الحلقة الرابعة
شوقٌ وحيرةٌ
يقلم الشاعرة سناء معتوق

حتى جاء ذلك اليوم الذي صدحت به جوليا، عاب مجدك بالمذلة والهزائم… ذلك المجد الزائف الذي يدعيه الكيان الغاصب، قد أظهر زيفه وكذبه ثلة قليله، آمنوا بأرضهم ولم تثنهم لا طائرات تدمر ولا صواريخ تنشر الموت هنا وهناك.
ففي ١٤ آب ٢٠٠٦ غصت طريق الجنوب بالعائدين، انتصار آخر حيث أن المجتمع الدولي كان يراهن على عدم عودة الجنوبيين إلى قراهم، لأن القرار الدولي قد أعلن وقف العمليات العسكرية ولم يكن قرارا بوقف الحرب، إلا أن ذلك لم يؤثر أبدا على من ضحى بنفسه وماله وكل ما يملك وصولاً لفلذات كبده، من أجل كرامته وأرضه، ثلاثة أيام وطريق الجنوب يغص بالعائدين، البيوت مهدمة ولكن لا يهم فللنصر ثمن لا بد أن يُبذل.
نتيجة لوجود طفلة معنا وبسبب وضعي الصحي، آثر أبي أن نتريث قليلاً في العودة ريثما يقل الزحام على الطريق، قد سبقنا شقيقي فأنا أذكر جيداً أنه لم يقوَ على الانتظار، وعندما وصل إلى جسر القاسمية، وهي منطقة تبعد عن ضيعتنا حوالي عشرين كيلو متراً قطعها مشياً على الأقدام، بسبب استحالة المرور بالسيارة نظرا لاشتداد الزحام، ولكثرة القنابل العنقودية، التي وجد الكيان الغاصب برميها تعويضاً معنوياً له بسبب هزيمته التي اعترف بها، وحتى يلحق أبشع أنواع الأذى بنا….
بعد عدة أيام من إعلان وقف العمليات العسكرية بدأنا بالتحرك نحو أرض الرب، حيث تشرق الشمس ويغفو القمر مغازلاً عشيقاته النجوم، حيث توشوش الزهر أسرارا فيرد النسيم عطراً وحباً وقلوب… اتجهنا جنوباً، كان الطريق طويلاً .. طويلاً جداً، على الأقل بالنسبة لي، اجتاحتني أفكار كثيرة، وكان قلبي يقرع بشدة، حدثته… ما بك أيها القلب لا تهدأ؟؟ هل تسارع النبضات هذا هو قلق أم احتفال بالعودة؟
ما إن وصلنا إلى صيدا حتى بادرت صغيرتي ببراءة وفرح كبيرين.. وصلنا إلى لبنان.. فما كان مني إلا أن ضحكت، هي تعتقد أن لبنان هو الجنوب نظرا لصغر سنها فهي أبعد منطقة زارتها كانت مدينة الملاهي في صيدا، وقد شعرت بالإطمئنان أخيراً بعد ما يقارب الشهر من الخوف والفوضى..
وصلنا…. هذا هو الجنوب، الذي خلق الكون لأجله، هذه هي الأرض المسقاة بعرق الفلاحين المشبع نسيمه بزهر الليمون وعبق الزيزفون، ما إن عبرت بنا السيارة مدينة صيدا، حتى عبقت في صدري رائحة الدمار، ويا لهول ما رأيت، معالم الجنوب قد تغيرت، دمار في كل مكان… رائحة الموت قد طغت على كل شيء، تلك الملامح الآتية من جنة السماء، قد حولتها آلة العدو إلى طفلة مشوهة الجمال، دمار، ركام.. بساتين الليمون رمادية.. حزينة.. بكى قلبي من شدة ذهولي وحزني.. ليتني فقدت بصري ولم أرَ كل ذلك الحزن، كل ذلك الإجرام، حتى الطيور هجرت السماء المقدسة، بدا الأمر لي وكأنها موجوعة، حزينة، على الشهداء فآثرت البكاء بعيداً حتى لا تحلق في جنائزهم.
وصلنا إلى مفرق ضيعتنا، لم أعرف المكان، المباني مدمرة بالكامل كان المكان قد شهد إنزالاً فاشلاً لقوات العدو بهدف أسر مجموعة من المقاومين، جوبه برد استبسلت فيه المجموعة المستهدفة بالدفاع عن المنطقة مما أدى إلى فشل الإنزال وأستشهاد جميع أفراد المجموعة المقاومة، وبالطبع قد حول العدو كل مباني المنطقة إلى أكوام متفرقة من الحجارة، ما جعلني أصاب بالضياع… فللوهلة الأولى نسيت ملامح المنطقة قبل العدوان، ولكني شعرت براحة نفسية منقطعة النظير، وبرغبة عارمة بالبكاء والصراخ في نفس الوقت، مشاعر من الحنين إلى تلك الأرض، مشاعر من الفخر والظلم معا، ظلم بسبب تكالب العالم بأسره علينا، وفخر لأننا استطعنا الوقوف في وجه هذا العالم.
واصلنا صعودا باتجاه ضيعتنا (العباسية)، ولم يختلف المشهد كثيراً، مزيداً من البيوت المدمرة، وقد طغى لون الموت على كل شيء… أوصلني والدي إلى منزلي لأتفقده، فقد سمعنا الكثير من الأخبار أثناء نزوحنا، عن سرقات وعبث بمحتويات المنازل من قبل من بقى.
وصلت إلى الطابق الثاني، حيث بيتي، وجدت الباب مفتوحاً على أثر ضغط القصف، غبار يملأ المكان، وجدت منزلا مهجوراً قد سكنته رائحة الحرب وعششت في زواياه… بالطبع فالمنزل بدون كهرباء منذ الأيام الأولى للحرب، قبل النزوح قمنا بإفراغ ثلاجاتنا ووضعنا كل ما احتوته من أطعمة، في ثلاجة أحد أشقاء زوجي، وهو قام بإعطاء الشباب مفتاح المنزل، هي مساهمة بسيطة جداً بدعم هؤلاء الشبان الأبطال، نحن لا نعلم بالضبط من هم هؤلاء الشبان، ولكن ما نعلمه أنهم جيراننا وأبناء ضيعتنا والضيع المجاورة …
ذهبت إلى غرفة النوم فوجدت كل شيء كما تركته، كل شيء. وجدت حصالة ابنتي فتحتها وقد كانت تحتوي على اثني عشر ألف ليرة، لم ينقص المبلغ ليرة واحدة، البيت كله كما تركته، وصل إخوة زوجي تفقدوا بيوتهم النتيجة واحدة، البيوت كما تركناها، بل على العكس المنزل الذي تركنا به الأطعمة قبل ذهابنا، كان أكثرها ترتيبا هذا يعني أن كل الأخبار التي سمعناها هي محاولات لشيطنة هذه المقاومة..
رحلة جديدة قد بدأت، كيفما وأينما تنقلت في الجنوب لن تجد إلا ورش تنظيف المنازل هنا، وخيم يقابلها ورش بناء لمنازل مهدمة، أي شعب هذا ؟؟؟ أي إرادة لم تستطع ثنيها أعتى قوة في التاريخ الحديث؟؟؟
مر شهر تقريباً والجميع مشغول بإزالة آثار العدوان، ونصب الخيام فوق ركام البيوت المهدمة، ريثما تُبنى من جديد، في هذا الوقت كنت مشغولة أيضاً ولكن بإنجاز معاملة السفر إلى حيث زوجي، فقد غلبني الشوق إليه، خاصة بعد مروري أنا وإبنتي بتجربة الحرب المريرة، وما تركته من آثار نفسية قاسية خاصة على طفلتي، التي كانت تسأل عن والدها دائما ودون انقطاع، لقد كنت بين خيارين أحلاهما بطعم العلقم، إما أن أبقى في لبنان نتيجة لوضعي الصحي، إذ أن انقطاعي عن الدواء حتما سيزيد من تدهور حالتي، خاصة أن هذا العلاج غير متوفر في أفريقيا، وإما أسافر وأضحي بدوائي من أجل ابنتي كي تعيش في كنف والدها، صراع داخلي عشته بين الرغبة بالسفر وبين ما يفرضه علي ذلك اللعين من البقاء حتى يفترسني على مهل… حتى جاء اقتراح زوجي ليشكل لي رأيا سديدا.. فقد اقترح أن نذهب في زيارة إلى أفريقيا وأن لا أفكر بأي أمر آخر ، فوافقت
يتبع في الأسبوع المقبل
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
