لبنان وامراضه السياسية والاجتماعية

نسرين نجم

اختصاصية في علم النفس الاجتماعي وكاتبة

يمر لبنان بأزمة مستعصية متعددة التشعبات متنوعة التحديات لم يعشها الوطن منذ تأسيسه، تتمثل بإنهيار أعمدة الدولة والحكومة من مؤسسات ووزارات وادارات وعلى رأس الانهيار عملته الوطنية التي فقدت قيمتها واصبحت كما يتداول اللبنانيون بأنها ” أشبه بأوراق لعبة المونوبولي”.
لبنان الذي عاش الويلات والنكبات من اجتياحات متكررة للعدو الصهيوني الى الجرح النازف منذ عام 1975 اي الحرب الاهلية، وما خلفته في النفوس من جرثومة العنف الطائفي والمناطقي، وحتى ان ركدت لفترة نجد بأن من شارك بهذه الحرب من جهات حزبية سياسية وتسلمت زمام السلطة لم تخرج من عقدة “انا ابطش اذا انا موجود” فيستخدمون الخطاب الطائفي المشحون تارة لشد العصب الفتنوي تارة عبرهم مباشرة وتارة عبر ابواقهم الاعلامية والاقلام والصفحات المأجورة على مواقع التواصل الاجتماعي، وتارة اخرى على السنة بعض رجال الدين.. وهو امر مؤسف لانه يضرب الميزة التي تغنى بها هذا البلد الصغير وهي فسيفسائه المذهبية والطائفية التي كانت تعطيه جمالية رائعة.. رغم ان البعض يحاولون تخطيها ومعالجتها الا ان ما يحصل على الساحة السياسية من مناكفات ومشاحنات بين الافرقاء واغلبها ليس من اجل الوطن بل من اجل تحقيق المكاسب زاد من حدة الامور تعقيدا، وافقد المواطن الثقة بدولته وحكومته سيما بعد الازمات المالية والنقدية ونهب اموال المودعين، وغياب لشبكة الامن والامان الاجتماعي والتي من شأنها لو كانت موجودة تعزيز “المواطنة” ، فأصبح حلم المواطن تأمين الكهرباء والدواء والمياه، اضف الى ذلك سيطرة الاحتكار والتجار المافياويين المتحكمين كما يريدون بأسعار السلع وبلقمة عيش الفقير دون ان يكون هناك اي حسيب او رقيب، ولعبة الصيارفة والدولار فهل يعقل بأن يرتفع الدولار عشرة اضعاف عما كان عليه في السابق وبفترة قصيرة جدا، ويحصل التلاعب برفعه او خفضه تبعا لكانتونات المصارف والصيارفة والسياسيين ، مما جعلوا اغلب اللبنانيين مرتهنين لهذه اللعبة ليحصوا خسائرهم..
والمضحك المبكي هو لجوء النقابات وسعيا لتحقيق ارباح كبيرة الى كذبة “اخفاء السلعة” تحت حجة عدم توفرها، لتخلق بلبلة عند المواطنين الذين يسارعون الى تأمينها ولو بأسعار تفوق سعرها الحقيقي بأضعاف، وهذا يدل على غياب الوعي عند البعض فمن يقرأ ويتابع تحركات هذه النقابات يجد بأنها تفتعل هذه الازمات طمعا بربح اسرع واكبر مثال ما حصل في الخبز، البنزين، الدواء، وصولا الى البصل، فلو لجأنا الى سلاح “المقاطعة” ولو لأربعة ايام لكانت انقلبت الامور رأسا على عقب ولكانت توفرت السلع وبأسعار اقل مما كانت عليه..
الى جانب كل هذا هناك انعدام للاخلاق وغياب الضمير لدى الكثير من البائعين والتجار، فمثلا يرتفع الدولار الى مئة وعشرين فيقوموا ببيع بضائعهم على مئة وخمسين، وعندما ينخفض سعر صرف الدولار تبقى الاسعار عما هي عليه، وحتى وصل الامر بهم بالتلاعب بتاريخ انتهاء الصلاحية وايضا دون اي حسيب او رقيب، والاصعب بأنهم يلجاون الى عروضات عليها ضاربين بعرض الحائط صحة وسلامة المواطن.. لنصل الى أزمة خطيرة الا وهي الدولرة التسعير على الدولار وهنا مكمن الفساد فأغلب المولات والمحال التجارية لم تلتزم بما طلبه وزير الاقتصاد بوضع بشكل علني سعر صرف الدولار بشكل يومي، مما يسهل التلاعب بسعر السلع بالدولار كما هم يريدون، في ظل غياب الرادع الاخلاقي القانوني، غياب الرقابة والمحاسبة، وحتى ان تم اقفال اي محل تأتي “الواسطة” ليعاد فتحه في نفس اليوم.
لذا لا يمكن بهذه الطريقة ان يبنى البلد وان يتعافى من امراضه، ومسبباته العديدة منها ما هو داخلي ومنها ما هو خارجي، الداخلي يتمثل بفساد السلطة الحاكمة، طمع وجشع التجار، المصارف وتحكمها برقاب العباد، ازمة النازحين السوريين التي فاقمت الازمة الى حد كبير.. والعامل الخارجي المتمثل بالحصار الاقتصادي والمالي الذي تفرضه الادارة الاميركية على لبنان كرمى لعيون الكيان المحتل، في محاولة منها للعب على وتر بأن وصول لبنان الى ما هو عليه من ازمات نتيجة المقاومة، وذلك من اجل خلق شرخ بينها وبين بيئتها الحاضنة، وبالطبع هذه اللعبة فشلت فشلا ذريعا، فالكل يشهد على الدور الاقتصادي والمعيشي الذي لعبته المقاومة من ناحية الوقوف مع المواطنين لمنع تفاقم الوضع بالتعاون مع الجمهورية الاسلامية الايرانية التي لم تأل جهدا بفتح ابوابها ومد يدها لمساعدة لبنان ان كان بتأمين المازوت والبنزين والدواء والمواد الغذائية وغيرها، وحتى انها عرضت لمشاريع تنموية من شأنها انقاذ البلد من الموت السريري، الا ان بعض المسؤولين الخاضعين التابعين للادارة الاميركية رفضوا بث الأوكسجين لبلد يختنق، وها هم يشاهدونه وهو يعاني…
من الضروري القول بأن ما يجعل لبنان يتنفس في الوقت الحالي عاملين هما:
_ اموال المغتربين الذين رغم قساوة الغربة والابتعاد عن الوطن والاهل والاحبة، لم ينسوا لبنان ولم يتخلوا عنه.
_ البعد الاجتماعي الاقتصادي الذي تعمل على تأمينه مؤسسات المقاومة ضمن القدرات والامكانات المتوفرة لديها وبالطبع لا يمكن ان تحل محل الحكومة واصلا لا وجود لحكومة.
اذن لبنان يحتاج الى عمل دؤوب الى مخلصين الى نوايا صادقة الى التخلي عن الانانية والمصالح الضيقة، فالحل يكمن بمحاسبة المتورطين الذين اوصلوا البلاد الى ما هي عليه ومهما علا شأنهم، ما نحتاجه هو اتفاق جديد على غرار اتفاق الطائف، معالجة ملف النازحين السوريين الذين باتوا يشكلون خطرا وجوديا على كينونة لبنان سيما ان سوريا اصبحت اكثر امانا مما كانت عليه في السابق، وحتى ان اغلب النازحين يزورون شهريا سوريا عبر المعابر الشرعية وبالتالي تنتفي حجتهم بأنهم مطلوبين في سوريا، ومن الضروري الضغط عبر قنوات متعددة على الامم المتحدة لايقاف هذه الحرب التي تشنها على لبنان عبر دعم النازحين للبقاء فيه..
ولربما التغييرات والتقاربات التي تحصل في المنطقة من شأنها ان تحمل نسائم الصيف الينا فينتعش البلد من جديد .

شاهد أيضاً

تجربة الزعيم عبدالناصر

خميس القطيطي جمال عبدالناصر ورث دولة محتله دولة تفتقد الكثير من عناصر القوة، اضافة الى …