د.عبير سلامه
غدًا ستنتهي الحرب, وستخفق راية النّصر, وسنهتف كلّنا بلا استثناء:أخ ثقة مكبّل عن القتال, وسمسار يبيع الأمّة بدينار, وانتهازي ينقل البندقية من كتف إلى كتف.غدًا سنقول بضمير المتكلّم : انتصرنا وهزمنا الأعداء. وستصدح أناشيد النّصر في شوارعنا التي خلت من المظاهرات إبّان الإجرام على غزّة, إلّا ما ندر.وأفاعي الإعلام العربيّ بعضها ستستمرّ في بث السّموم ,وبعضها ستبدّل جلودها.ومثلها سينقسم مشايخ الشّيطان وغيرهم ممّن كانوا ينفثون السّم على جراح غزّة. وسيعود ناجٍ من القتال إلى حيّه; وفي صدره أثقال من الحزن,سيبحث عن الأحلام – فربّما ما زالت تنتظر- ليخبرها أنّ الحالمين قد قتلوا غيلة في مراكز الإيواء, وأنّ حكّام العالم قد وضعوا رؤوسهم في الرّمال عند قتلهم ,فيجد الأحلام قد ماتت من الكمد; فيصرخ بأعلى صوته: عودوا, فيتردّد الصّدى في الأفياء: أكمل المسير لا تلتفت إلى الخلف ; مستحيل أن نعود من الموت; فيبدأ بإزالة الرّكام ليعمّر بيتا جديد, ثمّ تبدأ فيه حكاية جديدة في طريق التّحريرالكامل لفلسطين. وبعد قليل من السّنين سيخبرأولاده الجدد عمّن كانوا هنا, ثمّ صعدت أرواحهم على متون خيول مجنّحة بالضّياء: عن طفل كان يحلم بان يصبح كأخيه مقاومًا, وصبيّة كانت تعدّ طرحة العرس, وأمّ كانت تعتني بشؤون المنزل, وأب كان يعود من العمل متعبًا, وشيخ كان يعتني بالزّرع, وجيران كانت تضجّ ضحكاتهم في المساء, وشباب كانوا يتفاكهون في ساحة الحيّ, وبنات كنّ مجتهدات يدرسن دروسهّن على الشّرفات, وأولاد أشقياء كانت تعلو صيحاتهم وهم يلعبون في يوم الإجازة. وسيحكي لهم عن الجارة الّتي كانت ترشو الأولاد بقطع الحلوى; كي لا يحدثوا ضجيجًا, وعن صاحب الدّكان ,وعن البائع المتجوّل, وعن …وعن .. ثمّ يقول في حسرة ما بعدها حسرة: وكم من الحكايات فيك يا غزّة ضاعت; فلم يبق شاهد على تلك الحكايات..
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
