
المهندس سعد الدين خالد يتحدث لـ “كواليس”: “اغتيل المفتي خالد لأنه شكّل عبئاً على المشاريع التقسيمية، فكان من الضروري التخلص منه جسدياً
… :”الطائفية والمذهبية علة العلل، وتبعد الناس عن بعضهم البعض”
كتب مدير التحرير المسؤول:
محمد خليل السباعي
تأسست مؤسسة المفتي الشهيد حسن خالد، في العام 1992، أي بعد مرور 3 سنوات على استشهاده، حين رأت مجموعة من رجال الفكر والثقافة والعلم والدين، أن تؤطر تاريخ ونضالات المفتي الشهيد خالد، (1961-1989)، تحمل فكره ونهجه ومبادئه، ليكون نبراساً مضنياً للأجيال القادمة، ومحطة لكل من يعمل في الشأن العام.
وفي هذا السياق، أجرت “كواليس” لقاءً حوارياً مع رئيس مؤسسة المفتي الشهيد الشيخ حسن خالد، المهندس سعد الدين خالد بمناسبة الذكرى الـ 34 على إستشهاد والده المفتي خالد.
وردًا على سؤال حول المؤسسة وأهدافها وأعمالها قال: “إن مؤسسة المفتي الشهيد حسن خالد، هي مؤسسة تحمل رسالة من وحي فكر ونهج ومبادئ وإنجازات المفتي الشهيد، على المستويات الإسلامية والوطنية والعربية، ففي بداية عملها كان سعيها الأول هو تأطير كل تاريخه وأعماله، ليكون بين يدي كل الراغبين في التزوّد من معين فكره الإسلامي والوطني والعربي، وإذا أحببنا أن نختصر بعض مسيرته الطويلة فإننا نستطيع القول بأنه على المستوى الإسلامي، فقد تميز عهده بكثيرٍ من الإنجازات، ومنها تأسيسه وإنشائه صندوق الزكاة في بيروت والبقاع، ووقف العلماء وإصدار مجلة “الفكر الإسلامي”، التي كانت منبراً للتوعية الدينية ونشر الفتاوى، وكتب فيها العديد من المؤلفين وأصحاب الفكر في كل أنحاء العالم، وعمل بكل جهد تجاه التنمية الوقفية وتطوير الأملاك الوقفية في كل المناطق اللبنانية، وكان متابعاً ومراقباً بشكل دقيق لدوائر الأوقاف الإسلامية، في مختلف المناطق اللبنانية”.
آخر صورة للمفتي خالد التقطت في بهو دار الفتوى في عائشة بكار قبل ساعة من اغتياله
اللقاء الإسلامي
وأضاف خالد: “كما أنشأ المفتي الشهيد، المجلس الاستشاري الذي ضم إليه العديد من الاقتصاديين والسياسيين وأصحاب الفكر من العلماء والمحللين والإعلاميين، وكما أسس “اللقاء الإسلامي”، الذي كان يعقد اجتماعاته الدورية، برئاسته كل يوم أربعاء وكان يضم بالإضافة إليه رؤوساء الحكومة والوزراء والنواب السُنّة، ثم انبثق عنه “اللقاء الإسلامي الموسّع”، والذي ضم على سبيل المثال لا الحصر، رئيس المجلس الشيعي الأعلى الراحل الإمام الشيخ محمد مهدي شمس الدين، والرئيس الراحل حسين الحسيني، والذي كان يتداول بكل ما يمر على الساحة اللبنانية، ويعلي الصوت في مواجهة من كان يعيثون فسادًا على الأراضي اللبنانية، فكان محطةً ينتظرها كل اللبنانيين ليسمعوا موقف “اللقاء الإسلامي الموسّع”، كما يجدر بنا أن نستذكر مواقفه الوطنية والإسلامية، بالإضافة إلى ما تقدم من خلال إقامة صلاة العيد، بمناسبة حلول الأضحى المبارك في منطقة الملعب البلدي، في الطريق الجديدة، حين احتشد في ساحتها مئات الآلاف من المصلين، وأعلن المفتي الشهيد خالد، في خطبته الشهيرة الموقف الإسلامي من الوضع اللبناني من خلال التركيز على الثوابت الإسلامية العشر، التي تتماشى مع تطلعات المسلمين، لحل القضية اللبنانية للوصول إلى الدولة العادلة الحرة والمستقلة”.
المستوى الوطني

وتابع خالد: “أما على المستوى الوطني، إبان الحرب “الأهلية العبثية” (1975-1990)، فقد برز لسماحته مواقف وطنية متقدمة، وكان تصميمه منقطع النظير لمواجهة ما كان يحدث على أرض الوطن، من إنقسام وشرذمة وتقاتل تحت عناوين مختلفة، وما يعانيه المواطن من جراء ذلك قتلاً وخطفاً وتنكيلاً ونهباً للأموال والممتلكات العامة والخاصة، من أجل ذلك كانت لقاءات عرمون، التي أطلق عليها “قمة عرمون”، والتي جمعت إلى المفتي الشهيد خالد، الرؤساء الروحيين للطوائف الإسلامية، وهم الإمام المغيّب السيد موسى الصدر، والإمام الراحل الشيخ محمد مهدي شمس الدين، وشيخ عقل طائفة الموحدين الدروز الراحل محمد أبو شقرا، والرؤساء السابقين للحكومات الراحلين صائب سلام وعبد الله اليافي ورشيد كرامي والزعيم الراحل كمال جنبلاط ونائب رئيس الجمهورية العربية السورية الراحل عبد الحليم خدام واللواء ناجي جميل ومبعوث الرئيس القذافي وغيرهم”.

أعمال ونضالات
وأوضح خالد: “لقد كانت أعمال ونضالات المفتي الشهيد حسن خالد، ترتكز في إنطلاقاتها ومدرجاتها العمل والسعي الدؤوب من أجل وطنه لبنان الحبيب، وتجنيبه من أعمال التخريب والاستباحة والعمل على توثيق الروابط بين اللبنانيين، للخروج من الحرب العبثية التي طاولت الحجر والبشر، ومن أجل أن يجدوا لأنفسهم مساحة عيش كريم، في ظل وطن متماسك ودولة تظللها العدالة والمساواة والحرية، وأيضًا حمل القضية اللبنانية إلى عواصم العالمين العربي والإسلامي وعواصم الغرب، وصولاً إلى مواقع انتشار اللبنانيين بكل طوائفهم في كافة دول العالم، ولذلك كانت جولات المفتي الشهيد خالد المكوكية في اتجاه العالم العربي وبلاد الانتشار والاغتراب اللبناني، التي ساهمت في نشر الوعي عند اللبنانيين لتحقيق الوفاق بينهم، ومساعدتهم في رفع مستوى الوعي بينهم وبين أهلهم، في وطنهم الأم للمساهمة في إنقاذ هذا الوطن، وحتى لا ينغمسوا في مشاكل لبنان الطائفية والمذهبية، وأن يساهموا أيضًا في حث أهاليهم لمواجهة الفوضى الأمنية والسلاح المتفلت”.

الثوابت الإسلامية
وتابع خالد: “لا ننسى الثوابت الإسلامية التي هي من أهم المحطات الأساسية في حياته في إبراز الموقف الإسلامي من القضية اللبنانية، فإطلاقه الثوابت الإسلامية العشرة قد حددت مواصفات الدولة اللبنانية العادلة، وكانت بمثابة الأسس التي ارتكز عليها لقيامة لبنان، والتي كانت أساسًا لإنعقاد مؤتمر الطائف، وللوصول إلى إقرار دستور الطائف، في 5 تشرين الثاني 1989، الذي أسس لقيامة لبنان الجديد، إلا أن سماحة المفتي الشهيد خالد، إغتيل قبل إنجاز إتفاق الطائف بفترةٍ زمنيةٍ تقل عن 6 أشهر، لكي لا يكون شاهدًا على إنجازاته”.
وأكد خالد: “إن حركة المفتي الشهيد خالد الدائمة والمتواصلة، قبل اغتياله والتي رأى من خلالها بان بأن الحل لا يمكن أن يكون من داخل لبنان، فتوجه إلى إخوانه العرب من أجل مساهمتهم لإيجاد الفرص والحلول السياسية، لإخراج وطنه من كبوته ومحنته وتحرير المجتمع اللبناني، من سطوة الميليشيات المتقاتلة، التي فرضت سيطرتها على كل شارع ومنطقة وحي وزاروب، فكان إنعقاد مؤتمر الكويت، الذي شارك فيه رؤساء الطوائف اللبنانية. فاستمع الأخوة الكويتيين إلى هواجسهم وإلى ما يفكرون بهم من وسائل وطرق لإرساء الحلول في لبنان، فكان هذا المؤتمر الديني نقطة البداية نحو إرساء الحل داخل لبنان”.

أول بند
وأضاف خالد: “بعد هذه المرحلة من الحوار، بين القيادات الدينية اللبنانية، في دولة الكويت، ساءت الأوضاع الأمنية في لبنان بشكل دراماتيكي، فما كان للمفتي خالد إلا أن أرسل برقية مناشدة إلى وزراء الخارجية العربية، المنعقدة قمتهم في دار البيضاء في دولة المغرب، والتي ناشد فيها المجتمعين بأن يكون لبنان أول بند على جدول أعمالها. إستشعر أصحاب الغايات السيئة قدرته على تحقيق المساعي الهادفة، إلى وقف مسلسل الموت والقتل والتشريد والتهجير، ونقل لبنان إلى ضفة الأمن والسلام والاستقرار، والعمل على طيّ صفحة الحرب الأهلية اللبنانية، بكل سلبياتها وسيئاتها المدمّرة، فكان الحل البديل عندهم، اغتيال المفتي خالد، لأنه شكّل عبئاً على مشاريعهم التقسيمية، فكان من الضروري التخلص منه جسدياً، لكي لا يشهد ولادة لبنان الجديد”.

إتفاق الطائف
وأضاف خالد: “بعد اغتيال الوالد في 16 أيار 1989، عن عمر ناهز الـ 63 عاماً، دعا ملك المملكة العربية السعودية الراحل فهد بن عبد العزيز آل سعود، (رحمات الله عليه) النواب اللبنانيين، إلى الاجتماع في مدينة الطائف، في المملكة العربية السعودية، والتي نتج عنه اتفاق الطائف، الذي أدى إلى خروج لبنان من محنته وحربه الأهلية التي استمرت 16 عاماً، حيث اتفق النواب اللبنانيون بمختلف طوائفهم ومذاهبهم على إقرار البنود السياسية الإصلاحية، وإدخالها إلى الدستور اللبناني، ونتج عنه إقرار دستور الطائف، الذي لم يطبّق معظم بنوده حتى اليوم، ولو نفّذ بشكل فعلي وحقيقي، لما وصلنا إلى ما وصلنا إليه، من ضياع وفوضى وسرقة ونهب، في ممارسات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وسواها”.

عمل المؤسسة
ورداً على سؤال حول ما تقوم به مؤسسة المفتي الشهيد قال خالد: “إن المؤسسة تعمل في اتجاهات عدة، أولها تأطير نهج المفتي الشهيد خالد وحياته، ولكن وبعد مرور سنوات على عملها في هذا الإطار، وبسبب الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية الصعبة والخانقة التي يمر بها الوطن لبنان، فقد أضافت الى أعمالها مضطرةً لمواكبة ما يجري في الجانب الإجتماعي، فقامت باعتماد التقديمات الاجتماعية، وعلى رأسها تقديم الحصص التموينية والخدمات الاستشفائية (الدواء، الفحوصات المخبرية، والعمليات الجراحية وسواها)، والمساعدة في الأقساط المدرسية والجامعية، بالإضافة إلى تقديم كسوتي الصيف والشتاء، وفي الجانب التربوي والثقافي والفكري، فإنها تعمل على توجيه النساء والشباب والأطفال، من خلال برامج توعية وتمكينية ودعمهم في مواجهة المتغيرات والظروف الصعبة، التي تمر عليهم وعلى عائلاتهم وصولاً إلى اكتسابهم وتعليمهم ثقافة الحوار والإنفتاح على الآخرين، بعيداً عن الغلو والتقوقع الطائفي والمذهبي، وذلك بهدف إنشاء مجتمع متكامل، يستطيع التواصل مع الآخرين، خدمة لأنفسهم وللوطن بشكل عام ولإخوانهم الشركاء فيه”.

أمّــة ولاَدة
وعن النظرة إلى دور الطائفة السنية في لبنان، في ظل غياب الحريرية السياسية، عن المشهد اللبناني قال خالد: “إن الأمة الإسلامية التي ينتمي إليها المسلمون السنة في لبنان، هي أمة ولاّدة، ولا تنكسر مهما مر عليها أيام صعبة ونكسات، لأن الإيمان هو ما يجعلهم يتطلعون إلى المستقبل بإيجابية وأمل واضعين نصب أعينهم مسؤوليتهم في الحياة ودورهم الذي خلقهم الله من أجله في عمارة الكون، وعليه فإن على اللبنانيين جميعًا مسلمين ومسيحيين أن يتطلعوا من هذا المنظار، وأن لا يتقيدوا بقياداتٍ إختارت ترك الساحة لقراراتٍ تخصهم وتخص حياتهم، وأن لا ينساقوا خلف قياداتٍ جربوها وخانة أمانتهم، لذلك عليهم أن يعقدوا العزم عندما يتسنى لهم أن يحسنوا الإختيار، في من يقود سفينة الوطن لأن ما نعيشه اليوم من ويلات سببه سوء الإختيار ووضع الأمانة في غير محلها”.

دور دار الفتوى
وعن نظرته إلى دور دار الفتوى، في مرحلة ما بعد استشهاد والده قال خالد: “إن دار الفتوى، من أهم المواقع الدينية في لبنان، التي كان لها بصماتها الكبيرة والإيجابية، منذ فجر الاستقلال وحتى يومنا هذا، ولكن ما حصل من إجراء تعديلات طرأت على المرسوم الاشتراعي 18/55، والتي حُدد من خلالها مدة ولاية مفتي الجمهورية، بالإضافة إلى التدخل السياسي في إدارة الإفتاء، فمفتي الجمهورية يعتبر المرجع الأول للمسلمين في لبنان في كافة شؤونهم الدينية، وممثلهم لدى السلطات الرسمية في لبنان وخارجه، وهو المرجع لجميع الموظفين الدينيين والإداريين في دوائر الأوقاف والإفتاء، ويُصنّف الرئيس الأعلى لعلماء الدين السُنّة في لبنان، ويصدر إليهم كافة التوجيهات، ويتمتع بسائر الحقوق والامتيازات، التي يملكها رؤساء الأديان في الطوائف الأخرى”.
علة العلل
وختم خالد: “إن الدين يبشّر المجتمعات بالخير والأمن والسلام، ويفرض المحبة ويوحي بالتواصل والتلاقي والإنفتاح على الآخر، أما الطائفية والمذهبية، فهي علة العلل، التي تبعد الناس عن بعضهم البعض، وتؤدي إلى نشر بذور النزاع والشقاق والخلاف فيما بينهم”.

مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net