رمضانيات [ 17 ] معركة بدر … والإيمان

المرجع السيد محمد حسين فضل الله

بدر.. والإيمان :

أثار الكثير من الباحثين الّذين تعرّضوا للحديث عن بدر، قضية الإيمان، وكيف يدخل في المعركة كعنصر حيويّ من عناصر ربح المعركة، وربّما حاول البعض منهم أن يعتبر الإيمان بديلاً عن أي عنصر آخر من عناصر القوّة المادية، فهو الأساس في النصر، ولا قيمة لأيّ شيء آخر… وتطرّف آخرون في الاتجاه المعاكس، فلم يعتبروا الإيمان شيئاً في مواجهة العناصر المادية، التي رأوا فيها كل شيء في عملية ربح المعركة والحصول على النصر.

ولكننا لا نوافق على أيّ من هذين الاتجاهين، لأنّ للإيمان دوره الكبير في الحصول على القوّة الروحيّة والمعنوية، لما يوحيه للإنسان من الارتباط بالله، والاعتماد عليه، والثقة به، واللجوء إليه في حالات الشدّة، ما يبعد الإنسان عن الشعور بالقلق والخوف والضياع أمام مواقف التحدي، وهو ما يساهم في تأكيد التوازن الداخلي الدقيق للشخصية المقاتلة، وتوفير مقوّمات الثبات للموقف الصعب. أمّا العناصر المادية الأخرى، من سلاحٍ ومالٍ وظروفٍ سياسية ملائمة، ومواقع عسكرية متقدّمة، وخبرة في المجالات التي تتحرّك فيها المعركة، أمّا هذه، فإنها تمثل العنصر الضروري للانتصار، لأن الله جعل عمليّة النصر والهزيمة خاضعة للوسائل الطبيعية المحكومة للأسباب المادية، إلى جانب الأسباب الروحية… ولهذا، أكّد في كتابه المجيد ضرورة الإعداد العسكري، من أجل تحصيل القدرة على المجابهة من جهة، وتحطيم القوّة المعنوية للعدو من جهة ثانية، وهذا هو قوله تعالى: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ}[6].

الإيمان والثبات:
وفي ضوء ذلك، ينبغي للمؤمنين أن يرتفعوا بإيمانهم إلى المستوى الذي يمنحهم الثبات في المعركة، من خلال الاعتماد على الله، عندما يشعرون أن الله معهم، فلا يحزنون ولا يخافون، انطلاقاً من القرآن الكريم، الذي ينهى المؤمنين عن الوهن والحزن، وذلك قوله تعالى: {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}[7]. وقوله تعالى: {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا}[8].

إنَّ الإيمان ضروريّ من أجل أن يتحوّل القتال إلى حركةٍ للرسالة وموقف للحق، وانطلاقاً مع الله وقوة في موقع الشهادة، ولكن الحصول على القوّة المادية ضروري أيضاً، من أجل أن تكون للقوّة الروحية يدٌ تقاتل، وفكر يخطّط، ومواقع تتحرك، وساحة ملائمة توحي للمقاتلين بحرِّية الحركة وحيويّة الانطلاق.

الروحيّة الإسلامية :

وبهذا يتأكد الأسلوب الواقعي للروحيّة الإسلاميّة الذي يدفع الإنسان باتجاه المطلق، ولكن لا ليطير به في السماء، بل ليبتعد به عن الاستسلام لحاجات الأرض بالإخلاد إليها، لتتحرَّك أرضه بروحية السماء، وتعيش سماؤه في الحركة الواقعية لإمكانات الأرض، وبذلك، يظلُّ المسلم متقدّماً في التعامل مع حركة التطور في الحياة، ويبقى له أن يدفع هذا التطور في اتجاه مصلحة الإنسان التي تتجاوز حياته إلى ما بعد هذه الحياة.

وتقف النتائج العملية في الملتقى الإنساني، لتتحدّث عن “النوعية” بدلاً من “الكميّة”، لأن الكمّ لا يمثل قيمة في المواقف إذا لم ترافقه الكيفيّة التي تجعل منه قوةً في العمق والامتداد، لا مجرّد رقمٍ يلهو به الحاسبون ويزهو به اللاعبون.

قصة كل نصر :
وتلك هي قصة بدر التي نصر الله فيها عباده وهم أذلّة، وتلك هي قصة النصر في كل زمانٍ ومكان؛ أن تستنفر الطاقة في فكرك وفي روحك وفي خطواتك العملية، وتواجه التحدي بعد ذلك من موقع الإيمان الذي يرتفع بك في اتجاه الهدف الكبير مع الله، ومن موقع القوّة التي تتحرك بك في الساحة في مواقع الصراع المتقدّمة، لتواجه الباطل بقوّة الحق التي تتحدى، وتضرب وتقاتل، وتنتصر في نهاية المطاف.

تنسيق : علي رفعت مهدي
17 رمضان 1444 للهجرة

شاهد أيضاً

النكسة بين وفرة الوثائق وغياب القراءة

بقلم: عمرو صابح في كل عام، ومع حلول ذكرى هزيمة الخامس من يونيو 1967، يخرج …