البروفسور غسان سكاف
الجامعة الأميركية في بيروت
تُشكل فئة غير المطعمين خطراً على مجتمعاتها لأنها تحتوي على بيئة خصبة لظهور متحورات جديدة. فالأولوية في هذه المرحلة هي لإعطاء اللقاحات على أوسع نطاق عالمي ممكن لبلوغ هدف منظمة الصحة العالمية بتلقيح 70% من سكان العالم قبل نهاية النصف الأول من السنة الحالية للوصول الى مناعة القطيع على مستوى العالم. إلا أن 61.9% فقط من سكان العالم قد تلقوا حتى اليوم جرعة واحدة على الأقل من لقاح كوفيد-19، بينما أعلنت لجنة خبراء اللقاحات التابعة للوكالة الأوروبية للأدوية أنها في صدد إنجاز التوجيهات والتوصيات حول إعطاء الجرعة الرابعة من اللقاح ضد كوفيد-19 في خلال أيام معدودة.
إذاً نحن أمام مرحلة السباق الاخيرة بين سرعة التلقيح وظهور متحورات جديدة من شأنها أن تعيد جهود مكافحة الجائحة الى نقطة البداية فيدخل العالم في دوامة لا خلاص منها، خصوصاً إذا تبين أن هذه المتحورات هي أسرع وأشد فتكاً من المتحورات المعروفة حالياً.
من الثابت علمياً أن الجرعات المنشطة للقاحات تزيد من مستوى الحماية ضد فيروس كورونا لفترة أطول. صحيح أن منظمة الصحة العالمية قد أعلنت أن عدد الاصابات الجديدة المسجلة عالمياً قد انخفض بنسبة 19% خلال الأسبوعين الماضيين، وصحيح أيضاً أن الخوف من أخطار كورونا قد بدأ بالتلاشي وبدأ العالم يعود تدريجياً الى حياة شبه طبيعية مع مراعاة الاحترازات المطلوبة، إلا أن هذا لا يلغي حقيقة أن العالم اليوم يُبدد فرصةً ذهبيةً للسيطرة على الوباء بسبب تدني التطعيم في الدول الفقيرة ورفض اللقاح من قبل حركة مناهضي التطعيم مرفقة بحملات التضليل في وسائل التواصل الاجتماعي.
منذ بداية عام 2022 قضت الجائحة على 250 ألف ضحية في البلدان الافريقية أي بمعدل 7 آلاف ضحية كل يوم وذلك بسبب النقص الحاد في اللقاحات حيث لا يتجاوز عدد الذين تلقوا جرعة واحدة من اللقاح 11% من مجموع سكان افريقيا. وفيما أعلن التحالف الدولي من أجل اللقاحات بأن الإتحاد الأوروبي سيتلف 51 مليون جرعة بنهاية شباط 2022، لا يزيد عدد الجرعات التي تبرع بها الإتحاد الأوروبي الى البلدان الافريقية منذ بداية هذا العام عن ثلاثين الفاً، مع العلم أن المركز الأوروبي لمكافحة الأمراض السارية والوقاية منها أكد بأن حالات الاستشفاء بين المصابين بالوباء يتراجع بشكل ملحوظ في دول أوروبا وأكد أيضاً أن الأعداد المرتفعة لمرضى العناية الفائقة والوفيات حالياً تُسجَل بين غير الملقحين أو بين المسنين الذين يعانون من أمراض مزمنة ولم يتلقوا الجرعة المنشطة من اللقاح.
مما لا شك فيه أن الاعتماد على على فحوصات الPCR كان له وقعه في بداية الوباء لجهة دقته مقارنةً بكل الفحوصات الأخرى لأنه يستطيع رصد جزيئات صغيرة من الفيروس فيُظهر نتائج إيجابية بسبب قدرته المتفوقة على الرصد. إلا أن استعمال فحوص المستضد السريع(Rapid Test) التي ترصد الكميات الكبيرة من الفيروس فلها أهمية أيضاً لأنها تُظهر مدى العدوى الموجودة في الجسم وما إذا كان الشخص معدياً للآخرين.
من المعلوم أن الإجراءات الإجبارية للوافدين والمغادرين عبر المطارات قد أعاقت تعافي قطاع السفر وبالتالي تعافي اقتصادات العالم. إلا أن التحايل على الإجراءات المتخذة في مطارات العالم بتزوير شهادة فحص الPCR الخاص بالكشف عن كوفيد-19 بدأ بالظهور الى العلن في عدد كبير من الدول مستعيناً بشراء ضمائر القيمين على مئات آلاف المختبرات المنتشرة حول العالم والتي تبغي الربح السريع ولو على حساب صحة المجتمعات.
أما تزوير شهادة اللقاح فينطبق على فاعلها قانون العقوبات وتشمل السجن لأن تزوير الوثيقة الرسمية عليه عقوبة واستخدام الوثيقة عليه عقوبة أخرى.
إن إزالة الحاجة الى إجراء اختبار الPCR للتأكد من عدم الإصابة بالفيروس في مطارات العالم والاكتفاء بشهادة التطعيم للمسافرين بعد تحصينها من القدرة على تزويرها سيدفع بحركة مناهضي التطعيم وحكومات أكثر من 116 دولة لم تتمكن من بلوغ الهدف العالمي لتلقيح 70% من سكانها الى تطعيم إجباري لمواطنيها بمساعدة المجتمع الدولي ومنظمة الصحة العالمية. هذا التطعيم الإجباري سيؤدي الى الوصول الى “مناعة القطيع” على مستوى العالم في خلال أشهر معدودة خصوصاً عندما نرى أن هناك 100 الف رحلة جوية يومياً في العالم ويسافر أكثر من 10 ملايين مسافر يومياً عبر شبكة عالمية للنقل تضم أكثر من 1400 شركة طيران و 26 الف طائرة في الخدمة و3900 مطار.
إن التطورات المشجعة على صعيد التأثير الإيجابي للقاحات عندما تؤدي الى “مناعة القطيع” على مستوى العالم ستدفع الحكومات الى تخفيف القيود المشددة مدفوعاً بالحاجة الى فتح الاقتصاديات التي شلتها الجائحة بينما تنشط شركات الأدوية في تطوير اللقاحات ومواصلة الجهود للتوصل الى علاج لكوفيد-19 في خطوة ستكمل المسيرة لإعلان القضاء على الجائحة بحيث تختفي كلياً أو تتحول الى وباء موسمي مثل الإنفلونزا يُمَكن الناس التعايش معه ومواصلة حياتهم اليومية.
يقول تشرشل:”في الأزمات إن الشرط الجوهري هو المعرفة والخبرة والموهبة”. لا شيء ينتشر بسرعة تفوق إنتشار الفيروس إلا الخوف. الخوف من أخذ قرار جريء في الوقت الصحيح وقبل تفلّت الجائحة من جديد والعودة الى المربع الأول. فأين هي منظمة الصحة العالمية ؟
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
