عمليّة القدس وما سبقها… تحوّل في الصراع مع الإحتلال الإسرائيلي حرب تحرير شعبيّة بدأها الفلسطينيّون في غزة… وتستكمل بالضفة الغربيّة

كمال ذبيان

ما يحصل في فلسطين، اسقط مشهد النكبة والنكسة والهزيمة من عقل شعبها، الذي قرر المقاومة، وعدم الاعتماد على انظمة عربية خسرت الحروب مع العدو الاسرائيلي، الذي وضع خطة نظامية لاغتصاب فلسطين، قابلته دول باع حكامها فلسطين، واستقبل بعضهم اللاجئين منها، على امل العودة اليها قريباً، فيما الامم المتحدة كرّست تقسيم فلسطين وشرعنت الكيان الصهيوني في العام 1948، ولا تنفذ حق العودة للفلسطينيين.

فالفلسطينيون اخذوا قضيتهم بيدهم، بعد رهان خاسر على العرب الذين اعتبروا فلسطين قضيتهم المركزية، كما انهم لم يوافقوا على سياسة ونهج “منظمة التحرير الفلسطينية” على مشروعها للسلام، وقيام دولتين على ارض فلسطين، حيث لم يكن “اتفاق اوسلو” الذي وقعه رئيس المنظمة ياسر عرفات مع رئيس حكومة العدو الصهيوني اسحق رابين في ايلول 1993، مقنعاً للشعب الفلسطيني، لان المفاوضات التي بدأت مع مؤتمر مدريد وشاركت فيها سوريا والاردن ومنظمة التحرير، لم تكن سوى عملية خداع اميركية ـ صهيونية، فلا اتفاق “وادي عربة” انقذ الاردن، ولا “اتفاق اوسلو”، الذي لم ينفذه العدو الاسرائيلي، ادى الى دولة فلسطينية عاصمتها القدس، ولا الى وقف قضم الاراضي الفلسطينية وبناء المستوطنات، وهذا ما احرج “السلطة الفلسطينية” برئاسة محمود عباس (ابو مازن)، الذي كان يلجأ الى رفع الصوت، والاعتراض على الممارسات العدوانية “الاسرائيلية”، لكن الوسيط الاميركي الذي رعى الاتفاقات مع المنظمة لم يمارس دوره، ويحقق ما وعد به الفلسطينيين.

فالرهان على السلام المزعوم اصبح خارج التداول، يقول قيادي فلسطيني رافض “لاتفاق اوسلو”، وان المقاومة هي السبيل لتحرير الارض، وما حصل في غزة يؤكد ذلك، فانسحب منها العدو الاسرائيلي عام 2004، وفكك عشرين مستوطنة يهودية في محيط غزة التي تحررت بالمقاومة، وتحوّلت الى جبهة عسكرية متقدمة ضد الكيان الصهيوني، على مساحة 340 كلم2، ويسكنها اكثر من مليوني فلسطيني، وهي تخوض حروباً دائمة ضد العدوان الاسرائيلي عليها، وباتت تملك ترسانة اسلحة، لا سيما من الصواريخ، فانشأت مصانع للاسلحة وهي محاصرة، وطريقها الى الخارج والداخل تمر بالانفاق.

فما حصل في غزة عام 2004، وقبله في لبنان عام 2000 بتحرير ما تبقى من ارض في الجنوب، ثم الصمود صيف 2006 بوجه العدوان الاسرائيلي، وهو ما حدث في غزة منذ العام 2008 بعمليات عسكرية دائمة ضد العدو الاسرائيلي، مما شجع الضفة الغربية ان تنتفض بالحجارة في العام 2002، ثم بالعمليات الاستشهادية، الى ان بدأ مقاوموها يمتلكون السلاح، فلجأوا الى العمليات المباشرة، وكانت جنين النموذج وتبعتها مدن وبلدات فلسطينية اخرى، مما اربك العدو الاسرائيلي، وفق القيادي الفلسطيني، الذي يرى في ظهور “عرين الاسود”، بداية لحرب تحرير شعبية، حيث لم تعد للفصائل والمنظمات الكلمة الفصل، بالرغم من وجودها وحركتها الميدانية، وان العمليات ينفذها مقاومون شباب هم من جيل جديد، لم يعد يؤمن بالحلول السلمية، انما بالمقاومة لاخراج الاحتلال من الضفة الغربية، التي لم تتمكن السلطة الفلسطينية من استعادتها عبر “اتفاق اوسلو”، وهي ارجأت البت بمواضيع اساسية كالقدس وبناء المستوطنات الى الحل النهائي، عند اعلان الدولتين، لكن كل ذلك سقط في العام 1994 عند اغتيال رابين، ثم بعدم اعتراف بنيامين نتنياهو بالاتفاق عام 1996، وعدم تنفيذ الادارة الاميركية لوعودها.

من هنا، قرر الفلسطينيون ان يحرروا ارضهم بانفسهم، مستندين الى دعم من دول صديقة، وما قام به المقاوم الفدائي فخري علقم من عملية في القدس، وقبله مقاومون آخرون، هو النموذج الذي ينتظر العدو الاسرائيلي، الذي اعلنت حكومته الجديدة برئاسة نتنياهو، والتي ضمت احزابا دينية متطرفة، بانها تريد اقتلاع الفلسطينيين من “ارض الميعاد” ومن “يهوذا والسامرة” في الضفة الغربية.

فاليهود اعلنوا “معركة الوجود” لكيانهم الغاصب، وبقائهم فيه، وقد بدأ الوقت يضيق عليهم، اذ لم يعد امامهم الا سنوات قليلة، لتحقيق حلم “اسرائيل الكبرى”، التي يحاولون توسيعها بالاستيطان وقضم الاراضي، في وقت يرد الفلسطينيون بالعمليات العسكرية، لرفض تكرار ما حصل في العام 1948، عندما تحولوا الى لاجئين، وفي العام 1967 عندما سقطت اراضي فلسطين في الضفة الغربية وغزة تحت الاحتلال الاسرائيلي.

ان عملية القدس، واخرى غيرها حصلت خلال سنوات، هزت الكيان الصهيوني الذي بات يشعر بالهزيمة التي كان يوجهها لانظمة عربية، حيث اصيبت حكومة نتنياهو بضربة موجعة، اعترف بها قادة العدو، الذي لم يعد سهلاً عليه ان يقوم بعلمية عسكرية واسعة، ويستمر في احتلاله للضفة الغربية، التي لن يتراجع المقاومون فيها عن تحريرها، وسيتحرك الفلسطينيون في الاراضي التي احتلت عام 1948، مما يؤشر الى تحوّل في الصراع الفلسطيني مع العدو الاسرائيلي، سيطيح السلطة الفلسطينية، التي سارعت الى تعليق التنسيق الامني مع العدو الاسرائيلي، وهذا ما يرفضه المقاومون ويحاربون لالغاء اتفاق اوسلو ، والمقاومون منهم عناصر من حركة “فتح” وفصائل اخرى، وهذا ما سيغير في اسلوب التعامل مع العدو الاسرائيلي، الذي لا يفهم الا لغة الحديد والنار.

شاهد أيضاً

الانتقام الإيرانى كثيف وناعم ومثير

جميل مطر  كثير ما يكتب ويقال عن اليوم التالى لتنفيذ اتفاق دولى يقضى بوقف القتال …