإيرانيين رفيعي المستوى. يخطط جيش الدفاع الإسرائيلي لتشكيل فرق مدرعة جديدة – بتكلفة مالية كبيرة جداً ستزيد من أعباء ميزانية البلاد وستضاعف الضغوط على الجنود الذين سيتعين عليهم الخدمة لفترة أطول. ومع ذلك، فإن المزيد من القوات والآليات العسكرية لن يمنع الجيش الإسرائيلي من تكرار الأخطاء التي ارتكبها في غزة. وقد حان الوقت الآن لإسرائيل وحلفائها لطرح أسئلة صعبة حول كيفية إدارة هذه الحرب.

– ترجمة بتصرف عن “إيكونوميست“.

(*) هذا التقرير نُشر في قسم الشرق الأوسط وأفريقيا من النسخة المطبوعة للمجلة، تحت عنوان “أحكام قاسية”.

شاهد أيضاً

عبد الرزاق واحمد تحدثا في لقاء موسع في بلدة تكريت العكارية

أقامت حركة “الإصلاح والوحدة” لقاء” موسعًا في بلدة تكريت في محافظة عكار، في دارة المسؤول …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *