بقلم الأديب أحمد فقيه
حاجة الإنسان للعبور
وجد الإنسان نفسه في هذه الدنيا وهو لا يعرف كيف ولا من أين أتى ولماذا، وإنما وجد بداخله ما يدفعه للقيام ببعض الإجراءات التي يحتاجها للإستمرار فيما قدر له من عيش على هذه الأرض. لذلك تجده أول ما يخرج من بطن أمه، يبدأ بالبحث عن مصدر طعامه، ويبدأ بالرضاعة ويستمر طيلة فترة طفولته.
وبعدها تتغير الصورة، فيرى أنه قد نبتت له أسنان يستطيع إستخدامها لهضم طعامه الجديد الذي يختلف عن القديم (الحليب) وقد وجد الطعام الجديد جاهزًا أمامه، كما رأى الطعام السابق كذلك جاهزًا أمامه، وكل من الطعامين يتفق مع عمره ومقدرته على الهضم والحاجة للطعام.
وهنا يتضح للإنسان أن كل ما يحتاجه للمضي قدمًا في مسيرة الحياة لا يتعدى لقيمات تقيم أوده، وزاوية في مكان ما يستلقي فيها وينام. وهذه متطلبات سهلة المنال، والله يجهزها لخلقه طالما سعوا إليها.
هذا ما يحتاج إليه الإنسان ليعبر ما قدر له من سنوات أو أشهر لأنهائها في هذه الدينا، وبعد أن يرحل إلى غير رجعة، تاركًا خلفه ما حققه من مآثر سلبية أو إيجابية تذكر بعد رحيله.
القناعة والسعادة
هذا خلاصة ما يحتاجه الإنسان ليعبر مسيرة حياته هذه. وما زاد عن هذه يصبح مما يُعرف بالكماليات (أي غير الضروريات). وهذه الكماليات قد تضفي بعض المباهج على أصحابها إلا أنها ليست من الضروريات.. ومن يسير وفق هذا المنهج من الحياة يعيش سعيدًا مطمئنًا مع جيرانه وأهله. والجميع يتزاورون ويتعاونون وتكون حياتهم حياتهم جميعًا ملؤها السعادة والإستقرار.
ولكن عندما تتطاول شهوات الإنسان ونزواته لما أبعد من طاقته ومما لديه، يبدأ بالتطلع لما لدى غيره من البشر وتطغى عليه شهواته فيتطاول بيديه لينال ما لدى الآخرين، مستخدمًا القوة أو الدهاء، وهنا يبدأ التقاتل والعداء والتشاحن والشجار.
وقد عبر عن هذه الحالة أمير البلغاء وسيد الحكماء علي بن أبي طالب (ع) فقال: “اسعد الناس عيشة من تحلى بالعفاف، ورضي بالكفاف، وتجاوز ما يخاف إلى ما لا يخاف.”
البلطجة وسؤ الأحوال
هناك فئة من الناس يزهون بما وهبهم الله من قوة وكمال جسماني، تراهم ينفشون ريشهم كالطاووس، ويختالون بين من حولهم ويتسلطون على غيرهم من بني جنسهم بالغطرسة والبلطجة، ويثيرون بذلك الكراهية والحقد والعداء بين الجميع.
وهذه البلطجة ليست محصورة بافراد أو جماعات محدودة، بل هناك دول كبرى ودول عظمى تأخذ من البلطجة والغطرسة سلاحًا لتوسيع نفوذها وزيادة ثرواتها، وكأن ما منحها الله من خيرات وإتساع في النفوذ لم يكفها، فلذلك تريد المزيد ولو بالدوس على رقاب الآخرين.
وهذه الدول المتغطرسة لا تترك الآخرين المسالمين والذين يسعون لتحصيل أرزاقهم بأنفسهم، بل انها تتدخل بكل شاردة وواردة وتعرض سيطرتها عليهم لدرجة أنه إذا تنفس أحد يجب أن يأخذ إذنًا منها وتشترط عليه كيف يجب أن يتنفس من فمه أو من أنفه، ولا ينام أحد مع أهله إلا بأمرها ومشورتها. وأهم من كل ذلك إذا أراد شاب أن يتزوج عليه أن يأخذ رأيها وهي تختار له العروس وإذا حصل تزاوج بدون أمرها، يجب أن يُحل ويتفكك، وإلاّ…! إذ أن زواجًا كهذا باطل…
وهكذا تسير الحياة وتذلل الصعاب، إذا سمحت الظروف، وخفت الفتن بين الطوائف والجماعات.
حالة عصية على الفهم
إن الله سبحانه وتعالى خلق الكون باكمله، ومن ضمن هذا الكون كرتنا الأرضية التي نعيش جميعًا عليها ونقتات وننعم بما منحها الله من معطيات هي لنا ولجميع مخلوقاته مصدر رزق وحياة.
وبذلك تكون هذه الأرض الكريمة المعطاءة هي لجميع خلق الله الذين أوجدهم عليها، وأوجد لهم كل ما يحتاجون إليه. وهكذا نرى ان هذه الأرض هي لجميع من أوجد الله عليها، وأوحى لكل فريق أن يأخذ مكانه حيث يشاء، ولم يخص فئة دون فئة، فهذه الأرض هي مرتع للجميع بشر وغير بشر.
وأكبر دليل على ذلك أن هناك جماعات بشرية أنتقلت من منطقة إلى أخرى ومن الشرق إلى الغرب وبالعكس وفق الظروف التي كان يتعرض لها الإنسان في أماكن مختلفة. ومن تلك الحوادث حادثة “سد مآرب” مثلًا الذي تسبب في هجرة ورحيل الكثير من الجماعات إلى أماكن مجاورة مثل سوريا ولبنان وغيرهما، وهناك الأمريكتان كذلك اللتان انتقلت إليهما جماعات عديدة من جميع انحاء العالم القديم. وهناك بريطانيا نفسها التي حلت جماعات من شعبها في أستراليا وفي أمريكا، وحل فيها شعوب من الأنجلوسكسون، وغزوها الفرنسيون في القرن الحادي عشر.
وقد لا يكون هناك بلد لم يحدث فيه تنقلات منه أو إليه، وهذا لا نزال نراه ونعايشه أمام اعيننا.
“الأرض الموعودة”
وبما تعد
كما نرى واضحًا أمامنا ومن مسيرات الحياة منذ وجودنا، فإن الله سبحانه وتعالى قد أوجد هذه الأرض وجعلها مهادًا لمخلوقاته جميعًا، ومنهم البشر الذين أقاموا عليها قصورهم وميادينهم وملاعبهم ومزارعهم، ولم يفرق سبحانه وتعالى بين فئة وأخرى، بل أوعز للجميع بالسعي والعمل والجهد، وقال لعباده: “يا عبدي إسعَ لأسعى معك”. أي على الإنسان أن يسعى ويعمل على هذه الأرض، وكلما سعى وأجتهد يرى أن الله قد مهد له الطريق.
ومع كل ذلك نرى هناك فئة من الناس تزعم أن الله وعدها بمنطقة معينة من الأرض وهذه المنطقة يقيم عليها شعب منذ آلاف السنين. ولا نعرف كيف وعدها الله بهذه المنطقة التي يقيم عليها شعب كامل ومنذ آلاف السنين. وهذا إن دلَّ على شيء فانه يدل على إفتراء على الله سبحانه وتعالى وذلك بوصفه أنه عنصري، يفضل فئة من البشر على فئة أخرى مع أن الجميع هم من مخلوقاته وعباده ويوصف هنا كذلك بإنعدام العدل، وهذا، طبغًا عكس الحقيقة، فالله سبحانه وتعالى، هو العادل، وهو الذي بعث الرسل لتعميم وترسيخ العدل والمساواة والمحبة بين جميع خلقه.
وبناء على هذا “الوعد المرسوم” عن سابق تدبير مُحكم لإستدراج عواطف الجماهير البريئة، وبعد مضي آلاف السنين، طرأ على بعض الجهات فتح هذا الباب الذي طال إقفاله، بدأنا نرى ونحن ما زلنا أطفالًا، منذ الأربعينيات، من القرن الماضي جماعات جماعات يأتون من أقاصي البلاد، من أمريكا.. وأوروبا، ومن جميع بلدان العالم، ويدخلون خفية وتهريبًا إلى تلك المنطقة المعمورة بسكانها منذ آلاف السنين.
وهؤلاء الذين جاءوا من شتى أنحاء المعمورة تركوا بيوتهم وأمتعتهم في تلك البلاد التي جاءوا منها، وأتوا إلى هذا البلد ليقتلوا من فيه ويحلوا محلهم.
وهنا، وفي هكذا حالة لا بد من أن يتساءل ان لإنسان إذا كان لديه فرصة للتفكير وللتساؤل..
“هل هكذا عمل له مبرر؟!!! هل الإنسان وُجد في هذه الدنيا ليقتل أخيه الإنسان ويحل محله، هكذا مسيرة تستحق السير فيها؟!!”
وهكذا استعرت الحروب بين الطرفين وبين مناصري كل طرف.. وما زالت الحروب مشتعلة منذ اكثر من سبعين سنة، وقد ذهب بسببها آلاف القتلى والجرحى والمعاقين، إضافة إلى حالة القلق والرعب الذي يصيب الأهالي من الجانبين.
سكان البلد الأصليين هُجِّر معظمهم إلى البلدان المجاورة، ومن بقي ما زال يذوق الأمرين هو وأطفاله.
والعدالة الإنسانية التي تشمل كرتنا الأرضية اليوم ترى أنه إذا ألقى طفل من أصحاب الأرض بحجر على الفريق المغتصب ترى هذه العدالة الموقرة أن هذا عمل إرهابي يجب مكافحته، أما إذا المغتصب حام بطائراته فوق المنازل ودمرها على من فيها فهذا عمل شرعي.
“وكان الله في عونك يا إبن آدم الذي أعطيت من الفكر والعقل والكمال ما لم يُعطَ لغيرك من المخلوقات، إلا أنك أسأت إستخدام هذه الهبة التي وهبك إياه الله”
وهكذا نرى أصحاب الأرض يعيشون الآن وأطفالهم في الشتات يعانون أسوأ الحالات. ومن لا يزال في الداخل يعاني كذلك من الإعتداءات المستمرة، ومن الحصار، ومن عسر المعيشة وغير ذلك الكثير.
أما المحتل، مغتصب الأرض وما حولها، فهو كذلك يعيش حالة من الذعر والقلق، ومن شدة قلقهم يحيطون أنفسهم بأسوار شبيهة بالسجون وذلك خوفًا من ردات فعل من أغتصبت أرضهم وبيوتهم.
وهكذا نرى ان هذا الذي ترك بيته وموطنه وأملاكه في الخارج وأتى ليغتصب أرض غيره بناء على عبارة لم يُفهم منها شيئًا سوى أنها وسيلة لسوق الجماهير إلى مخطط مرسوم مسبقً من قبل أيادٍ خفية ولأهداف مشبوهة، وهكذا مخططات منتشرة في كل مكان من العالم، ومنها ما شاهدنا ولا نزال نشاهد تلك الأفواج الإرهابية التي تتقاطر وتتدافع كالأمواج الهائجة وهي متجهة نحو الشام أو العراق وغيرهما. وليس في رؤوس هذه الأفواج سوى أن يقتلوا من يصادفهم في هذه البلدان، والأهم من ذلك أن يُقتلوا هم لكي يذهبوا مباشرة إلى “الجنة” ويحظوا بالحوريات اللواتي في إنتظارهم على أحر من الجمر. وبعضهم تراه في عجلة من امره ليُقتل هو ويذهب ليتغدى مع النبي الذي يكون في إنتظاره.
وهكذا تستمر عملية القتل والدمار والخراب وتعمر خزائن وقصور تجار وصنّاع السلاح وأدوات الدمار.
وهنا كذلك يتم تصوير الله سبحانه وتعالى أنه مجرم يحب القتل ويكافيء من يُقتل بالجنة والحوريات اللآتي يصلن إلى 70 حورية. والجماهير المسكينة البريئة تصدق هكذا مرسوم وتسرع الخطى وصولًا إلى الهدف المنشود..
ولذا، نرجو من كل إنسان يقوم بأي عمل يتفكر مليًا في هذا العمل وما يؤدي إليه، وليعلموا أن الله لا يحب ولا يريد القتل والدمار والإجرام. وإنما هو يعمل لهداية خلقه إلى سواء السبيل، ولذلك بعث الرسل للقيام بهذا الدور بالهداية والتوضيح وليس بالقتل والذبح وتدمير البيوت على من فيها.
وهكذا نرى أن هؤلاء الذين جاءوا من أقاصي البلاد ليحلّوا محل أصحاب الأرض، نراهم الآن يعضون على أصابعهم ندمًا لما قاموا به، إذ كانوا سعداء في موطنهم الأصلي، وكانوا يتزاورون مع جيرانهم ومع كل من يصادفونه. أما الآن فهم في عزلة، والتوتر والقلق يسيطران عليهم وعلى أطفالهم. وليس هذا فقط، إذ أنهم أوجدوا التوتر والقلق في المنطقة بأكملها. ولذلك تراهم الآن يتمنون العودة إلى البلاد التي جاءوا منها.
وانا شخصيًا أعترف بأنني أحزن على ما يعانونه هؤلاء من قلق وتوتر وعدم إستقرار، هم وأطفالهم وعيالهم، هؤلاء الذين غُرر بهم ودُفِعوا إلى هذا الأتون من النيران الحارقة، وأشعر كذلك بالحزن الشديد على أولئك الذين هُجروا من بيوتهم ومن وطنهم ويعيشون في الشتات عيشة يقاسون فيها شتى انواع البؤس والتشرد والمهانة.
وقفة تأمل
وهذه ليست سوى أمثلة مما يحصل في عالمنا، إذ أنك لا ترى منطقة إلا والحروب تظللها من جميع الجوانب.
وإزاء هذا فليقف كل منا وقفة تأمل وتفكر ويتساءل:
“لماذا كل هذا العذاب والقلق والخوف والتقاتل؟!! هل هناك شيء ملموس يمكن أن نعتبره هو السبب لهذه المآسي. فإذا كانت الحكاية هي الأرض، فالجميع كانوا مقيمين على أرض، تركوها وجاءوا ليأخذوا أرض غيرهم. وكانوا في موطنهم الأصلي يعيشون بأمان وسلام وسعادة، فما الذي حصل لركوب هذه الموجة التي أدت بالجميع إلى الهلاك والأضطراب والقلق.
وهنا يصدق القول أن الإنسان لا يعرف ما يريد وما هو الأفضل، إذ أن هذا في أغلب الأحيان يقف في طريقه كالأحجية، ومن هنا قيل أن الإنسان يشتري العذاب لنفسه بنفسه.“والله نسأل أن يهدينا إلى الطريق السوي، وأن يجعل المحبة والوفاق والسلام والأمن سائدًا بين جميع البشر.”
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net



