
عبد الله السنّاوي
🔴 إنه إلهام السويس من جديد رغم انقضاء الرجال والأزمان.
بعد ستة عقود كاملة، بدت استعادة “لحظة السويس” في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لافتة تماما بمداخلات ومقاربات عديدة عربية ودولية.
بإعلان “جمال عبد الناصر” تأميم قناة السويس في (26) يوليو (1956)، تمكنت دولة من العالم الثالث من تحدي الإمبراطوريتين السابقتين البريطانية والفرنسية في صلب مصالحهما الاستراتيجية في الشرق الأوسط، حيث منابع النفط، الذي تمر حمولاته عبر قناة السويس.
على ذات الطريق استخدمت إيران مضيق هرمز الاستراتيجي بالغ الأهمية في نقل خمس الإنتاج العالمي من النفط كورقة ضغط مؤثرة وحاسمة لإرباك حسابات الطرف الآخر في الصراع على مستقبل الإقليم.
لم تكن قناة السويس ورقة ضغط، بقدر ما كانت موضوع الصراع.
إنها ممر مائي سيادي بالكامل، تمر داخل أراض مصرية.
جسارة التحدي تأخذ معناها الحقيقي من سياقها في الصراع على الشرق الأوسط، فقد حاولت مصر بعد ثورة يوليو الخروج من دوائر النفوذ الاستعمارية، قاومت الأحلاف العسكرية وسياسات ملء الفراغ، كسرت احتكار التسليح بصفقة الأسلحة السوفيتية، أيدت حركات التحرير الوطني في العالم العربي، دعمت بالإعلام والسياسة والتمويل والسلاح الثورة الجزائرية، ولعبت دورا جوهريا في تأسيس قوة دولية جديدة، خارج استقطاب الحرب الباردة، للدول المستقلة حديثا في “باندونج”.
السياق يشرح وينير حجم الأثر الذي خلفه قرار تأميم قناة السويس في الحسابات الدولية والصراعات على المنطقة، ومدى دقة حساباته لمتغيرات عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية.
بالحساب التقليدي، فإنه مغامرة بالمصير بعد أسابيع من جلاء آخر جندي بريطاني عن مصر، قد تُفضي إلى إعادة احتلالها من جديد، أو إطاحة نظامها بانقلاب يشبه ما تعرض له قبل سنوات قليلة الزعيم الإيراني الدكتور “محمد مصدق”، بعد تأميمه بترول بلاده.
لم تكن تجربة “مصدق” غائبة عن “عبد الناصر”، وهو يُقدم على قرار، يكاد يكون شبه مستحيل، لكنه قَبل “المخاطرة المحسوبة” وعرّض مستقبله وحياته للخطر الداهم، كسبا لاستقلال وطني حقيقي، أن تمتلك مصر مقاديرها وقرارها.
إذا كان هناك من يعتقد أن استقلال القرار الوطني يُمنح ولا يُنتزع، فهو واهم، فلكل استقلال تكاليفه وتضحياته ومعاركه.
اكتسبت مصر استقلالها الوطني الكامل في حرب السويس بفواتير الدم المبذولة وشجاعة أبنائها الذين هرعوا لحمل السلاح في مواجهة العدوان الثلاثي، البريطاني- الفرنسي- الإسرائيلي، لا بـ”اتفاقية الجلاء” التي وقّعها “عبد الناصر” نفسه عام (١٩٥٤) وانطوت على تنازلات تتيح للقوات البريطانية حق العودة لقاعدة قناة السويس، إذا ما تعرض بعض حلفائها للخطر.
كانت الحرب نقطة الذروة في الصراع على المنطقة.
هكذا الحال الآن في الحرب على إيران.
إذا انكسرت، فالمنطقة داخلة لا محالة على الحقبة الإسرائيلية.
بالوثائق: لم يكن مسموحا لمصر، بأن تتطلع لاكتساب قرارها الوطني بالتأميم، أو بغير التأميم.
بحسب تقرير استخباراتي أمريكي- ربيع (١٩٥٦) – كشف عنه “محمد حسنين هيكل” في كتابه “ملفات السويس”، فإن خطط الانقلاب والغزو وقتل “عبد الناصر” سبقت قرار التأميم.
انطوى التقرير على دعوة بريطانية صريحة لاستخدام القوة المسلحة، لإسقاط الحكومة المصرية بالمشاركة مع إسرائيل.
كان الدور الإسرائيلي- وفق التصور البريطاني- الهجوم المباشر على غزة ومناطق الحدود الأخرى، والقيام بعمليات خاصة ضد مخزون مصر من إمدادات الذخيرة والطائرات والدبابات.
أضيفت فرنسا لقوة العدوان، بدافع ثأرها من الدور المصري في ثورة الجزائر.
شيء مما حدث من ترتيبات وأهداف في حرب السويس، تكرر في الحرب على إيران، اغتيال القيادات وإسقاط النظام غير أن الدور الإسرائيلي أصبح أكثر مركزية، عما كان عليه سابقا.
صممت الحرب هذه المرة وفق التصور الاستراتيجي للحكومة اليمينية المتطرفة، التي يترأسها “بنيامين نتنياهو”، القضاء على كل مقاومة وإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط لفرض هيمنة كاملة عليها.
بذريعة منع إيران من امتلاك أية أسلحة نووية، شنت الحرب دون أن يكون واردا على أي نحو تذكر مبادرة إخلاء منطقة الشرق الأوسط من الأسلحة النووية.
بعد تحدي السويس، خرجت مصر قوة إقليمية عظمى، وتحولت عاصمتها القاهرة إلى أحد المراكز الدولية، التي لا يمكن تجاهلها.
اكتسبت أدوارها القيادية في إفريقيا بوضوح سياساتها وقدرتها على المبادرة والإسناد لتحرير القارة، كما اكتسبت أوزانا استثنائية في عالمها الثالث بإلهام أن دولة نامية واجهت تحديا شبه مستحيل وكسبته.
قبل التأميم وبعده لم يكف رئيس الوزراء البريطاني “أنتوني إيدن” بما يشبه الهستيريا عن طلب رأس “عبد الناصر”: “أريد أن أدمره تماما” “أريده جثة أمامي”، لكنه اضطر في النهاية، لأن يستقيل من منصبه بعد فشله الذريع في أزمة السويس.
بصورة أكثر هيستيرية، بدا الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” رجلا مجنونا، يقول الشيء وعكسه، يتوعد إيران بإعادتها إلى العصر الحجري، قبل أن يقول إن باب التفاوض ما يزال مفتوحا.
في حرب السويس، نهضت دول العالم الثالث والقوى الحرة في الغرب لرفض العدوان وإدانته.
تحفظت الولايات المتحدة على العمل العسكري تخطيطا وتنفيذا من خلفها، دون اعتبار أنها قد آلت إليها قيادة العالم الغربي بعد الحرب العالمية الثانية.
وكان الموقف السوفيتي حاسما إلى درجة التلويح برد قد لا تحتمله فرنسا وبريطانيا.
بدا العالم كله، لأسباب متناقضة، في جانب مصر.
كانت تلك حسابات عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية وحقائق القوة فيه، ومدى تأثير الحركات الاستقلالية الصاعدة.
المسرح الدولي الآن يختلف، غير أنه تبدت شقوق واسعة في التحالف الغربي تنذر بانهياره.
بقدر صمود الإيرانيين، يمكن أن تتغير الحسابات لصالحهم.
تقاس الحروب بنتائجها السياسية.
انتصرت مصر دون شك، أو تشكيك، لكن هناك من ظل يلح بغير سند من تاريخ، أو حقيقة، أن مصر هُزمت!
إيران الآن أمام اختبار يماثل فعلا “لحظة السويس”.
هذه حقيقة يصعب نفيها.
Masr360.net
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net