الجديد” يقتل ضحايا جريمة أنصار.. مرة ثانية

يدور النقاش الذي اشتعل، إثر تقرير تلفزيون “الجديد” عن البحث في أغراض ضحايا جريمة أنصار الشخصية، حول ما إذا كان العمل الاعلامي المواكب لهذه الجريمة أخلاقياً، بالمعنى المهني، أو ضرورياً لتحشيد الرأي العام الرافض للجريمة التي هزت لبنان، والعالم العربي أيضاً.
بعض النقاش يدور حول الهواجس. الهواجس التي تؤرق الإنسان في فكرة الموت، ولعل أبرزها هو خصوصيته. أن يبحث الآخرون في أغراضه الشخصية بعد موته، ليكشفوا أسراره الحميمة، مشاعره، أسلوب حياته الخاص.. أن يقرأوا أوراقه ومذكراته…
لو قُدّر لكل إنسان أن يعرف لحظة موته، لاتخذ إجراءات التخلص من كل الأشياء التي تكشف خصوصياته للآخرين، مُضرماً ناراً هائلة للتخلص من كل ورقة تحوي أفكاره، متحكماً في ما يريد أن يعرفه عنه هؤلاء، سواء المقربين أو الغرباء.
لم تتوقع ضحايا جريمة أنصار موتهن المفاجئ، لم يخترن التوقيت ولم ترسل لهن الحياة أي مؤشر على أن لحظة النهاية قد اقتربت. تركن منزلهن على حاله، أغراضهن الشخصية، مشاعرهن، أحلامهن وأفكارهن، بقيت كلها كما هي، مكشوفة لأي إنسان سيدخل البيت كي يعرف كل خصوصياتهن وتفاصيل حياتهن، من دون استئذان منهن.
اخترق مراسل قناة “الجديد” محمد فرحات خصوصية ضحايا جريمة أنصار، دخلت الكاميرا إلى المنزل، حيث فضحت الحياة الشخصية للنساء الأربع، للعالم كله. الصور الخاصة، شهادات الامتحانات الرسمية، هواياتهن والفرق الرياضية التي يشجعنها، الملابس المهيئة لأن تغسل، الأراغيل. دخلت كاميرا القناة حتى إلى حمام البيت، من دون أي اعتبار لخصوصية النساء ومنزلهن وموتهن.
متابعون في مواقع التواصل وجدوا أن ما فعلته “الجديد” من اقتحام للمنزل ونبش الأغراض الشخصية غير مقبول، وهو يقلل من احترام الضحايا. الطريقة التي عُرضت بها هذه الخصوصيات، والتي لا علاقة لها بالجريمة لا من قريب ولا من بعيد، وليس من شأن أحد الاطلاع عليها، وجد فيها مغردون تحويلاً للضحايا إلى سلعة إعلامية لجذب المشاهدين.
كذلك اعترض البعض على دخول “الجديد” إلى البيت، على اعتبار أنه مسرح جريمة قد تتوافر فيه بصمات وأدلة تقود إلى كشف المزيد من ملابسات الجريمة وربما شركاء آخرون للقاتل لم يظهروا بعد، كل ذلك من أجل “سبق صحافي” لا يمت للصحافة بِصِلة، ولحصد المزيد من المشاهدات.
لا قدرة للأموات على الاعتراض، يتصرف البعض مع حيواتهم وممتلكاتهم كما لو أنها ملك للجميع ولا صاحب لها. يتصرف بها ويستعرضها كما يشاء، يبدأ بنهش خصوصياتهم ويومياتهم التي كانت، مطمئناً إلى أن أحداً لن يعترض، لا أحد سيحاسب، وفي كل مرة ينبش فيها حياة الضحية الشخصية، هناك قتل جديد له، في روؤس مشاهدي قناة “الجديد” ومخيلتهم، تم قتل النساء الأربع مرة أخرى.

شاهد أيضاً

مقا_ومة لبنانية للدفاع عن الأشرفية

بقلم علي خيرالله شريف إذا تأمَّلنا المشهد اللبناني بمنظور وطني من الناحية المفاهيمية، نجد الكثير …