إنتحابات طائفية

د. وسام حمادة

لوائح من قوس قُزَح رمى بها المزاد الإنتخابي اللبناني على جُزرِ الطوائفِ والمحسوبيات الحالمة بمقعد نيابي قد يحلّ لهم عقدهم النفسية التي عاشوها على مدى سنوات الرتابة في الحياة السياسية، جزرٌ كانت وما زالت بعيدةً كُلَ البُعد عن شاطئ أمانٍ لمواطنٍ حالمٍ بوطنٍ يحميه من ظُلمة بَحرٍ هائج وتلاطمِ أمواجٍ تكادُ تُطيحُ بما تبقى له من حياةٍ إنسانية وعيشٍ كريم، حيثُ رُبّانُ السفينةِ وطاقَمِها، أصحاب الفضل واليد الطولى بإلقاء مَرساتِهِم المثقلة بالحقد والعنصرية على صدرِ شعبٍ ملَّ الأمل الكاذب والوعود الرنانة والتحريض الممنهج ودعواتِ الكراهية للذات المصحوبةِ بعدائيةٍ لأخوةٍ جمعتهُم جغرافيا الحرمان والعوز، وعلى مذبحِ الإنتخاباتِ وقانونِها المُطَيَّف نسبياً والمُربِك والمُحاك بحِرَفية عالية تتناسب مع أحجام وجغرافية صانعيه وورثتهم الرُضَّع، تنطلق حملة تحريض مسعورة من قِبَل سياسيين جاثمين منذ عقود على أحلامنا العارية، متكئين على خطوط حمر رسمتها أيادٍ حاملة لصفة مرجعيات دينية ودنيوية احترفت حمايتهم من غضب المتضررين، هدفها كان وما زال صوتُ الذين لا صوتَ لهم، معركة استُخدِمَت فيها كُلَ أسلحة الإلغاء الثقيلة المُذَخّرة بطلقاتٍ من حروفٍ وكلمات لا تحمل أية رؤية إقتصادية أو برنامج إنقاذي لبقايا وطن كانوا قد ساهموا بتدميره، مسلحين بخطاب ممجوج وبرنامج إنتخابي غير قابل للتحقيق يتألف من ثلاثة كلمات مَلَّتها المنابر واللقاءات المدفوعة الأجر تحمل عنوان وحيد نزع سلاح المقاومة، وعلى المقلب الآخر برنامج آخر نقيض له عنوانه لا لنزع السلاح، وبينهما قوى تغييرية هي بأمس الحاجة لمن يُغَيّر لها خطابها السريالي الآتي من عالم الأنانية والشرذمة القاتلة للذات، لتستعيد معها القوى الطائفية المُتناحِرة مَجدَ سِلاحها المُدمّر للبنان مُستعينةً بِمَعجَمٍ من تحريض وتخوين وتناقضاتٍ شَكّلَت لوحةً من الموزايك العشوائي لتحالفاتٍ صادمة لشريحةٍ واسعة من المناصرين لهذا الفريق أو ذاك، وشَرّعت الأبوابَ والنوافذَ لأسئلةٍ كثيرة تُشَكِكُ بصدقيةِ الطَبَقَةِ السياسيةِ الحاكمة وإمكانيةِ العبورِ معها نحو حَلٍّ للتحدياتِ المُزمِنة في ظلِ سُلّطَةٍ لم تُقدّم إلا المزيدَ من العثَراتِ والتراجعِ القاتل لمقوماتِ الحياة الأساسية، فالكهرباء ما زالت سُفُنها غارقة في بحرِ من السرقة والفساد والتناقضات والمزايدات والمصالح الضيقة لتبقى العتمة دليل المواطن اليومي، والمياه عطشى لزيارة بيوتٍ اعتَصَرَها الجفاف، وطبابة تحتاج مُداوٍ ينقذها من مرض عضال وطرقاتٍ جُهِزَت بخنادق استراتيجية لمواجهة أي اعتداء خارجي، وأموال مودعين تبخرت على مذبح لص أنيق، والدولار كاشف الأسرار في حالة حراك مستدام لا يعرف أي استقرار، والأمن بالتراضي لا أمان يحكمه ولا قضاء ينصفه، ناهيكَ عن شبابٍ حالم بمسدس حربي أو بحقيبةِ سفرٍ تَحمِلُهُ بعيداً عن أرضٍ لفَظَتهُ مع آخرِ نَفَسِ تَنباك… الرفيق الدائم للبطالة.

شاهد أيضاً

للنبطية أقدم حزني

الإعلامية جمانة كرم عياد سيدتي يا زينب العصر، يا نبطية، كنت كما كل سنة أحضر …