ملخص تاريخ النبطية الاقتصادي

المصدر الأساس النبطية في الفلكين المحلي العاملي والاقليمي منذ ما قبل الميلاد و حتى عام2011م –

تأليف وإعداد د. عباس وهبي

 

النبطية مدينة الأبجديات الخمس و نذكر منها أبجدية الموقع الاستراتيجي وسوق الإثنين إذ تميّزت المدينة بالموقع التجاري الذي انفردت به كمركز داخلي لتجميع الانتاج الزراعي والحرفي وإعادة تسويقه والذي أدّى إلى تحويلها إلى مرجعية إدارية لأكثر من أربعين قرية و محلة مجاورة. و في عام 1952 غدت مركزاً للقائمقامية و لم تلبث أن تحولت إلى مركز للمحافظة السادسة عام 1975 ..و قد تميّزت النبطية تاريخياً بوجود عدد من الخانات والفنادق التي كانت تُضاء بالفوانيس طوال الليل لارشاد القوافل القادمة اليها ، وقد عرفت الإنارة في بداية الثلاثينيات حين أدخل اليها السيد ميشال منسى مولداً كهربائياً . و يعود سوق الاثنين إلى ما قبل الميلاد و قد ورد ذكره في كتابRhode of safad كسوقٍ من الأسواق التجارية في المملكة الصفدية التي تخدم القرى المجاورة إذ كانت النبطية تابعة لولاية الشقيف في العهد المملوكي …و مع التطورات التي تمثّلت تحديداً بإلغاء نظام الالتزام عام 1856 و بظهور الملكية الزراعية الفردية للأهل عام 1858 أفضت هذه التطورات إلى تفعيل الانتاجية الفلاحية بحيث بات قسم من الانتاج الريفي فائضاً عن حاجات الاستهلاك الفلّاحي و قابلا للتصريف ..
و مرّت النبطية بالأزمات الاقتصادية الناتجة عن الاحتلال التركي، و ما نتج عنه من تجنيد إجباري متمثّل بسفربرلك و من ثمّ فرض الليرة العثمانية الورقية كبديل عن الليرة الذهبية على التجّار من قبل الجيش التركي و مصادرة البضائع والغلال وصولاً إلى انعكاسات سايكس بيكو السلبية التي قضت على العمق الحيوي والاقتصادي والسياسي لجبل عامل في فلسطين و سوريا .. و من ثمّ أتت ويلات الاستعمار الفرنسي التي كان أبرزها حملة الكولونيل نيجر عام 1920 والتي هدفت و أدّت إلى دفع تعويضات و غرامات بلغت حسب أمين الريحاني 150 ألف ليرة ذهبية ممّا انعكس سلباً على مقوّمات جبل عامل الاقتصادية .. ونتيجة هذه الأسباب مجتمعة حصلت هجرة الشباب النباطي إلى أميركا الجنوبية ومنهم من عاد حاملاً الثروات والبعض الآخر قد عاد خال الوفاض ،و منهم من توطّن في تلك البلاد .. و رغم ذلك فإنّ هذه الهجرة قد انعكست إيجاباً فيما بعد على قدرات النبطية الاقتصادية سواء من حيث الرساميل أو من حيث الخبرات . و قد ذكر المؤرخ حسن الأمين : أن النباطية التحتا قصبة الشقيف و محل تجارته من أمهات جبل عامل فيها الدارات الشامخة والحدائق النضرة بسبب الماء العذب الذي جلبه اليها يوسف بك الزين من نبع الطاسة عام 1925 ” و هذا ما أدّى إلى ازدياد عدد سكانها و إلى انتعاش اقتصادها ، لقد انخرطت عائلات البلدة في أعمال متنوعة و مختلفة غير أنّ الطابع التجاري كان الغالب عليها ففي مطلع القرن العشرين كان فيها حسب مؤلفي كتاب بيروت مائة و خمسون تاجراً يعملون بتجارة الحبوب والأقمشة و أنّ أكثرهم من القومسيونجية يلعبون دور الوسيط التجاري لحساب تجّار بيروت . وقد كان تجّارها قد بنوا الخانات المحلية لاستقبال التجار الوافدين اليها من أماكن مختلفة وأبرزها الخان الكبير خان آل الفضل … أمّا العائلات التي تمركزت في النبطية فقد ظلّت مشدودة إلى أصولها الريفية ثم تمكّنت عائلات المكانة من زيادة حجم ثرواتها العقارية والنقدية عبر توظيف قسم من رأسمالها النقدي في عمليات الشراء المباشر للأراضي أو عبر الإستحواذ على أراضي الرهن التي كان قد وهبها فلاحو الأرياف إلى دائني الفائدة التي كانت تصل شهرياً إلى 5 % ، كما كانت تمارس العمل التجاري ، و في مطلع الثلاثينيات كان هناك معملان لصنع السجائر واحد لآل فخرالدين والآخر لآل بدرالدين يضمان عشرات العمال و يطلقون على علب السجائر أسماء أبنائهم و كان إنتاجهما يُغطي مع النبطية معظم المناطق اللبنانية ،و كانت العاملات في المعمل يطلقن أصواتهنّ مُردّدات : آه يا حوض النعنع واللي ما زرعْ يزرعْ
ليلى مِشيتْ عالطريق و قبقابا عمّا يكرعْ !…. و بعد إلغاء نظام الالتزام غدت الوظيفة الإدارية المعيار الأساسي للوجاهة فقد راحت بعض العائلات تتسنّم وظائف إدارية رفيعة على مستوى النبطية والوطن بشكل عام و شكّلت مراكز استقطاب محلي. و كان قسم من شباب النبطية يذهبون من وقت لآخر إلى البقاع و فلسطين بقصد التجارة التي كان أهمّها المواشي والخيول .و تطورت علاقات الانتاج في المدينة ،و ذلك كنتيجة حتمية للانقلاب التغييري الذي حدث على صعيد قوى الانتاج ووسائله والذي فرضته ظروف عديدة كان أبرزها النمو الاقتصادي المتعدّد الاسباب والتطور التقني العلمي في العالم إذ شهدت النبطية تماهياً مع العصر ، ولم يبرز الدور المتنامي للطبقة التجارية الذي يقوم على مبدأ الوكالة أو الانتداب التجاري إلاّ في منتصف القرن العشرين ، و هذا ما أوصل إلى نشوء تراكم مالي وإداري و مؤسسات تجارية و مصرفية كان أول غيثه فتح فرع بنك مصر ولبنان عام 1959 م ، و كان مديره السيد أديب دمج ، أمّا البنك الثاني فقد كان فرنسا بنك الذي كان يعرف بالبنك التونسي الجزائري و كان مديره السيد منير البساط ، و لا سيّما أنّ مرحلة ما بعد الاستقلال أمّت فيها الأموال العربية الهاربة من التأميم أو الناجمة عن الطفرة النفطية الأولى لتوفّر للطبقة التجارية المالية اللبنانية عموماً والنباطية منها سيولة بالغة توّجتها بعض التشريعات الليبرالية وأبرزها السريّة المصرفية ، و بالتالي أوجدت دوراً أوسع من الامتياز التجاري من حيث الوساطة أو الوكالة عن الشركات الأجنبية ، كذلك كانت الهجرة الثانية قد بدأت منذ أوائل الثلاثينيات إلى أفريقيا فراحت قوافل المغتربين تضخّ أموالها إلى المدينة ممّا انعكس إيجاباً على كلّ النواحي الاقتصادية …ففي مطلع الخمسينيات كان عدد السيارات الخاصة في النبطية أربع ، ولكنّ سائر الأهالي كانوا يتنقّلون بالسيارات العمومية أو البوسطات إلى بيروت أو دمشق ، وأمّا داخل البلدة فقد كان التنقل مشياً على الأقدام أو عبر ركوب الخيل والحمير و كان فيها مطعمان للحمص والفول ، وكانت تُستعمل محلات القصابين كأشباه مطاعم للحم المشوي .ولم يكن يوجد فندق بالمعنى الحقيقي إلّا فندق زهرة الجنوب و كان عبارة عن منزل شعبي شديد التواضع ..أما نبطية الستينات فقد شهدت انتشار المؤسسات التجارية الكبيرة والبنوك و ازداد وضع القطاع الخدماتي ازدهاراً و تطوراً و من ذلك نذكر وصول التيار الكهربائي إليها في شهر آذار عام 1961و كما تمّ تدشين الهاتف الآلي في تشرين الثاني عام 1967 و دخلت الشاشة الصغيرة الى أكثر بيوتاتها وازداد عمرانها ، ثمّ انتشرت فيها محلّات و شركات الصيرفة واختصاصيو المحاسبة نذكر منهم الاستاذ رباح الرضي ، الاستاذ محمود طقش، د يوسف الحاج علي، د. علي قبيسي ,الأستاذ علي الصبوري وغيرهم … أمّا أوّل صرّافين فهم السادة : حسن عبد الكريم الصباغ والحاج أحمد طه والسيد بلمان شومان وغيرهم…
و حصلت إنتفاضة مزارعي التبغ 1973 لكي تعبّر عن مدى التأجج الاقتصادي والأزمات التي كان يفرضها الاحتكار والتسلط ، و حصل انقلاب إنمائي واضح عزّز نضوج البلدة لكي ترتقي بعد معاناة التهجير من السبعينيات الى حين تحريرها في 5/11ا 1985من العدو الصهيوني .
و لم تلبث المعلوماتية أن دخلت إلى المدينة وكان أول مهندس حاسوب -كمبيوتر هو أ. محمد الرضي وذلك عام 1984، و حدث الانقلاب الطبقي الكبير نتيجة الظروف السياسية والاقتصادية المستجدّة والتي كان أبرزها استغلال لعبة بورصة الدولار ومن ثمّ انبثاث الفساد في الجمهورية الثانية في لبنان والحديث يطول…. ورغم الأوضاع الأمنية والسياسية والاقتصادية القاسية ما انفكّت صامدة صابرة بفضل عرق جبين عمالها و كوادرها العلمية المتنوّعة و تدفّق أموال مغتربيها ، لا بل بفضل إرادة أهلها الصابرين الصامدين .. لذا يجل أن يستمرّ التخطيط الانمائي الاستراتيجي نهجاً لها ذلك لأنّ عملية الانماء هي معركة مستمرة لا يجب أن تكون محدودةً في الزمكان ……

شاهد أيضاً

حين تتكلم النيران… تتغير خرائط القوة

  الإعلامية جمانة كرم عياد الخميس 2026/07/9 “أعظم اللّٰه لكم الأجر” وضعية الحرب الحقيقية، كما …