بقلم المهندس عدنان خليفة ٠٠٠
بداية لا بد أن نُسلّم بأن الحضارات والأمم كما والأشخاص ٠٠ قد تشيب وتشيخ وتكبر وتُرد الى أرزل العمر ٠٠٠
أو قد تُهزم وترمى في القعر !!.
وقد تتجدد وتنهض عبر الأجيال والأبطال ٠٠٠
وقد تنبعث مع الأحفاد ٠٠ ومن تحت الرماد ٠٠٠
كما وطائر الفينيق !!..
ولكل زمان قادة ودولة ورجال ٠٠٠
ومفكرين وإصلاحيين و رواد ٠٠٠
هكذا كانت كل الحضارات قديماً وحديثاً ٠٠٠
ثم كان عصر العرب الذهبي على صهوة وصحوة الدين الإسلامي بعد أن خَطف الغرب الإغريقي المسيحية الموحِدة أو النسطورية والقبطية وحوّلها الى عقيدة الثالوث المقدس على يد قسطنطين بدءاً من المجمع المسكوني بداية القرن الثالث الميلادي وما رافق ذلك من بطش وقتل وتنكيل بالموحدين اليهود والمسيحيين ٠٠ إلى أن جاء الرسول محمد بالإسلام وأنتصر لهم بداية كموحدين كتابيين وهذا ما ساهم بالإنتشار السريع للإسلام الذي فتح معظم الدول بناء على طلب وتعاون من أخوة الكتاب ضد السيطرة القسطنطينية !!.
وهكذا كان حال جوار البحر المتوسط والهلال الخصيب ومصر والأندلس٠٠٠
وارتقى الإسلام بقيادة العرب سلّم الحضارات العالمية كفكر وعقيدة وعلوم ورحمة على أنقاض التصحّر ٠٠٠
ومن تحت غبار الصحراء وداحس والغبراء ٠٠٠
ولكنه بقي حيناً وحنيناً يَبكي و يُبكي ببعض الممارسات على أطلال قساوة الجاهلية ٠٠ وعنف وعرف الصحراء ٠٠
مرةً كجلاد و مرة كضحية !!..
واستمر صراع الظلمة والنور بين مد وجزر !!.
وربما قد تكون هذة ضريبة مخاض الولادة والتحول !!.
وجاء بعدها الإنحدار والقحط وخاصة بعدما تم القضاء على معظم المفكرين النهضويين العلميين أمثال ابن رشد والفارابي وغيرهم بالسيف وبإسم الدين ٠٠ الذين أُجهضت كل محاولاتهم التوعوية بعد أن زُندقوا ونُكّل بهم أو قتلوا !!..
وكان عصر الإنحطات والإنقسام وسيطرة المماليك المستجلبون من الشرق والغرب وعلى اختلاف مذاهبهم وبدعهم ٠٠ وإبداعاتهم الدموية ٠٠واستمر ذلك على مدى أجيال ومئات السنين حتى بداية الحربين العالميتن مطلع القرن العشرين ٠٠٠
وكان قد سبقنا وبمئات السنين الى الإنقلاب على سلطة الكنيسة الأوروبية وبطشها وخاصة ضد ما سمي بمحاكم التفتيش المتناغمة مع سلطات اليعاقبة (سيطرة أباطرة حكم تستقوي بالسماء ) ٠٠
وكان نجاح الثورة الفرنسية وعصر النهضة الأوروبية العِلمية والتي أنصفت عظمة مفكريهم وإنسانهم ٠٠٠ وأسست القوميات الاوروبية الحرة والديمقراطية ٠٠٠
وهنا في شرقنا كذلك كانت محاكم تفتيش إسلامية مبطنة وعلى اختلاف مذاهبها وكذلك وسلطة يعقوبية وحكام وسلاطين ينصبون أنفسهم بالسيف وبالإدعاء بإمتداد حكمهم لله وتوكيله ٠٠
وكذلك كانت محاولات فردية للإستنهاض عبر مفكرين وقادة على اختلاف التنوع في الشرق وخاصة حوض البحر المتوسط ٠٠ من أجل الإستقلال السياسي والعرقي والمذهبي والفكري والتحرر وخاصة للأقليات المضطهَدة والمستفردة ٠٠٠
وكانت ذروة آخر حركات النهضة والإستقلال عندنا في أوآخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين وقد انطلق معظمهم من تواجدهم القسري في الغرب أمثال إيليا ابوماضي وميخائيل نعيمة وجبران وأنطون سعادة وغيرهم ٠٠٠
ومرة إخرى أُفشل رواد عصر النهضة السورية ٠٠ وكذلك بعد أن زندق معظم مفكريهم ٠٠ واضطهدوا ونُكّل بهم أو قتلوا ٠٠٠
وبعد الحرب العالمية الأولى ٠٠ وعلى أنقاض هزيمة السلطة السياسية والدينية العثمانية حليفة المانيا المستبدة على الشرق امام أوروبا ٠٠ والتي كان الهلال السوري الخصيب وثقافته إحدى أبرز ضحاياها ٠٠٠
وجاء سايكس بيكو الأوروبي ٠٠ ليقسم المقسم !!..
ثم استشرست محاولات الإستنهاض للثقافات والقوميات المشرقية عبر محاولات تشكيلها وتسليحها والقيام بالإنقلابات الحزبية والعسكرية ٠٠ وبإسم القوميات العربية أو اللبنانية أو القومية السورية وغيرها ونجاح بعضها وفشل أخرى وانقلاب على الإنقلاب !!..
وكان انطون سعادة من القلة الذين وضعوا فكرهم وفلسفتهم في حزب ومؤسسات عقائدية قال عنها سعادة نفسه بأنها زبدة عمله وأهم انجاز له ٠٠ الذي هو وسيلة لتحقيق وحدة الأمة السورية بعد أن كانت تحت مسمى قومية سورية أو سوريا الكبرى ٠٠
ثم قام بتمييزها عن تيارات كانت موجودة في ذلك الزمن كتسمية الهلال الخصيب بدعم بريطاني وكذلك كانت تسمية القومية مستفزة لبعض مكونات مشروع سعادة كلبنان والعراق ولكي يتفادى مشكلة الأقليات التي يتميز بها شرق المتوسط وارتباط هذة الأقليات بالإثنية والدين كالأكراد والموارنة وغيرهم حيث كان هناك تساؤل عن انتمائهم العربي وهو ما أخذ بعض المفكرين كسعيد عقل الى فينيقيتهم ٠٠ وهو ما تناقش معه سعادة واعتراضه على عناوينه وخاصة لبننة ادونيس !!..
وكذلك قام بتطوير مشروع الأمة ليضم العراق مع الإنتقال الى تسمية الأمة السوراقية ٠٠٠
وللعلم إن تسمية الهلال الخصيب هي من اختراع عالم آثار أمريكي مطلع القرن العشرين وذكر ذلك في مدونة جغرافية لتبيان عظمة حضارات تلك المنطقة وتفاعلها وتكاملها على هذة الرقعة ٠٠ وأصدر ذلك في كتابه قبل الحرب العالمية الأولى ٠٠٠
وأنطون سعادة الذي هو وإن لم يخترع مصطلح وفكرة الهلال السوري الخصيب ٠٠ ولكنه اكتشف عظمة هذا المشروع على سُلّم النهوض في نشوء الأمم ٠٠٠
واخترع له عقيدة أكثر ما تناسبه ٠٠
وتتناسب مع تميزه ٠٠٠
وكان ما كان من تأسيس للحزب وخاصة بمواجهة سايكس بيكو ٠٠ ثم المحاولة الإنقلابية للحزب ٠٠ ثم تصفية سعادة ٠٠٠
ومن أهم تشخيص أو تبسيط لعقيدة الفكر القومي هي في مقاربة حياة مشروع هذة الأمة إلى ما يشبه المدرحية الإنسانية ٠٠ أي لكي يعيش الإنسان يشترط تلازم المادة والروح وكذلك لنجاح مشروع الأمة يجب تلازم تكامل الكيان الجامع والنهضة القومية السورية الإجتماعية التي ستسعى اليها المؤسسات والحزب ٠٠٠
او الموت ٠٠
ووصلنا الى ما نحن علية اليوم!!.
وهنا ننتقل الى عنوان ندوة كانت منذ شهرين تقريباً أي بداية آذار 2023 للدكتورة صفية انطون سعادة تحت عنوان هل فشل الحزب السوري القومي الإجتماعي ٠٠ ولماذا ؟!!.
وخلاصة رأيها وأكثر المداخلات الفكرية من كوادر حزبيين وان لم يكن بصريح العبارة كان بطرح أفكار للتعويض ٠٠
وهو ما بادرت به الدكتورة صفية بفكرة الإنتقال الى ما يشبه التيار السوراقي لتفعيل ما يشبه التبشير النهضوي للعقيدة ومشروع الأمة ٠٠
وحفاظا على مشاعر المتحمسين سأقول :
أُفشل ٠٠٠
وأنتقل إلى سؤالي البريء ماذا كان ليقول سعادة في ذلك لو كان اليوم حياً ٠٠
وأجيب وكما سيقول لي الكثيرون :
ربما ما كنّا وصلنا لهون !!..
لذلك سأفترض أنه هو من بعث برسالة الى حزبه وأمته وهذا سيعفيني من إكمال رسالتي اليه التي كنت قد عنونت مقالي بها!!..
وخاصة انه عندما كان سعادة يطرح عقيدته على تلاميذه كان شرقنا السوري ينتسب وينسب وبالتراضي وتوافق الجميع الى كيان بلاد الشام ٠٠ وهذا الإنتماء كان طبيعيا ومثبتا في الوثائق الشخصية كالهوية والباسبور والعملة واللهجة والثقافة بداية وقبل ان تغذيها تمردات الأقليات المذهبية والإثنية كالأكراد والدروز والمسيحية والشيعة على بطش واستفراد السلطة السفربلكية العثمانية ( وسعادة نفسه عاش المجاعة في طفولته قبل ان يهاجر ويلتحق بوالده ) وقبل أن تتدخل الدول الأوروبية لتحمي وتحفظ هذة الأقليات تحت الحكم العثماني ٠٠ ثم وبحجة تكريس هذة الحمايات في سايكس بيكو الطائفي ومن جملتها تطبيق وعد بلفور وإقامة الدولة اليهودية على قسم من أرض فلسطين ٠٠٠
هذا يعني أنه زمن سعادة كان هناك شعور وانتماء عاطفي ووجداني وعضوي ومجتمعي لوحدة بلاد الشام ٠٠٠
واليوم وبعد نجاح سايكس بيكو بأشواط وتكريس ذلك عالمياً ومحلياً ضمن مصالح واقطار مستقلة وأحيانا متصارعة ٠٠ وتعميق المذهبية والمحميات ٠٠ ورضى العرب بتسليم لواء اسكندرون لتركيا لأنه بمعظمة كردي وكان يعتبر عبئاً على المشروع العربي ٠٠ وهزيمة معظم مشاريع المواجهة والأفكار الوحدوية حتى والأحزاب العقائدية والقومية نفسها ٠٠ ومنها الحزب السوري القومي الإجتماعي الذي بالمبدأ يريد أن يوحد الأمة السوراقية وهو لم يستطع توحيد نفسه ٠٠ ويستمر من شرذمة الى أخرى ٠٠ ويحتكم الى السلاح والدم في حل خلافته الداخلية ٠٠
وقد يكون منحصراً تواجده و بتراجع في لبنان الذي هو أضعف خاصرة في هذا المشروع ٠٠ فأين امكانياته بمهمته ؟!!.
وكيف سيأمن له الآخرون ؟!!.
لذلك كان سعادة ليقول في رسالته :
طبعاً إن عقيدة الأمة السوراقية وهي ليست منفصلة عن الأمة العربية في مشروع لاحق ٠٠ وهي ليست حكرا على الحزبيين فقط٠٠
وأن توحيد الهلال اليوم يجب أن يمر بمراحل وتدرج وتوافق يشارك في الجميع ٠٠٠
ولأن وحدة الكيان المدرحي قد تكون بداية بالجسد كمشروع فيديرالي للهلال العربي المشرقي الخصيب وما قد يقابله فيديرالية الخليج العربي ٠٠ وفيديرالية المغرب العربي ٠٠٠
وهنا تحل كل اشكاليات الأقليات الدينية والإثنية بما فيها اليهودية ٠٠ وتتوزع عندها و دون غبن او خوف لا للمارونية ولا للشيعية ولا للكردية ولا لغيرهم ٠٠٠
وهذة قد تكون مهمة كل المثقفين و النهضويين في كل الأقطار المعنية ٠٠
ويتم بعدها الإنتقال الى مدرسة ورسالة النهضة المشرقية للهلال الخصيب وإلى المنافسة الشريفة مع باقي الأفكار والعقائد في كنف أمة قوية يصعب اختراقها والتلاعب بها من الخارج ويحسب لها حساب ٠٠
وتملك مقومات بشرية ولوجستية وثقافية واقتصادية وتنوع يضمن لها العدالة والتفوق والنجاح ٠٠٠
وأنا شخصياً كنت قد اقترحت هكذا مشروع في أوآخر سنة 2022 عندما كتبت عن مذكرات جولييت سعادة في مقال في مجلة كواليس ونشرته على صفحتي وتحت عنوان انطونيو وجولييت ٠٠ وكذلك كان هناك مقال آخر بداية سنة 2022 أو قبلها بقليل ٠٠ وطرحت فية كذلك فيديرالية أمة الهلال الخصيب ٠٠ مع فيديرالية الولايات المحلية التي قد تكون مذهبية في البداية للأطراف وعِلمانية الأحوال الشخصية والمجالس البلدية والمحلية للعواصم أو المراكز الرئيسية ٠٠٠
ومع كل محاولات الإختصار عذراً على الإطالة ٠٠٠
23 – 4 – 2023 مجلة كواليس ٠٠٠
بقلم المهندس عدنان خليفة ٠٠٠
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
