رحل سامي حيدر.. ذَاكِرَةَ القُرَى وَالسَّاحَاتِ القَدِيمَةِ

بقلم علي منير مزنر

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ۝ ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾

بِقُلُوبٍ يَمْلَؤُهَا الحُزْنُ وَنُفُوسٍ يَعْتَصِرُهَا الفَقْدُ، نُوَدِّعُ اليَوْمَ قَامَةً تَرْبَوِيَّةً وَإِنْسَانِيَّةً عَظِيمَةً، الأُسْتَاذَ وَالمُرَبِّي، وَالزَّمِيلَ وَالصَّدِيقَ، الصَّحَافِيَّ سَامِي حَيْدَر.
رَجُلٌ أَفْنَى عُمْرَهُ فِي مَيَادِينِ العِلْمِ وَالكِتَابَة..
يَقُولُونَ إِنَّ لُغَةَ الصَّمْتِ أَبْلَغُ مِنَ التَّعْبِيرِ، فَمَاذَا لَوْ عَجَزَ الصَّمْتُ؟
سَيَبْقَى المَوْتُ هُوَ الأَنِينُ، وَسَتَبْقَى الذِّكْرَيَاتُ قَامُوسًا تَتَرَدَّدُ عَلَيْهِ لَمَسَاتُ الوَدَاعِ وَالفِرَاقِ.
سَامِي حَيْدَر، المَعْدِنُ الصَّافِي الثَّمِينُ، خَفِيفُ الظِّلِّ، طَيِّبُ النَّفْسِ، أَنِيسُ الرُّوحِ، حَسَنُ المَعْشَرِ، بَاسِمُ الثَّغْرِ، مُؤْمِنٌ بِالفِطْرَةِ.
الأُسْتَاذُ سَامِي حَيْدَر كَانَ كَبِيرًا مِنْ بِلَادِي. لَمْ يَكُنْ يَشْكُو مِنْ شَيْءٍ إِلَّا مِنْ قَسْوَةِ الأَيَّامِ عَلَى الوَاقِعِ المُعَاشِ، حَيْثُ لَا أَمَانَ، وَلَا سَلَامَ، وَلَا مَوَدَّةَ حَقِيقِيَّةً ثَابِتَةً حَتَّى بَيْنَ الأَصْدِقَاءِ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ السُّودَاءِ.
سَامِي حَيْدَر حَسَن، اللُّغَوِيُّ المُتَمَكِّنُ مِنْ عِلْمِهِ وَلُغَتِهِ، وَالمَرْجِعُ المُجَلِّي فِي خِدْمَتِهِ فِي الدَّائِرَةِ الأَدَبِيَّةِ فِي الإِذَاعَةِ اللُّبْنَانِيَّةِ طِيلَةَ ثَلَاثَةِ عُقُودٍ وَنَيِّفٍ مِنَ الزَّمَنِ.
أَبَا عَلِي، كُنْتَ تَحْمِلُ ذَاكِرَةَ القُرَى وَالسَّاحَاتِ القَدِيمَةِ، وَذَاكِرَةَ أَزِقَّةِ الشِّيَاحِ وَزَوَارِيبِهَا، مِنْ مَارُونَ مِسْكٍ إِلَى المَصْبَغَةِ.
هُوَ الجُبَيْلِيُّ ابْنُ عَلْمَات، كَانَ دِفْءَ الأَرْضِ، وَكِبْرِيَاءَ التَّارِيخِ، وَحَرَارَةَ الِانْتِمَاءِ.
كَانَ كَأَشْجَارِ الزَّيْتُونِ الَّتِي تُوَاجِهُ الزَّمَنَ دُونَ أَنْ تَفْقِدَ جُذُورَهَا. وَفِي زَمَنِ التَّحَوُّلَاتِ، كَانَ فِي قَلْبِهِ وَطَنٌ كَامِلٌ مِنَ الحَنِينِ وَالكَرَامَةِ وَالحُبِّ وَالتَّارِيخِ.
فِي هَذَا الصَّبَاحِ كَانَ الخَبَرُ مُفْجِعًا لَنَا… سَامِي حَيْدَر فِي ذِمَّةِ اللَّهِ.
وَلَكِنْ…
لَا يُبَلْسِمُ الجُرْحَ إِلَّا التَّسْلِيمُ وَالرِّضَا بِقَضَاءِ رَبِّ العَالَمِينَ، أَرْحَمِ الرَّاحِمِينَ.
إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ، وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ، وَاجْعَلْ ذِكْرَهُ الطَّيِّبَ بَاقِيًا فِي القُلُوبِ، وَأَلْهِمْ أَهْلَهُ وَمُحِبِّيهِ الصَّبْرَ وَالسُّلْوَانَ.
آمِينَ

شاهد أيضاً

البيان الثلاثي الأمريكي ـ اللبناني ـ “الإسرائيلي”: نحو تسوية للصراع أم إعادة هندسة الواقع اللبناني على حساب معادلة المقاومة؟

يوسف أبو سامر موسى* بعد الامعان في خفايا البيان الثلاثي وقراءة النص بشكل سياسي وبحثي، …