الدكتور السيد محمد الحسيني
كنت في سن العاشرة ،كان متنفسنا الوحيد للَّعب في الحيّ مساحة من الأرض البور تسابقت عليها كل أحلامنا .لم يكن يُنَغِّص علينا راحتنا إلا أولاد الحيّ الثاني. كانوا غلاظاً ويزعجوننا من حينٍ للآخر.
ذات يوم ، كنا نشرب الكازوز خلف دكان حليم ،فحرَّضت رفاقي على مواجهة الغزاة ..أجابني أحدهم :”أي عراكٍ بالأيدي نتيجته محسومة لصالحهم . إنهم أكبر منا سنا”..” إنفضَّ الجميع من حولي وتركوني مع زجاجاتهم الفارغة ! إشتدَّ غضبي .. كنت شارد الذهن الى أن لاحظت سقوط زنبور داخل إحدى زجاجات الكازوز . لمعت برأسي فكرة شريرة .. كانت السبيل لهزيمة الحيّ الثاني بأكمله !
كنت حين تطلب مني والدتي جلب اللحم من أبي راتب اللحام رحمه الله ، أتأمل كيف تحوم الزنابير والزراقط حول قطع اللحم المُعَلّّقة ! وكان الأخير يضع الطحال جانباً ،فتحط عليه الزنابير فيقضي عليها بضربة واحدة بواسطة مرزبته !
في صباح اليوم التالي ذهبت الى الملحمة وتطوَّعت لمهمة إصطياد الزنابير. كنت بالكاد أصفعها كي لا تموت، ثم أضعها في قارورة كبيرة أحكمت إغلاقها وجعلت في سدتها ثقوباً صغيرة حفاظاً على إبقاء طرائدي على قيد الحياة ..
أحضرت سلاحي السرِّي وعرَّضته لأشعة الشمس كي تزداد عدوانية تلك الحشرات . لن تصدِّقوا ، فقد أضفت إليها الفلفل الأحمر لجعلها فتاكةً أكثر ! وملأت قوارير أخرى من بودرة الترابة البيضاء التي أحضرتها من معمل البلاط المجاور لنا .
إخترت الشجعان من رفاقي وأطلعتهم على الخطة محددا ساعة الصفر للهجوم على الحيّ الثاني .
كانت الخطة أن نتسلل الى الحيّ الثاني يوم الأحد ، وندفع بإثنين منا لإستفزازهم . فيخرج الجميع للحاق بهما ، وقبل وصولهم الى زاروب البلدية نقذفهم بزجاجات الرمل لإثارة الغبار وإيقافهم ، ثم ألقي عليهم قنبلتي الزنبورية الفتاكة .
جرت الأمور كما أردت لها أن تكون ، لكن النتائج كانت كارثية !. لقد حصل ما لم يكن بالحسبان !
فقد صودف أن عرساً كان في دار البلدية ،عندما إنفجرت القنبلة الزنبورية ، لم تكتفِ الحشرات بمهاجمة الأولاد المساكين فقط . لقد هاجمت البيوت والحوانيت والنساء والرجال والسيارات لدرجة أن الساحة بدت كأنها في يوم الدينونة ، ودُقَّ جرس الكنيسة ! وسقطت العروس عن المرتبة وإنقلب قالب الكاتو بعد أن تدافع المدعوون للفرار ! وإصطدمت إسعاف البلدية بعامود الإنارة الذي سقط على مزرعة للأبقار فتدافعت الثيران وهاجمت النسوة اللواتي إختبئنَ خلف بوسطة الضيعة الحمراء ! ولحقت إحدى الأبقار الهائجة بالعريس وناولته قبلة من قرنيها فسقط في التبان ! وزاد الطين بلة حين سرت شائعة بأن ريحاً صفراء قد ضربت المنطقة ! فدعا خادم المسجد مؤذناً لصلاة الآيات !
أما نحن ،فقد نجونا بفعلتنا ولجأنا الى مخبئنا السري حيث راقبنا تسارع الأحداث الدرامية أثناء شربنا الكازوز …
D. Al Sayed Mohamad
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
