إمرأة في الأربعين

بقلم هيام فرج

كنت أشعر برهبة عظيمة وأنا أقترب من عتبة الأربعين , وتدور في ذهني تلك الأقوال التي كنت أسمعها على لسان أمي وبعض جاراتها والتي تستند الى ثقافة شعبية تتناقلها السيدات جيلا بعد جيل , فيصفن أنفسهن بأنهن ” راحت عليهن ” او يرددن المثل الشعبي ” في الأربعين يا رب تعين ” وعن تلك التغيرات الفيزيولوجية والطبية والنفسية … فكنت أعتقد أن عمرالأربعين هو بداية النهاية لي كإمراة. سمعتهن يصفنه ب ” سن اليأس ” , وتخيلتني يائسة تستجدي بعض الإطراءات الأقرب الى المجاملات :” عن جد عمرك أربعين ؟ والله ما مبيًن عليكي ,بس بعدك حلوي “. وأنا عالقة في الوسط : يرفضني الشباب , ولا يتقبلني العجائز .
.
في ذلك اليوم – يوم بلوغي الأربعين – وجدت نفسي أقف أمام المرآة , أحدث نفسي , وللحقيقة بيني وبين المرآة صداقة وفية , كنت أثق بجمالي وأناقتي من خلالها , فتحدثني أن أعدل فستاني , أو شعري , أو ماكياجي ..وأنا أعمل بنصيحتها بثقة مطلقة . لكن في ذلك اليوم تحديدا كان حديثنا عميقا بعيدا عن الشكل الظاهر , وجدت نفسي أسألها عن روحي الداخلية , هل أنا سعيدة ؟ أصبحت في الأربعين , ماذا فعلت لنفسي , ماذا حققت لذاتي ؟ صعقني جواب المرآة المختصر والقاسي : صفر . أجبتها مرعوبة : غير صحيح , كونت عائلة , أنجبت ولدين رائعين , ناجحين , ولدي زوج محب , ناجح .
– نجاحهم لهم وليس لكِ أنتِ
أدركت أنني أمر بمرحلة التقييم لذاتي , كأن جرس إنذار دق في أذني , قررت أن أستعيد عمري .كانت عودتي لمقاعد الدراسة الخطوة الأولى , تلتها خطوة العمل , بحيث أدركت أمورا كثيرة متعلقة بعمر الأربعين لم أكن أعرف عنها شيئا , فكنت صلبة , مفعمة بالنشاط والطاقة والتركيز …
كوَنت صحبة جديدة , ومعارف جدد , شاركت بنشاطات لم تكن تخطر على بالي يوما , أدركت أني معنية بكل ما هو حولي , توسعت مداركي , وأنجزت بفترة وجيزة ما عجز غيري على إنجازه بسنوات , صرت أكثر تفاعلا , وأكثر فرحا , أكثر عطاء , وأكثر حبا ….تخطيت كما هائلا من مخاوفي وهواجسي , أدركت أن عالمي هو مسؤوليتي وحدي , وأن تحملي لمسؤولياتي ومواجهتي لنفسي لم تكن لتحصل قبل الآن .
أجزم أنها أكثر فترة أحببت بها نفسي , فأنا أكثر نضجا ووعيا وجمالا , حتى أن هذه الخطوط الدقيقة حول فمي وتلك التي بدأت بالظهورعند زاويتي عينيً كانت رائعة الجمال , والأجمل أن الطفلة في داخلي ما زالت موجودة وأحبها, وكلما ” تشيطنت “, أحببتها أكثر .
اليوم وانا في منتصف الأربعين لا أجد إحراجا أبدا في ذكر عمري بل على العكس اجدني أتبرع بذكره وأنا فخورة , سعيدة , لأنني اكتشفت جمال هذه السن , دون منة من أحد , وكما تقول داليدا في أغنيتها الشهيرة ” إمرأة في الأربعين : لست نادمة على شيء حقا “.أعتقد هذا ما يسمى المصالحة مع الذات .
ويبدو أن ظمئي للحياة بدأ مع الأربعين.
أما بعد … فلكل مقام مقال .

شاهد أيضاً

ميخائيل عوض: التصعيد الأمريكي جاء ثأرا من الشعب الإيراني في المقابل رد رتيب ودون مستوى الردع لإيران… إعلان التصعيد من الجارة تركيا دلالات ورسائل.

لمتابعة الحلقة 👇   للاشتراك بقناة ميخائيل عوض على Odysee https://odysee.com/@Mikhaelawad:8 للاشتراك بقناة ميخائيل عوض …