هل أودى “سلاح العلم” بـ “أديسون العرب” اللبناني في أميركا؟

عبدالله ذبيان / فاطمة جمعة

 

ليس صدفةً أن يطلع حسن كامل الصباح من أرض الجنوب الولّادة للنوابغ، محلّقاً في دنيا الاختراع، وهو أنار للعرب قبساً لو أحسن استثمار ابتكاراته واختراعاته في مشرقنا العربي ومغربه لكنا في مصافِ دول القرار العالمي اليوم.

تقول والدة الطفل حسن كامل الصبّاح، إنه دخل وهو في الخامسة من عمره إلى غرفته ومعه رزمة من الورق، وبقيّ حتى هطول الليل. خرج حاملاً بالوناً كبيراً من الورق وبداخله شمع مضيء، ثم أفلته من يده لينطلق في أجواء بلدته النّبطيّة جنوب لبنان. ليخرج الناس من منازلهم ويشهدوا الأعجوبة التي تنطلق في الفضاء، وهو يصرخ ويقول: “أمي سأصل بمثله إلى القمر والمرّيخ”!

“كانت أمي تجلس في فناء الدّار، وتحدّثني عن أمجاد العرب، وأنا أردّد أبيات أبي العلاء المعرّي، وأبحث عن النّجوم التي ذكرها في قصائده”.. هذا ما ذكره عالم الفيزياء العالمي بعد عقود “حسن كامل الصبّاح” في مذكّراته.

ولد “أديسون العرب” في مدينة النبطية سنة 1894،  كان طموحه  أن يصبح مهندساً عالمياً، لكنه كان لا يحب أن تكون ثمراته إلا لبلاده العربية في الدرجة الأولى.

للأسف، لم يجد الفتى المتوقد نبوغاً هذا الطموح في لبنان، فقرر أن يهاجر الى الولايات المتحدة الأميركية، لعل فرصة حسنة تؤاتيه. حيث راسل جامعة بوسطن وقصدها سنة 1922، ثم انتقل الى جامعة “إيللنيوا” حتى آب/ أغسطس 1923.

الصبّاح الذي أنار للعرب قبساً في عصرنا الحديث، هو واحدٌ من منارات هذه الأمة، ولو أُحسن استثمار ابتكاراته واختراعاته في مشرقنا العربي ومغربه لكنّا في مصافِ دول القرار العالمي اليوم.

وطبعاً، ليس صدفةً أن يطلع حسن كامل الصباح من أرض الجنوب الولّادة للنوابغ المبرزين، من مدينة النبطية حاضرة جبل عامل، محلّقاً قبل نهوض الفجر في دنيا الاختراع.

مدينة رائدة من جنوب لبنان

لا يمكن لعائلته الكريمة ومدينتك الرائدة التي خرج منها نحو الهداية العلمية والفكرية، إلا أن تفتخر به كلما لاح المجد أو حضر اسمه، من جيل إلى جيل.

وفي الذكرى التاسعة والثمانين لرحيله واكب الميادين نت الاحتفال الرمزي عند ضريحه في مدينة النبطية، حضره حشد من الشخصيات السياسية والحزبية والتربوية والاجتماعية.

وكنا قد سلطنا الضوء في تقريرنا السابق على حياة العالِم الجنوبي اللبناني رمّال رمّال من بلدة الدوير، في تذكير بأهمية هؤلاء الجنوبيين الأغرار، أرضٌ يشنّف فيها عبق الشهادة وألق الإبداع محايّ كل فردٍ من أفراد الرابضين على ثرى فلسطين.

وكما قلنا، ترفل تلك الأرض المعفّرة بالدماء في جنوب لبنان بالمدد الكثير، هي تسمو بناسها، ولاّدةٌ بنخبها، أصيلةٌ في معاجنها ومعادنها.

في تلك الأرض يسمو الثرى أكثر فأكثر فيمتزج بالثريا، مستنداً إلى تاريخٍ تليد وماضٍ مجيد، وجغرافيا تهامس أرض فلسطين.

إحياء للذكرى رغم الاعتداءات

رغم الاعتداءات الغاشمة، وتحليق مسيّرات العدو، أصرّ القيّمون على إحياء هذه الذكرى  الهامة، هي رافدة من روافد المقاومة، وهي  ليست بالسلاح فقط، فهنالك أسلحة مؤثرة دامغة كالكلمة والموقف والعلم والإيثار والوعي والتنوّر….

نُصب حسن كامل الصباح يتصدّر الساحة الرئيسية، وفي الشارع المفضي إلى سوق النبطية الشهير الذي يعجّ بالناس غير آبهين بتهديدات العدو الإسرائيلي، علّقت اليافطات على مدخل الضريح الملاصق لمنزل من منازل العائلة الجنوبية العريقة.

والجدير بالذكر أن المدينة تحوي مدرسة باسم المخترع الكبير، كما يوجد مدرسة باسمه في مدينة اربد الأردنية، وخصصت الدولة اللبنانية طوابع بريدية تحمل صورته وسيرته.

بين الضيوف، ثُلّة من طلاب مدرسة المقاصد الإسلامية في لبنان، لفتوا الأنظار ليس فقط بلباسهم المدرسي، بل بصفتهم  نموذجاً للشباب الطالع الذي يذكّر بهيولى حسن كامل الصباح الفتى المتوقّد بمشاكي العلم والنور قبل سفره…

يقول رئيس لجنة الصباح الوطنية الدكتور عباس وهبي  “في رحاب هذا الشهر النوراني نرحب بكم  في  وقفة الوفاء  أمام  هذا الضريح المبارك ، ورغم الهجمة الصهيونية الخزرية على غزة الأبية الصامدة وعلى جنوبنا المقاوم ، أبينا إلا أن نحيي الذكرى  التاسعة والثمانين لرحيل  العبقري  الصباح الذي أفرد جناحيه محلقاً ، فأطل بهامته المشعة  ينصره  الإيمان  ولهفة الاختراع حاملا الجمرة بيد والمشعل بيد أخرى”.

أضاف: “نحن نرى أن حسن كامل الصباح ليس قدوة علمية فحسب بل هو قدوة قومية وإسلامية وإنسانية، فبعد معركة ميسلون  عام 1920 قال الصباح “لا يمكن قهر المستعمرين إلا بسلاح العلم وسلاح الثوار”.

قضية فلسطين في ضميره

وشارك الصباح حسب جريدة TIMES-UNION, YORK الصادرة في  شباط/ فبراير عام  1932 في اللقاء الذي أقامته جمعية التوجيه للسياسة الخارجية حول الصراع في فلسطين  بحضور كل من أمين الريحاني كمحاضر، وبعض الكتاب الأميركيين  المناقضين للصهيونية ولوعد بلفور والمناصرين لقضية فلسطين”.

و قد أعلنت الصحف الأميركية  عن براءات اختراعاته  و نشاطاته و نجاحاته إبتداء من عام 1927 حتى بعد وفاته بسنوات، علماً بأنه قد بدأ اختراعاته منذ عام 1923،  ولم يقتصر الأمر على ذلك بل راح ينسج علاقات دولية بالمراسلة مع كتّاب و علماء كبار وشعراء من  شتى أنحاء العالم ،و شارك في مؤتمر  باريس العالمي  للكهرباء من خلال إرساله لبحثه العلمي”.

شملت علوم الصباح نواحي معرفية عديدة في مجالات الرياضيات البحتة، والإحصائيات ، والمنطق والفيزياء، وهندسة الطيران ، والكهرباء، والإلكترونيات، والتلفزة، والطاقة…  وبين إختراعات الصباح البالغة 112 اختراعاً هناك 60 اختراعاً لم تسجلها الشركة باسمه لأسباب تجارية محضة.

اضاف: “أما الإختراعات التي طوّرت من قبل بعض زملائه بعد وفاته فبلغت  29  اختراعاً، و قد ارتكزت على ما فاض به  النابغة، وشكلت الأساس المتين  لها .

وفي الحفل، توالى على الكلام صادق اسماعيل باسم بلدية النبطية، والمربي ابراهيم مصطفى ممثلاً جمعية المقاصد الخيرية الاسلامية في النبطية، وكانت كلمة عائلة المنتج السينمائي صادق انور الصباح ألقتها بالنيابة عنهم نسرين ظواهرة، فمحافظ النبطية الدكتورة هويدا الترك، وقدّم الحفل الزميل علي عميص.

ووضعت 3 أكاليل على الضريح بإسم محافظ النبطية وعائلة المنتج السينمائي صادق الصباح وجمعية المقاصد الخيرية.

حسّ وطني كبير

خلال 12 سنة، قدّم هذا العقل اللبناني (والعربي) الكثير من المكتشفات، لكن الثمرات كلها كانت للشركة، وقد سجلّوا له حسب القيود والسجلات الرسمية 67 اختراعاً.

كان الصبّاح يتمتّع بحسٍّ قومي ووطني كبيرين، وكان مؤمناً بأن المستقبل بيد العرب، كونهم يملكون طاقات وموارد هائلة، إضافة إلى خلفيّة حضاريّة عظيمة، وكان مؤمناً أن لا إستقلال إلا بالتقدّم العلمي.

طموح الشاب تمحوّر حول دراسة الهندسة الكهربائيّة في الجامعات الغربيّة، والعودة إلى وطنه للقيام بمشاريع على نهر الليطاني، بهدف توزيع المياه على القرى الساحليّة وتوليد الطّاقة الكهربائيّة منه. و إلى حدّ الآن، لا زال الوطن يعاني من انقطاع في التيّار الكهربائي، والشعب يعاني من أزمات كبيرة في المياه، ومشاكل تلوّث وغيره..

اختراعات عالمية باسم الصبّاح

جهاز التحكم في الضغط عام 1927، جهاز القوس الكهربائي البخاري عام 1928، نظام مقوّم 1928، إرسال الصور والمناظر 1928، أداة كهربائية بخارية 1930، جهاز لتغيير الطاقة 1930، جهاز لقياس الضغط 1930، جهاز لتغيير الطاقة الكهربائية 1931، أداة تفريغ كهربائية 1932م. جهاز لتغيير الطاقة الكهربائية 1932، دارة لانتقال الكهرباء 1932، جهاز ذي صمام لتغيير الطاقة الكهربائية 1933، وسائل منع اختلال التوازن في نظم التوصيل المركب للمقومات 1933، جهاز تفريغ حيزي 1933، جهاز ذي صمام لتغيير الطاقة الكهربائية 1933، دارة لانتقال الكهرباء 1934، نظام ذي صمام لتغيير الطاقة الكهربائية 1934، نظام ذي صمام لتغيير الطاقة الكهربائية وجهاز إثارة لأجل ذلك 1934، نظام التوصيل المركب للمقومات 1935، وسائل التفريغ التوهجي للتحكم في درجة الحرارة 1935، وسائل توازن للمقوّمات 1936، نظام التوصل المركّب للمقوّمات 1936.

كيف انتهت رحلة المخترع العالمي؟

في العام 1935 انتهى حسن كامل الصبّاح من فكرة مبتكرة لتحويل نور الشمس إلى تيار كهربائي في صحاري العرب. خابَر حكومة العراق، ثم السعودية بواسطة الأمير شكيب إرسلان.

كان الصبّاح يعوّل كثيراً على هذا المشروع الحيوي لكل العرب، خاصىةً وأنه محضه كامل  أبحاثه وثقته بنجاحه،ما سلطّ الأضواء العالمية عليه، وسرعان ما تهافتت الشرطات لتبنيه، ومنها شركة “جنرال الكتريك” التي كان يعمل فيها التي  أولت أهميه لابتكاره ومشروعه العظيم، ونال  لقب “فتى العلم الكهربائي”.

ويقال أن الشركة خافت خروج الصبّاح من الولايات المتحدة حيّاً ومعه دماغ قلّ نظيره. فتركوه يتهيأ للسفر، حتى حان وقت مغادرته أميركا ليركب طائرته الخاصة.

وهنا ضجّت الأخبار عن “استشهاد الصبّاح” في حادث سير مدبّر، قبيل سفره إلى لبنان، كما حدث مع غيره، ومنهم زميله العالِم رمّال رمّال، خاصةً أنه كان قد أرسل رسالة لأهله يقول فيها “أدعو لي، فهناك أعداء ألداء يكيدون لي ويسعون لزحزحزتي من الطريق”!

تتحدث المعلومات عن عدم حضور الطبيب الشرعي إلا بعد 5 ساعات من وفاة “أديسون العرب” الذي قال إن توفي بسبب انفجار في الدماغ أو سكتة قلبية.. وهكذا بقي مقتل حسن كامل الصبّاح لغزاً ومطرح استفهام وريبة على مدى عقود…

في الحفل التأبيني للصبّاح، الذي أقامته الجاليات العربيّة، بعث الرئيس روزفلت إكليلاً من الزّهر كتب عليه “من الحزين روزفلت”، وأقرّ رجال العلم في أميركا أن غياب الصبّاح أحدث فراغاً عظيماً في العالم.

واللافت في الختام، أنه بعد 10 سنوات على وفاته، أعلنت المحافل العلميّة الأميركيّة بأنها تستمدّ الطّاقة من الأشعّة الشمسيّة اعتماداً على الاختراع الذي صمّمه الصبّاح!

مخترعٌ، عالِم، شهيد، تعددت التسميات والمبدع واحد، و على غرار أرزة لبنان الخالدة، هو حسن كامل الصباح، رمزٌ مرصّع من رموزه، والخسارة الكبرى تكمن في خسارته وخسارة أمثاله من الأدمغة والهامات العظيمة.

 

 

 

 

 

 

 

 

شاهد أيضاً

وحدة التدخلات الطارئة تدشن مساهمتها لمشاريع المبادرات المجتمعية بمحافظة إب اليمنية من مادتي الاسمنت والديزل ..

تقرير /حميد الطاهري دشنت اليوم وحدة التدخلات المركزية التنموية الطارئة بوزارة المالية بالتنسيق مع السلطة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *