السيد مهدي صالحي خوانساري
دكتوراه في العلاقات الدولية
نشر السيد مهدي صالحي خوانساري، الحاصل على درجة الدكتوراه في العلاقات الدولية، مقالاً بعنوان: «تحليل مواقف الأمين العام لحزب الله الأخيرة وفكّ شيفرة استراتيجية المقاومة» ضمن العدد الخاص بالنخب تحت عنوان: «دفاع رمضان.. بعثة الشعب».
في ظلّ الأوضاع المضطربة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، وفي خضمّ الأزمات الأمنية والسياسية المعقدة، ولا سيما مفاوضات إسلام آباد، استقطبت تصريحات الشيخ نعيم قاسم، الأمين العام لحزب الله اللبناني، اهتمام المحللين والمتخصصين في الدراسات الأمنية من جديد. ويسعى هذا المقال التحليلي إلى دراسة الأبعاد المختلفة لمواقف الأمين العام الأخيرة، ومحاولة فكّ شيفرة الاستراتيجية المستقبلية للحزب وانعكاساتها على محور المقاومة.
لقد اتخذ الشيخ نعيم قاسم في تصريحاته الأخيرة موقفاً حازماً وواضحاً تجاه مفاوضات وقف إطلاق النار مع الكيان الإسرائيلي، حيث أكد قائلاً: «نحن نعارض التفاوض مع الكيان الغاصب، وهذه المفاوضات عبثية». وبذلك يكون قد رفض عملياً المسار الدبلوماسي واختار خيار المقاومة والعمل العسكري. ويعكس هذا الموقف تحولاً ملحوظاً في مقاربة حزب الله للأزمة الراهنة، ويشير إلى أن الحزب لا يعتزم، على الأقل في المدى المنظور، التراجع عن مواقفه.
القسم الأول: قراءة من المنظور السياسي
1-1 رفض التفاوض والتأكيد على خيار المقاومة
من أبرز محاور خطاب الشيخ نعيم قاسم رفضه الصريح لأي شكل من أشكال التفاوض مع الكيان الإسرائيلي. فقد صرّح قائلاً: «نحن نعارض التفاوض مع الكيان الغاصب، وهذه المفاوضات لا جدوى منها، وأي تفاوض يحتاج إلى إجماع وطني لتغيير المقاربات».
وتشير هذه التصريحات إلى أن حزب الله لا يرفض فقط التفاوض المباشر مع إسرائيل، بل يرى أن أي عملية تفاوضية محتملة تستلزم تغييراً جذرياً في النهج السياسي العام للدولة اللبنانية.
ويمكن تحليل هذا الموقف على عدة مستويات. فعلى المستوى الأول، تعكس هذه التصريحات استمرار المقاربة الأيديولوجية والمقاوماتية للحزب تجاه طبيعة الكيان الإسرائيلي. فمن وجهة نظر حزب الله، يُعدّ الكيان الإسرائيلي «كياناً غاصباً»، وأي تفاوض معه يُعدّ شكلاً من أشكال منح الشرعية للاحتلال. وترتبط هذه الرؤية بالأيديولوجيا الإسلامية الثورية التي يتبناها الحزب، والتي تعتبر أي تسوية مع إسرائيل خيانة لقضية فلسطين وللمجاهدين الفلسطينيين.
أما على المستوى الثاني، فيمكن فهم هذا الموقف في إطار التنافسات الداخلية اللبنانية. فمن خلال تأكيده على ضرورة «الإجماع الوطني» لأي عملية تفاوضية، يوجّه الشيخ نعيم قاسم تحدياً مباشراً للحكومة اللبنانية الحالية، مؤكداً أن أي اتفاق لا يحظى بموافقة جميع القوى السياسية، ولا سيما قوى المقاومة، لن يكون مقبولاً. ويشكّل ذلك محاولة لتعزيز قدرة حزب الله التفاوضية في أي ترتيبات مستقبلية.
1-2 انتقاد الحكومة اللبنانية
تضمّن خطاب الأمين العام لحزب الله انتقاداً حاداً وصريحاً للحكومة اللبنانية ولرئيسها. فقد قال: «ليس مقبولاً أن تستخدم الدولة اللبنانية سيادتها وإمكاناتها التنفيذية لتطبيق ما يريده العدو الإسرائيلي، ومن خلال ذلك تُضعف القدرات الداخلية على مواجهته».
ويعكس هذا الموقف اتساع الهوة بين الحكومة اللبنانية وحركة المقاومة.
وتعود جذور هذا الخلاف إلى التباينات المزمنة بين الطرفين حول كيفية التعامل مع أزمة جنوب لبنان. فالحكومة اللبنانية، الواقعة تحت ضغوط دولية وداخلية، تميل إلى اعتماد المسار الدبلوماسي وتقديم التنازلات لتسوية الأزمة، في حين يرى حزب الله أن المقاومة المسلحة هي السبيل الوحيد للتصدي للاعتداءات الإسرائيلية. ومن خلال قوله إن «بعضهم مع العدو وبعضهم مع الوطن»، يوجّه الشيخ نعيم قاسم اتهاماً ضمنياً للحكومة بالتواطؤ مع العدو.
ورغم حدة هذا الاتهام سياسياً، فإنه يعكس عمق أزمة الثقة بين الجانبين. فالحكومة اللبنانية تجد نفسها في موقف بالغ الصعوبة؛ إذ يتوجب عليها من جهة الالتزام بتعهداتها الدولية، ومن جهة أخرى التعامل مع ضغوط قوى المقاومة في الداخل. وقد أفضى هذا التناقض إلى إضعاف موقع الحكومة ومنح حزب الله مساحة أوسع لتصعيد انتقاداته.
القسم الثاني: التحليل العسكري والاستراتيجي
2-1 التأكيد على وحدة الأراضي اللبنانية
من أهم المحاور التي ركز عليها الشيخ نعيم قاسم تأكيده على الحفاظ على وحدة الأراضي اللبنانية ورفض أي تعديل للحدود. فقد صرّح قائلاً: «لن يُقتطع متر واحد من أرض لبنان»، و«إن مشروع إسرائيل لإقامة منطقة عازلة في جنوب لبنان لن يكتب له النجاح».
وتشكّل هذه التصريحات رداً حاسماً على المخططات الإسرائيلية الرامية إلى إنشاء منطقة عازلة في الجنوب اللبناني. وتسعى إسرائيل من خلال هذه المنطقة إلى تعزيز أمن حدودها الشمالية ومنع حزب الله من تنفيذ عمليات عسكرية ضدها. غير أن الشيخ نعيم قاسم رفض هذا الطرح بصورة قاطعة، مؤكداً أن أي محاولة لتغيير الواقع الجغرافي الحدودي محكوم عليها بالفشل.
ويعكس هذا الموقف إصرار حزب الله على الحفاظ على وجوده في جنوب لبنان. فمن منظور الحزب، لا يُعدّ الجنوب جزءاً لا يتجزأ من الأراضي اللبنانية فحسب، بل يمثل أيضاً خط الدفاع الأول عن لبنان في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية. وأي تراجع عن هذا الوجود يعني التنازل عن جزء من السيادة الوطنية وإضعاف قدرة المقاومة على الردع.
2-2 الاستعداد لتصعيد المواجهة
تشير تصريحات الشيخ نعيم قاسم إلى استعداد حزب الله لاحتمال تصعيد المواجهة العسكرية. فقد أكد قائلاً: «حتى لو بقينا وحدنا في هذه الحرب فسوف نقاتل»، و«لن نستسلم أبداً وسنواجه المعتدين حتى آخر رمق».
وتعكس هذه التصريحات إصرار الحزب على مواصلة المقاومة حتى في حال غياب الدعم من الدول أو القوى السياسية الأخرى. كما تعبّر عن تحول في الخطاب الاستراتيجي للحزب؛ فبعد أن كان يؤكد دائماً على دعم الجمهورية الإسلامية الإيرانية وسائر أطراف محور المقاومة، بات يركّز بصورة أكبر على قدرته الذاتية على خوض المواجهة بشكل مستقل، على غرار ما ورد في الخطابات الأخيرة لسيد المقاومة.
وقد يكون لهذا التحول عدة دوافع؛ أولها احتمال وجود مخاوف من تراجع مستويات الدعم الخارجي. وثانيها السعي إلى تعزيز معنويات البيئة الحاضنة للمقاومة والرأي العام، وإبراز قدرة الحزب على مواجهة التحديات الداخلية. أما ثالثها، فهو توجيه رسالة إلى المجتمع الدولي والقوى الإقليمية مفادها أن أي حل للأزمة اللبنانية لن يكون ممكناً من دون موافقة حزب الله.
2-3 انتقاد اتفاق تشرين الثاني/نوفمبر 2024
تطرّق الشيخ نعيم قاسم إلى اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، معتبراً أن إسرائيل «لم تنفّذ بنداً واحداً» من الاتفاق. وقال في هذا السياق: «لقد صبرنا خمسة عشر شهراً بينما لم ينفذ العدو الإسرائيلي بنداً واحداً من اتفاق 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، ومع ذلك تحلّينا بالصبر».
وتعكس هذه التصريحات حالة من الإحباط العميق لدى حزب الله تجاه المسار الدبلوماسي. فقد تضمّن اتفاق نوفمبر 2024، الذي أُبرم عقب الحرب بين إسرائيل وحزب الله في ذلك العام، التزامات إسرائيلية بالانسحاب من جنوب لبنان ووقف انتهاكاتها للسيادة الجوية اللبنانية. غير أن الشيخ نعيم قاسم يرى أن إسرائيل لم تلتزم بأي من هذه التعهدات.
ويحمل هذا الانتقاد عدة دلالات مهمة؛ أولها تراجع ثقة حزب الله بالاتفاقيات الدولية والضمانات الأمريكية. وثانيها توفير مبرر لاستمرار خيار المقاومة العسكرية، انطلاقاً من أن الدبلوماسية لم تحقق نتائج ملموسة. وثالثها زيادة الضغط على المجتمع الدولي لإلزام إسرائيل بتنفيذ التزاماتها.
القسم الثالث: التداعيات على محور المقاومة
3-1 التأثير على العلاقات مع إيران
تأتي تصريحات الشيخ نعيم قاسم في وقت تمر فيه العلاقات بين إيران والولايات المتحدة بمرحلة حساسة، بالتزامن مع استمرار مفاوضات وقف إطلاق النار. وفي هذا السياق، يمكن اعتبار موقف حزب الله المتشدد تجاه التفاوض مع إسرائيل رسالة إلى طهران أيضاً، مفادها أن المقاومة ليست مستعدة لتقديم تنازلات تحت أي ضغط.
ومع ذلك، ينبغي الإشارة إلى أن العلاقة بين إيران وحزب الله هي علاقة استراتيجية عميقة لا تتأثر بالتصريحات الظرفية. فما زالت إيران تمثل الداعم المالي والعسكري الرئيسي للحزب، ومن المرجح أن يستمر هذا الدعم. غير أن تصريحات الشيخ نعيم قاسم قد تعكس محاولة للحفاظ على استقلالية القرار السياسي للحزب بالتوازي مع استمرار الشراكة الاستراتيجية مع طهران.
3-2 التأثير على المعادلات الإقليمية
يمكن للموقف الحالي لحزب الله أن يترك آثاراً مهمة على التوازنات الإقليمية. أولاً، من المرجح أن يزيد من تعقيد الجهود الأمريكية الرامية إلى التوسط لحل الأزمة اللبنانية عبر المسار الدبلوماسي، إذ تواجه واشنطن الآن رفضاً صريحاً من أحد أبرز الأطراف المعنية.
ثانياً، قد يؤدي هذا الموقف إلى زيادة الضغوط على الحكومة اللبنانية، التي ستجد نفسها أمام خيارات أكثر صعوبة إذا ما تصاعدت المواجهات، وربما تضطر إلى المفاضلة بين دعم المقاومة أو الاستجابة للضغوط الدولية.
ثالثاً، قد تنعكس هذه التصريحات على مواقف بقية أطراف محور المقاومة، ولا سيما الفصائل الفلسطينية. فهذه القوى، التي تخوض حالياً مستوى أقل من المواجهة مقارنة بالسنوات الماضية في قطاع غزة، قد تستلهم من موقف حزب الله المتشدد أو تجد نفسها تحت ضغوط إضافية.
الخاتمة
تعكس التصريحات الأخيرة للشيخ نعيم قاسم، الأمين العام لحزب الله اللبناني، استمرار نهج المقاومة وتصاعده في مواجهة إسرائيل. وتحمل هذه التصريحات عدة رسائل أساسية: رفض أي تفاوض مع إسرائيل، والتأكيد على الحفاظ على وحدة الأراضي اللبنانية، وانتقاد الحكومة اللبنانية، والاستعداد لاحتمال تصعيد المواجهة العسكرية.
ومن منظور استراتيجي، تشير هذه المواقف إلى أن حزب الله يفضّل، في المدى القريب، الخيار العسكري على المسار الدبلوماسي، وأنه غير مستعد للتراجع عن مواقفه من دون ضمانات عملية وملموسة. ومن المرجح أن يزيد هذا التوجه من تعقيد الأزمة اللبنانية ويضع مزيداً من العقبات أمام الجهود الدولية الرامية إلى تسويتها.
وفي الختام، لا بد من الإشارة إلى أن أي قراءة للمشهد الحالي تبقى ناقصة ما لم تأخذ في الاعتبار التطورات المستقبلية. فالمعادلات الإقليمية والدولية، ولا سيما طبيعة العلاقات الإيرانية الأمريكية، قادرة على إحداث تغييرات سريعة في المشهد. ومع ذلك، فإن ما يمكن استنتاجه من تصريحات الشيخ نعيم قاسم هو أن المقاومة، في المرحلة الراهنة على الأقل، تبدو مصممة على مواصلة المواجهة، وغير مستعدة للدخول في أي تسوية مع إسرائيل.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
