من وحي زيارة إلى الصين

أحمد رفعت يوسف

في العام 2009 زرت الصين لحضور فعاليات خاصة لمدراء الإعلام في الدول العربية.
كانت غاية الأصدقاء الصينيين منها – اضافة الى غايتها الإعلامية – تعزيز قنوات الاتصال مع الدول والمجتمعات العربية خاصة وأن مشكلة المسلمين الإيغور كان يتم تحريكها من قبل الولايات المتحدة الأمريكية ودول التوحش الاستعماري.
خلال الزيارة تفاجأنا بأن الاصدقاء الصينيين يرفضون في أدبياتهم السياسية والإعلامية أن يستخدموا في توصيف دولتهم بأنها “دولة عظمى” ورفضوا ان نطلق عليهم هذا التوصيف، ويقولون بأنهم لايزالون “دولة نامية كبرى”.
لا شك ان هذا الامر فاجأنا لأننا دائما ننظر إلى الصين على أنها دولة عظمى.
وخلال جلسة حوار مع مسؤولين وإعلاميين صينيين بادرت إلى الاستفسار حول هذه النقطة، وكان الجواب انهم لم يصبحوا بعد دولة عظمى.
هذا دفعني لمتابعة السؤال بسؤال آخر عن مقاييسهم للدولة العظمى وكان الجواب أن للدول العظمى 46 مؤشرا هم حققوا منها حتى تاريخه فقط 17 مؤشر.
ثم سألتهم متى يتوقعون أن يصبحوا الدولة العظمى الأولى في العالم وكان جوابهم، في منتصف عقد الاربعينات.
بعد ذلك بأشهررأينا كيف دخل مشروع “الشرق الأوسط الجديد” كإعصار ضرب منطقتنا، التي تعتبر مركز ومؤشر صعود وانهيار الامبراطوريات عبر التاريخ، وكان هدفه المباشر السيطرة على المنطقة، لكن ما وراء ذلك هو الأهم والهدف، وهو السيطرة على منابع ومناطق إنتاج وخطوط نقل النفط والغاز في كامل الخليج ووسط آسيا والأهم هو الإنتاج المتوقع في شرق المتوسط، وكان الهدف الأساس لكل هذا المشروع هو خنق الصين وفرملة تطورها المتسارع، وقطع مشروع “الطريق والحزام” وكذلك محاصرة روسيا واستهدافها داخل حدودها، إضافة إلى إسقاط إيران كهدف رئيسي للمشروع، ورأينا كيف تم جلب الإرهابيين الإيغور من الصين، والشيشان والقوقاز وغيرهم من روسيا، وتم ذلك بالتعاون مع تركيا الإخوانية، حيث كان أردوغان يتفاخر علنا بأنه نائب مدير مشروع الشرق الأوسط الجديد.
كان الهدف إنجاز مهمة هؤلاء الإرهابيين في سورية والمنطقة، ثم إعادتهم إلى الصين وروسيا لمتابعة مهمتهم في البلدين بعدما يكونوا قد اكتسبوا كل مهارات القتال وممارسة التوحش.
كان انجاز مخطط الشرق الأوسط الجديد يقتضي السيطرة على سورية، للانتقال منها لإسقاط إيران، وبعدها تصبح الصين وروسيا لقمة سائغة في فم امريكا والمنظومة الرأسمالية المتوحشة، ويتحقق هدفها بتجديد البنى الاستعمارية بأشكالها الجديدة ليضمنوا بذلك تجديد السيطرة على العالم، ومنع نهضة الصين وروسيا وإيران وعموم المنطقة لقرن آخر من الزمن.
من سوء حظ امريكا ومنظومة تحالف العدوان ان مشروعهم تعثر في الميدان السوري، وصمدت سورية صمودا اسطوريا لم يكن يتوقعه أحد من مخططي وقادة تحالف العدوان ومشروع الشرق الأوسط الجديد، ورأينا كيف وقفت إيران والصين وروسيا إلى جانب سورية سواء في مجلس الأمن بالفيتو الروسي الصيني المزدوج، الذي منع استصدار قرارات أممية لتشريع ضرب سورية واسقاطها، أو بالدعم العسكري والمادي وخاصة من قبل إيران وروسيا، لأن هذه الدول أدركت منذ البداية أنها مستهدفة وان سقوط سورية يعني سقوطهم.
كان الصمود السوري أحد أعظم أحداث التاريخ، لأن توقف مشروع الشرق الأوسط الجديد وسقوط أهدافه أدى الى تغيير مسار الأحداث بشكل دراماتيكي ونتج عنه تغيير جذري في موازين القوى والقوة في المنطقة والعالم.
ولأن قوانين الصراعات والحروب لا تعرف العواطف فمن يخسر في الحروب سيدفع الثمن.
فبدلا من سيطرتهم على منابع ومناطق إنتاج وخطوط نقل الطاقة بدأوا يفقدون السيطرة عليها.
وبدلا من إيجاد الحلول لمشاكلهم الاقتصادية والاجتماعية المتعثرة، بدأت المشاكل تتعمق وتعصف بدولهم ومجتمعاتهم بقوة وأصبحت تهددها بشكل جدي.
وبدلا من إسقاط إيران وفرملة الصين وروسيا، نهضت هذه الدول وتقدمت وتعزز قوتها ومكانتها الدولية، وأصبح من السهل عليهم الانتقال إلى سياسة الهجوم وفرض الشروط وشن الهجمات الوقائية، وهذا نراه في الموقف الإيراني الصلب في مفاوضاتها حول ملفها النووي مع الغرب، وفي العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، وفي الأزمة الصينية الأمريكية في تايوان.

هذه التحولات المتسارعة والتطورات الدراماتيكية المثيرة في الصراع المرير بين المنظومة الرأسمالية برأسها الأمريكي والمنظومة المشرقية الصاعدة برؤوسها إيران وروسيا والصين ستغير مسار الأحداث وموازين القوى والقوة الإقليمية والدولية وبشكل غير مسبوق في التاريخ، وسينتقل مركز الثقل الحضاري وقيادة العالم من المنظومة الرأسمالية على ضفتي الأطلسي، إلى الحضارات المشرقية الناهضة.
وبالعودة إلى الزيارة والحوار مع الأصدقاء الصينيين وما قالوه لنا، فإن ما توقعه الاصدقاء الصينيون بأنهم سيتحولون إلى القوة العظمى الأولى العالم في منتصف عقد الأربعينيات، نراه بفضل التطورات التي نجمت عن فشلهم في إسقاط سورية، والتحولات الدراماتيكية التي حدثت في مسار الأحداث، والتغيرات العميقة في التوازنات الإقليمية والدولية بدأ بالتحقق من الآن، ويتوقع أن يصلوا إليه في النصف الأول من عقد الثلاثينات المقبل، اي ان هذه التطورات المتسارعة في ساحة الصراع ساهمت في تقديم نهضة الصين 15 عاما على الأقل.
نحن اليوم في بداية مسار غير المسبوق في التاريخ، وسنكون أمام دراما جيوسياسية ساخنة ومثيرة ستستمر لوقت طويل، وسنشهد خلالها سقوط امبراطوريات ودول وأنظمة وصعود أخرى.

أ

شاهد أيضاً

🟤🟠 درس في التحدي .. بعد 40 سنة من رسوبه في الجامعة، يفوز بجائزة نوبل في الكيمياء..

منجي الباوندي، الكيميائي الأمريكي من أصول تونسية والبالغ من العمر 62 عاما، أعلن ضمن الفائزين …