أخطبوط العقاقير

من الأحاديث الشائعة لدى كبار السن ، تَردادهم على مسامعنا ونحن صغاراً بأنّ حال أوضاعهم الصحيّة لم تكن ولا بأي حالٍ شبيهة بما هي حالنا الصحيّة اليوم ،فمنهم منْ كان يقول بأنه لم يدخل البتة الى المستشفى في حياته كلها ، ومنهم منْ أدخلوه عنوة لمرّة واحدة فقط ، ومنهم مْن كان يؤكد لنا بأنه لم يتناول حبة دواء في حياته ولم يُوخز جسمه بإبرة طوال عمره ، وأجمع معظمهم ، على أنّ مُداواة أمراضهم كانت تتمّ باللجوء الى توليف وصفاتٍ محليّة طبيعيّة مأخوذة من ما كان موجوداً ومُتوافراً في مُحيطهم وبيئتهم .         بالطبع لم نكن نأخذ أحاديثهم على محمل الجد ، ولم نكن نعي أهميّة فحواها ، ولم نكن نُعيرها الإنتباه والإهتمام اللازمين والواجبين إلّا بعد مرور ما يُقارب النصف قرن ،وبعد مُعايشتي الشخصيّة ومُلاحظتي عن كثب خلال كل هذه المدّة للتغّيّر والتبدّل الهائلين بأضعاف وأضعافٍ مُضاعفة لما كان سائداً أبان السنوات الأولى منه ، وما آلت إليه الأمور الصحيّة والطبيّة في أواخره ، أي في أيامنا الحاضرة ، فإنك لترى زحمة مرضى أمام المستشفيات ، وزحمة إنتظار في العيادات ، وأجواء مشؤومة مشحونة بالأمراض ، والآفات ، والأوبئة الحاملة والمسلّحة بشتى أنواع وأشكال الفيروسات ،والميكروبات ، والجراثيم الفتّاكة القاتلة الخطيرة والمُعدية، المعروف منها والغير معروف ، مُستجداً كان أم مجهولاً أم غازيّاً منقولاً إلينا من أماكن بعيدة .                                                           وفي غمرة هذه الظواهر المرَضيّة المرافقة لعمرنا ، والقابضة على رقابنا ، والمُنتشرة في اجوائنا ، أصبحت العقاقير أخطبوطاً يُمسك بمحاجمه بكل أعضائنا يمتصّ دمائنا ، وأمست هذه العقاقير حاجةً ضروريّة مُلازمة لنا ولحياتنا كالأكل والشرب والتنّفس ، يقتضي إستعمالها يوميّاً في الصباح والظهر والمساء ، مُتعلقين بها ، لا غنى لنا عنها ، فهي شاهدة على حَبَلِ أُمّهاتنا بنا ، ومن ثمّ تُرافق نموّنا من الولادة والطفولة حتى الشيخوخة ، نبتلعها كحبوبٍ مُجبرين عليها كمرضى ومُدمنين لنشفى من العلل التي تُصيبنا ، ولنخفف من آلامنا وأوجاعنا ، أو كأقراص مُهدئة لأعصابنا ، نافعة للتخلّص من إنزوائنا وتوحّدنا وإنطوائنا على أنفسنا ، أو كفيتامينات ومُقويّاتوخُلاصة مواد نبتكرها ، لتغذية عضلاتنا وإيثار هممنا وعزائمنا ، أو كدَهنٍ ودًلكٍ وترطيبٍ لإزالة تشنجاتنا وإضطراباتنا ، أو بإتباع طرق عديدة ، تهدف الى التجميل والتنحيف والتعديل لمواطنٍ في أجسامنا لسنا براضين عنها ، ولا تعجبنا ، ظانيّن بأنّ فيها عيوبٍ أو خلل، أو بتناولها بشراهة ونهم ، للقضاء على الضعف والكلل، أو لإستدرار هوى وقوى الشباب الضائع والرجولة الى وقار الشيخوخة والكهولة .                                          

فيا له من عصرٍ ، ويا لها من حداثة ، والدلالة ، هي في إنقلاب التوازن الطبيعي للإنسان رأساً على عقب ، وإني والله لأرى ، وفي المستقبل الذي ليس ببعيد ، بأنّ موارد ومصانع ومبيعات هذه الأدويّة والعقاقير ، ستتبوأ رأس القائمة في سُلّم إهتمام ومُشتريات وإستهلاك بني البشر ، وبدون مُنازع ، وهي في إزديادٍ وإزدهارٍ مُتناميّين ، وبتسارعٍ مُطّرد لم يسبق لنا أن شهدنا مثلهمن قبل .

شاهد أيضاً

مطر يهنئ السعودية في يوم تأسيسها:”نشارك أهل المملكة الفخر بهذا الأرث التاريخي لدولة صارت مسموعة الصوت على مسرح العالم”

  اصدر النائب ايهاب مطر بيانًا وجاء فيه:”نتقدم من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن …