حوار في الثقافة والسياسة من إعداد الإعلامي د. وسام حمادة

 

في زمن العولمة والإعلام المرتهن وترسيخاً لمفاهيم الثقافة والمعرفة الراقية والتي تعيش غربتها القاتلة تعيد مجلة كواليس وموقعها الإلكتروني نشر لقاءات ثقافية وسياسية كان قد أعدّها وقدّمها لفضائية الإتحاد الإعلامي، د. وسام حمادة عبر برنامج 24 / 24

ولقاء العدد مع الكاتب والمحلل السياسي ” د. سايد فرنجية “

عنوان الحلقة: ” السياسة فن الممكن “

أغنية بعنوان: ” غرباء “
كلمات الشاعر: ” د. باسم عباس “
ألحان وغناء: ” د. وسام حمادة “

 

 

الأغنية:
غرباء… لا بيت لنا يأوينا
لا كوخ وتطردنا الحارات
وتنكرنا الأحياء
غرباء…
لا شيء يؤاخينا غير الداء
غرباء…
للحية جحر يحميها
للطائر عش وفضاء
للديك مدى من عشب وله نافورة ماء
غرباء…
كزهور في العتم تعيش بدون هواء
غرباء…
كشجيرة تفاح في صحراء
غرباء…
كَنَبيّ في بلد يحكمه جهلاء
غرباء…

 

– نلتقي بكم عبر برنامج 24/24 الذي يتماهى مع الذائقة العامة ويوجّه بوصلته نحو رأي حرٍّ في الثقافة والسياسة.
أن تعمل في الحقل السياسي في لبنان كأنّك تغوص في رمال متحركة، النجاة منها شبه مستحيلة.
وضيفي اليوم سبّاح ماهر عارَك الحياة السياسية وعاركته، صَلبٌ في المواقف الوطنية، بوصلته لم تحِد عن وجهتها، مدافع عنيد عن أفكاره الوطنية، آمن بعروبة لبنان كما آمن بالحق الفلسطيني، وأن العدو الوحيد والحقيقي هو المحتل الإسرائيلي، وأن كلِّ هذا المشهد السوداوي الدمويّ على الساحة العربية اليوم لا يخدم إلّا جهة واحدة فقط هي العدو الإسرائيلي.
أرحّب بضيفي العزيز الكاتب والسياسي الدكتور سايد فرنجية، وقبل البدء بالحوار سنتابع سوياً هذا التقرير لنتقرّب أكثر من شخصية ضيفي الكريم.

التقرير:
السياسة فن العمل في حدود الممكن، ألغازها لا تُفك، فهي فن من نوع آخر، إبداع بطعم الحنكة.
سايد فرنجية، كاتب ومحلّل سياسي، مواليد زغرتا شمالي لبنان، درس الإعلام في الجامعة اللبنانية، وحصل على الدكتوراه في التاريخ اللبناني الحديث من جامعة السوربون في باريس، شغل منصب إدارة الأخبار في تلفزيون الجديد عام 1995، كما ترشّح بعد سنة عن المقعد الماروني في لائحة علمانية مكوّنة من إثني عشر عضواً، حيث كانت أول لائحة علمانية في لبنان والمنطقة، شغل فرنجية منصب الأمين العام السابق في منبر الوحدة الوطنية، فهو منسّق الحركة الوطنية للتغيير الديمقراطي وعضو المؤتمر القومي العربي.
ولأن الرأي الحر لا ثمن له كتب سايد فرنجية دون مقابل للنهار والحياة والسفير، كما يكتب للوكالة الفرنسية عن النقاط الساخنة في الشرق الأوسط والمنطقة.

– عبر هذه المساحة الحرة نحاول إطلاق أكبر عدد من النقاط البيضاء على اللوحة السوداء في هذا العالم العربي، وأنت من الذين أضافوا باقة من النقاط البيضاء.
سؤال من وحي العمل الغنائي، هل سايد فرنجية – مع حفظ الألقاب – يشعر بغربة ..؟ كما الكثيرين ممّن هم حولنا والذين يُعبّرون عن أصعب أنواع المرارة التي تتجسّد في الغربة داخل الوطن، وأنت المغترب الدائم في أصقاع العالم.

الضيف: صحيح هناك أجواء غربة في البلد ولكن لا يمكن أن أشعر أنّني غريب، الأجواء موجودة ولكن الصمود والمثابرة والإستمرارية والقناعات والإيمان بالقضايا الأساسية للوضع العربي من فلسطين إلى وحدة كلّ المنطقة العربية إلى التقدّم إلى التغيير، فهذه المبادئ دائماً تجعلني لا أشعر أن هناك غربة، هي موجودة ولكن أنا لست جزءاً منها.

 

– أنت رافض لها.

الضيف: أنا أرفضها ولست جزءاً منها أبداً، وعندما يقترب هذا الشعور من داخلي ويصبح بالإمكان التعايش مع هذه الفكرة أعتبر أنّني قد انتهيت، رغم ذلك ما زلنا مستمرين ولا يمكن أن نيأس أو أن يدخل القنوط إلى صدورنا وقلوبنا أبداً، سنستمر في نضالنا حتى آخر لحظة وآخر رمق.

– الذي يعرفك وأنا أدّعي أنني من متابعيك بمحبة.

الضيف: أنت صديق عزيز.

 

– دائماً تُشعرنا وكأنك اليوم تخطو أول خطوة في عالم السياسة، فهذه الروح الشابة في العمل تجعلنا ننسى أنك أنت المخضرم في السياسة وقد واكبت كبار الشخصيات وعرفت الكثير من الأسرار وتعرّضت عدة مرات للإغتيال السياسي والإغتيال الجسدي، ساهمت بقسطك للعلى تجاه هذا الوطن، وحقيقة هذه الشخصية تُشجّع وتبثّ فينا الأمل على أنه ما زال هناك إمكانية لشعاع النور أن يخترق هذا النفق الأسود.
وبما أن هناك شوقاً لدى الكثيرين لمعرفة تفاصيل عن سايد فرنجية، ماذا تخبرنا عن بداياتك في العراك السياسي وخاصة أنك إبن زغرتا، والمعروف عن زغرتا أن حركتها السياسية بدأت متقدّمة، وهناك تناقضات حتى داخل بيت فرنجية أنفسهم عدا عن البيوتات الأخرى، ماذا ستخبرنا عن هذه المرحلة ..؟

الضيف: هذه مرحلة الفتوّة والشباب الصاعد، والتي تضمّنها أكثر من عائق، لأن الشباب يريد أن يتمرّد إلى حدٍّ ما، ولم يكن لدينا أفقٌ واسعٌ لرفع الصوت وللتمرّد الفعلي لأسباب عديدة، بما فيها تكوين البلد ومجتمعاته وعائلاته وأفقه السياسي ودوره وصراعاته في الجوار وفي المنطقة، ورغم بعض السلبيات لكن أستطيع القول أن الخبرة الصراعية مع هذا المجتمع، والصراعية بالمعنى السلبي والإيجابي، فبالخلاف وبالسلام معهم يبقى مجتمعاً نبيلاً وصادقاً مع ذاته وعفوياً أحياناً، فإذا كنت مختلفاً معه لآخر لحظة وحين تحتاجه لأمرٍ ما لا يردّك خائباً، هذا ما أقصده بالنبيل، إلّا حين تجرحه كثيراً ، فعندها تتوقّف لديه العقلانية لأنه انجرح، فمنطق تجميع العائلة والموقف العائلي يجعله ينتفض بطريقته.

– هناك سؤال يراودني، وقد كان لي الشرف أن أُطلَّ على زغرتا وإهدن، وهو أنه بالقراءة التاريخية المتواضعة –وطبعاً هذا رأي شخصي – نشعر أن العلاقة المسيحية على مستوى لبنان أخذت طابعاً بأنّ المسيحي عينه دائماً باتجاه أوروبا وهذا بالمٌعظَم وليس بالمطلق، ولكن في زغرتا دائماً عينهم على العروبة، فما هي أسباب هذه المفارقة .. لماذا أخذت زغرتا وجوارها هذا القرار العروبي والذي دفعت ثمنه، ومن الذي لعب هذا الدور .. هل الحياة السياسية في زغرتا كانت مختلفة عن المدينة .. وهل الواقع العائلي الذي تفضّلت بالحديث عنه والذي قد يكون ضيّقاً وطبيعة العلاقة الشخصية بين الناس لعبت هذا الدور .. ما الذي جعل المسيحي في المدينة يتطلّع إلى فرنسا بينما المسيحي في زغرتا يتطلّع إلى العروبة ..؟

الضيف: أولاً أغلب المسيحيين باستثناء الأرثوذكس بين بيروت وطرابلس ليسوا أبنا مدن، كلّهم أبناء ريف، فباستثناء الأرثوذكس المحليين في المدن وخاصة الذين أتوا تاريخياً منذ مئات السنين من سوريا عبر هجرات القبائل العربية، يعني من اليمن باتجاه الشام سوريا وفلسطين إلى لبنان، ولأسباب عديدة، إذ أنه لم يكن في الأعوام التي تتراوح بين 1100 و1200 و1230 و1240 حتى العام 1400 وجود مسيحي ماروني فِعلي بين جبيل والبترون وكسروان، وهذه المناطق كانت مسكونة شيعياً، وحين أتى المماليك بحربهم على الشيعة تمّ طردهم من هذه المناطق وأتى الموارنة وأقاموا فيها، حينها تقرّبوا جغرافياً من المدن وأصبحت العلاقات مع البحر عبر التجارة الخارجية مع الخارج الغربي، فبدأت تتكوّن لديهم المفاهيم المدينية، وزغرتا مدينة لكنها ريفية.

 

– تحكمها علاقات ريفية رغم مساحتها الكبيرة.

الضيف: هي مدينة ريفية، يسكنها ثلاثون أو أربعون ألف نسمة وهناك بعددهم في المغترب، لكنها مدينة ريفية وليست مدينة ساحلية، لها علاقات أخرى ولهذا السبب يبقى فيها العصب العائلي لا بأس به ولو أن الإثارة والتعصّب تراجعا في السنوات العشرة الأخيرة.

– هناك سؤالٌ يطرح نفسه، في ظلّ هذا الوضع المسيحي في المشرق، هل سايد فرنجية خائفٌ ويستشعر خطراً على المسيحي في لبنان، أم أنه ما زال لديه حصانة من الخارج …؟

الضيف: في بداية السبعينيات أنشأنا في زغرتا حركة الشباب الزغرتاوي ضمّت خمسة وتسعين شاباً من كلّ عائلات زغرتا، وكانت أوّل مرة يحصل فيها حركة ما عابرة لعائلات زغرتا، وهذه المسألة صعبة، فمن الصعب أن تفكّ العلاقة العائلية وليس لأنها علاقة دم فقط، بل الصعوبة في علاقة المصلحة والوظيفة وغيرها، فالزعيم هو الذي يؤمّن الوظيفة والحماية، حتى وإن ارتكبت جريمة قتل، يتمّ توقيفك في السجن سنة أو سنتين والزعيم يتولّى أمر خروجك منه، وباستطاعته أن يتجاوز كلّ القوانين، وهذا كان في حقبة معيّنة، وهذا الوضع جعل الشباب المتعلّم ينتفضون، وهكذا تشكّلت هذه الحركة ولعبت دوراً فعلياً، وبدأ ينتهي دورها في حرب 1975.
وزغرتا بطليعتها وشبابها لديها حالة من إلتماس بالفكر العربي ليست كلّها على لونٍ واحد في السياسة، ولكن هناك عائلات ذات طابع عربي، ولهذا السبب أطلقوا عليها العروبة المجانية، خاصة بيت فرنجية – وحلفاؤهم، والعروبيون المجانيون بدون مقابل شعروا بالإنتماء العربي أكثر من سواهم، ويختلفون عن أغلب البلدات المسيحية المارونية، ففي الأطراف هناك حالات بحكم الجوار تتبنّى العروبة، وهنا لا تنسَ أنه منذ بداية القرن أن روّاد الفكر القومي العربي أغلبهم من الموارنة، فيوسف كرم في العام 1840 إلى العام 1860 هو الذي أطلق شعار الإتحاد العربي وتعميم اللغة العربية لتكون اللغة الأساسية، لا أن تكون التركية ولا الفرنسية ولا الإنكليزية، فقط اللغة العربية، وهذا الذي يعطيك المؤشرات ويستحق الإنتباه.

 

– من العام 1800 …؟

الضيف: نعم من العام 1840 إلى العام 1860، وإذا بحثنا نجد أنه ليس لدينا كُتّاباً كباراً ولكن هناك من تبوأ ومن دافع، فمثلاً حين أتى الصليبيون أقاموا وتمركّزوا بالقلعة في طرابلس على بُعد خمسة أو سبعة كلم من زغرتا، وفي البداية أغلب العائلات أو المجموعات البشرية المسيحية المارونية، منها من تريّث ومنها من ساعد الصليبيين على الإحتلال، ولكن بعد سنوات وقفوا ضدهم كلُّ واحدٍ من موقعه.

– لكنها لم تُذكر كثيراً في التاريخ.

الضيف: حين تُفصّل التاريخ بالمعنى هناك من كتب وقائع عن عائلات وقفت أثناء الحروب ضدّ الصليبيين وكانوا إلى جانب العرب والمسلمين لقتال الصليبيين، في البداية لم يقاتلوا مع الصليبيين بل كانوا مرشدين لهم ليستدلوا على الطرقات والأماكن ويسهّلوا لهم أمورهم، وطبعاً مقابل خدمات، ولكن فيما بعد شعروا أن هذا جسماً غريباً دخل إلينا وإن كان هناك تشابهٌ في العنوان الديني.

 

– حتى عنوان الحملة الصليبية تبين أنه فقط عنوانٌ ليُجذَب به أكبر عدد، وإلّا فهذه كحملة أيِّ معتدٍ في هذا العالم.

الضيف: هذا إستعمار، وبدون شكّ كان بدايةً للإستعمار الغربي تحت عنوان الصليب والمسيح.

 

– هي عناوين تستخدم لغايات وأهداف.

الضيف: بالضبط.

– سأعود إلى مرحلة سابقة من حياتك التي تتعلّق بعلاقتك المميّزة مع أقاربك، وأعني علاقتك مع الرئيس الراحل سليمان فرنجية الجَدّ والتي ما زالت مستمرة، والذي أعرفه أنك كنت شابّاً متمرّداً حتى على الرئيس الراحل سليمان فرنجية الذي يُعتبر شخصية مميزة على مستوى المنطقة، وقاسية إذا صحّ التعبير حتى مع أقرب الناس إليه، ماذا تخبرنا عن هذه المرحلة التي تُعتبر مرحلة التمرّد وقد كنت الشاب اليافع في أول حركته السياسية.

الضيف: هذا التمرّد له أسبابه الداخلية في زغرتا.

 

– هل تشعر أنك دفعت ثمن هذا التمرّد …؟

الضيف: طبعاً، ولكن ليس لدي مشكلة، ودفعت ثمناً كبيراً من بداية التمرّد حتى اليوم.

 

– هل أنت نادم …؟

الضيف: لا أبداً، وإذا سألتني هل تعود كما كنت، أقول لك نعم، ولكن، بعض الأخطاء التي ارتكبناها لا أرتكبها اليوم أو أحاول أن أبتعد عنها لوضع آخر، ولكنني لست نادماً على هذا السلوك، ولست نادماً أنّني رجل مع التغيير والإصلاح، وبأنّني رجل عروبي .. ولست عروبياً فقط، بل عروبيٌ حتى آخر حبة رمل في آخر صحراء عربية.

– أحسنت.

الضيف: وأنا علماني حتى الرمق الأخير وديمقراطي طالما أنا حيّ، ديمقراطي بعلاقاتي ومع بيتي وأصدقائي وبعدها بالممارسة الديمقراطية في العلاقات السياسية مع كلّ الناس.
ولأن أوّل سبب للإنتفاضة كان أمامنا هو الزعامات الذين لا يقومون بخدماتهم للناس، وقفنا في وجههم، وهنا لا يمكنك أن تميّز مَن من الزعامات أفضل من الآخر، ويمكنك القول أن كلّ هذا الإقطاع يُشبه بعضه.

 

– وهذا يحتاج إلى جرأة، لأن الناس يأخذون العصبية العائلية دائماً، وأحياناً الصداقة أو المحبة.

الضيف: الذي حدث أنه دخلت السجن لأنهم أتوا لتأديبي سياسياً، ووضعوني أمام خيارين إما أن أذهب إلى الزعيم أو يتم تأديبي، وأرسلوا لي شباباً للقيام بالمهمة، وعلى أساس أنني شابٌ صغيرٌ وما زال عمري تسع عشرة سنة، وفي هذه الحالة أخاف من الذهاب إلى السجن وطبعاً سأستسلم وأقول لهم خذوني إلى الزعيم، ولكنني كنت سبّاقاً إلى السجن ولم أخرج منه إلّا بعد أن قدّمت شكوى أدّت إلى الحكم عليهم بالسجن عشرة أيام على اعتدائهم، وهذه أول مرة تحدث في زغرتا لأنه لم يكن هناك قانون، بل كانت التسويات هي السائدة في تلك الأيام، وهذا جزء من الظروف التي جعلت الشباب ينتفض.

 

– كما معظم القرى.

الضيف: وكان إسمها شعار الأمن، يعني كان أحدهم يقتل إثنين أو أربعة أشخاص ويدخل السجن، وبعدها يتم متابعة قضيته ومن ثم يقومون بعمل إسقاط حق ويخرج بعد سنتين أو ثلاثة سنين.

– أكيد كلّ هذا قبل الحرب الأهلية.

الضيف: نعم قبل الحرب الأهلية، وبعدها حصل بعض الأمور ولكن منذ عشر سنوات ونحن في راحة من هذا المناخ، لأن وضع زغرتا اختلف، فدائرة العلم اتّسعت، أي أنه في السابق كان المتخرّجون من الجامعات معدودين، أما الآن لدينا متعلّمين بالآلاف.

 

– زائد أن المصالح الإقتصادية كبُرت والإغتراب كَثُر وكلُّ هذا يلعب دوراً.

الضيف: صحيح، والناس انفتحوا على بعضهم والعالم وأصبح الجميع يُناقش.

 

– حتى الزعامة التي تُمسك بزغرتا الآن لها تأثيرها.

الضيف: ولكن وقت الإنتخابات يصبح الوضع مختلفاً، أما في الحياة العادية الجميع يُناقش وينفتح في النقاش، والمصالح لها دور في ذلك.

 

– متى سيتحرّر المواطن من هذه الفكرة الموجودة في الوطن العربي وخصوصاً في لبنان، أي أن هذا المواطن اللبناني يُناقش حتى الرمق الأخير إذا صحّ التعبير وعند الإستحقاق الحقيقي الذي له مصلحة فيه ونتاج لهذا النقاش الطويل المُعمّق الذي يجريه كلّ يوم في البيت وفي العمل وأينما كان، فجأة يسقط أمام صندوقة الإقتراع وأمام الزعيم وأمام الطائفية.
كلّ هذا العلم وهذا الإغتراب والتقدّم أين يختفي عند أيّ إستحقاق ..؟

الضيف: هذا الذي كنّا نقوله، في تكوينات المجتمع اللبناني من العائلية إلى المصلحة، فالقيادات السياسية في البلد كي لا أقول الزعامات، يجدّون ويجتهدون قبل كلّ إنتخابات تحت شعار مصلحتك عند من يحميك.

– دائماً يبثّون الرعب في نفوس الناس.

الضيف: لدينا شعار أن الذي يخلع ثيابه يبرد، يعني الذي ينسحب من عائلته يبرد، ولأن الزعيم بيده كلّ شيء هو السلطة وهو الذي يوظّفك، فإذا كنت دركياً ينقلك حيث تريد، وهو الذي يُعيّنك بعيداً في البداية ثم يعود وينقلك حسب رغبتك ليكون قد خدمك.

 

– دائماً هناك مصالح.

الضيف: صحيح، وهذه تلعب دوراً ما بين العصب العائلي والمصلحة، وما بين الأدوار والتخويف، وقبل التخويف العائلي في الداخل كان التخويف الخارجي بالجوار.

 

– لذلك ليس هناك مصلحة لبناء الدولة، ودائماً يتم تطوير هذا التخويف.

الضيف: فهذا يحمينا ضدّ ذاك وذاك يحمينا ضدّ هذا، كما اليوم قسّموا البلد ورفعوا المتاريس المذهبية، وأصبحت حين تقول أن فلاناً فاسدٌ وسارقٌ هذا يعني أنك تتكلم ضدّ كلِّ الطائفة والعكس تمام، في السابق لم يكن هذا الجو موجوداً غير العصب العائلي والوظائف والمصالح، واليوم دخل المال السياسي أيضاً.

– وهذه إضافة.

الضيف: إضافة قبيحة تجعل سعر الضمير مئة دولار.

 

– بالعودة إلى السياسة، اليوم هذا المشهد العربي الدموي الذي برز بعد ما سُمي بالثورات العربية، وأنت كنت قد قلت بأن هذه الثورات بدأت بشكل صحيح ولكن أتى من استولى عليها ووظّفها باتجاه آخر، وهناك رأي يقول أن هذه الثورات منذ اللحظة الأولى هي حركة عشوائية من الواضح أنه ليس لها قائد ولا أيديولوجيا وليس لها مُدبّر، وقام جزء منها كنتيجة للضغط المكنون وجزءً ثانٍ بفعل فاعل، من هو الفعل الفاعل هذا هو السؤال الكبير.
ما زلت مُصرّاً بعد كلّ هذا الذي حدث أنها فعلاً كانت بداية ثورات أو أنك غيّرت رأيك نتيجة لهذا الواقع الملموس الذي بدأ يظهر، فعادة الثورات تحتاج إلى قيادة وفكرة وظروف موضوعية ولم نلمس أو نجد أيّاً من هذه المقوّمات التي تحتاجها الثورة، يعني في العلم السياسي كلّ ما تقوم عليه الثورة لم يتوفّر لها هذه الظروف باستثناء أمرٍ واحدٍ وهو أن الناس تحركوا ولأسباب قد تكون أكبر من طاقتهم، برأيك هل هي سُرقت فعلاً أم أنها ولدت مسروقة ..؟

الضيف: كي لا أعطيها طابع الثورة لأن لها مفاهيم مخيفة.

 

 

– هي حراك أكثر مما هي ثورة.

الضيف: هي إنتفاضات، وخاصة إنتفاضة تونس ومصر، ففي الشهر الأول كانت تحمل سمات إنتفاضة فعلية، أي أنها تحمل احتقان نصف قرن من القمع والظلم وعدم تطبيق العدالة الإجتماعية وعدم المساواة وعدم توفّر مناخات الحرية وغيرها.

 

– وإقتصاداً منهاراً وثقافة منحدرة.

الضيف: صحيح، قام الناس من معاناتهم ليرفضوا، وأسقطوا قيادات ورؤساء، وبداية، أنظمة، وهنا أقول أن الإحتمال الأكبر هو أنه لم يكن في البداية وراء هذه الحركات أيّ عنصر مخابراتي أو دولي لا خارجي ولا داخلي ولمدة شهر من الإنتفاضات، الجميع تفاجأوا وأُربكوا، فسارعوا خلال شهر أو شهر ونصف وأُعيد عند الحلقة الأساسية في أميركا نقاش هذا الوضع وخطّطوا وبدأوا تنفيذ الثورة المضادة، وكانت الثورة المضادة على ثلاث مستويات، وكان على مصر وتونس الإمساك بعنق هذا الحراك واحتوائه ومصادرته وتدجينه ومن ثم تحريفه عن أهدافه في التغيير إلى أهداف تحمل الحروب الأهلية الى كلّ بلد، ومعها تبنّى الأميركي جماعة الحركات الإسلامية لتُشكّل الحالة التي ستخترق المجتمعات العربية الحاصلة الآن، في هذا الوقت وعلى مستوى هذه الثورة المضادة بقيادة أميركا ودعم دول الخليج ولأسباب ما انتهت ثورة تونس ومصر بهذه الحالة، أما ما حصل في البحرين جرى قمعه عسكرياً بواسطة القوة العسكرية السعودية، وفي ليبيا تعلّموا وطلبوا من الأطلسي أن يقوم بالعمل القتالي التفجيري ومن ثم على تفكيكها وتخريبها، بقي طرفان، فتحوا معركة سوريا .. وفي البداية خلال شهرٍ ونصف قامت بمطالب مٌحِقّة معارضة شعبية بعيداً عن القيادات المقيمة في الخارج والتي لا تعرف شوارع دمشق أبداً، وتجدهم قابعين في أقبية المخابرات، فالحراك في سوريا كان مُحِقّاً إصلاحياً وديمقراطياً، ولكن تعسكرت الإنتفاضة وتدخلت القوى الخارجية وتحوّلت إلى حرب كونية على سوريا، هذا عمل ثورة مضادة والذي بشّرت به رايس، واليوم نحن في 13 تموز ذكرى اندلاع العدوان الإسرائيلي على لبنان منذ تسع سنوات وحينها أتت رايس بعد عشرة أيام وقالت أن هذه الحرب الإسرائيلية على لبنان بالدعم الأميركي الكبير هي مخاض لشرق أوسط جديد.

– وكانت قد أعلنت عن الفوضى الخلاقة.

الضيف: بشّرت بالشرق الأوسط الجديد وأضافت في ما بعد الفوضى الخلاقة البناءة أي الهدامة.

– ولكن يا أستاذ سايد وأنت الأخبر بأن كلّ ما يجري قد كُتب منذ ثلاثين أو أربعين عاماً، وإذا سمحت لي ذاكرتي بأن بن غوريون كان قد قال وبصراحة أن القنبلة النووية لا تحمي إسرائيل، الذي يحمي إسرائيل هو ضرب وتدمير ثلاثة جيوش وهم المصري والسوري والعراقي، وقد بدأ بالجيش المصري، يعني ذلك أن هذا المشروع كان واضحاً ومُركّباً ومُجهّزاً، ونتائجه التي نشاهدها تدلّ على أن كلّ شيءٍ مرتّب، وأنا برأيي وليس انتقاصاً من حق الناس الذين قاموا بالإنتفاضات ولكن للتاريخ فقط، أنه أصبح من الواجب أن نقرأ وإذا قرأنا أقلّها أن نفهم، مع الأسف على هذا التعبير.

الضيف: صحيح، بن غوريون قال هذا الكلام وساسون أيضاً قال هذا الكلام وأضاف عليه، والعبارة حرفياً: (لتستكين إسرائيل يجب تدمير جيوش سوريا ومصر والعراق) ويعود ويقول في مكان آخر (أن الأمن الإستراتيجي الإسرائيلي ليس إتفاقيات مع دول الجوار بل تفكيك دول المشرق العربي إلى دويلات على القاعدة الإثنية والمذهبية والطائفية ومتحاربة في ما بينها) هذا الذي يحمي إسرائيل ويجعلها تستكين ويُبقيها قوية، هذا مفهوم ولكن الآن يتم تنفيذه.

 

– قد يتم تنفيذه الآن لأنه توفّرت ظروفه الموضوعية والإقليمية.

الضيف: وله ظروفه الدولية حيث انتهى الإتحاد السوفياتي وسقط، وحيث الهيمنة الأميركية على المنطقة، وحيث الجيش الأميركي في العراق، كلّ هذا بدون شك ولكن مشكلتنا هي العرب.

– المشكلة أننا دائماً جاهزين لتلقّي تعليمات الأميركي.

الضيف: لسنا جاهزين فقط، بل جاهزون لتلقّي الأسوأ، فلماذا المرحلة الآن تكبر ولماذا التفجير والحريق أصبح أكبر، لأنّه وللمرة الأولى وعلناً في هذه الحروب هناك طرف عربيٌ يساهم بها وهو قوي وغير آبه لأي شيء، بمعنى أن السعودية وقطر ولنضع تركيا جانباً لأنّني أتكلم عربياً، هؤلاء الذين ساهموا مباشرة بتدمير سوريا وكانوا مساهمين في تدمير العراق والآن يدمّرون اليمن، وليس لديهم مشكلة في تدمير ليبيا، أي أن تركيا وقطر لهما دور في كلّ ما يحصل في ليبيا، وحتى في مصر، ففي النهاية الدولة في العالم العربي هي مصر وباقي الدول كانتونات إلى جانبها.

 

– ولكن هناك رأي آخر يقول أنّه حين نوجّه أصابع الإتهام إلى النظام العربي بهذه الطريقة وكأنّنا نزيل العبء عن الإسرائيلي والأميركي، وكأنّ العربي هو المساهم الأكبر بتدمير المنطقة.

الضيف: لقد أصبح واضحاً وظاهراً أنّهم الحلف الأكبر في هذه الحروب.

 

– بالعودة إلى مصر، برأيك ونتيجة لهذه الأحداث التي تحصل، هل مصر ذاهبة باتجاه مشابه للوضع السوري والعراقي، أم أن لديها مناعة أكبر إذا صحّ التعبير، أو أن لديها مناعة دولية ما زالت حريصة على أن لا يتمّ ضرب مصر كمؤسسة عسكرية، أم أن العملية ككرة الثلج تزداد وتكبر كما في كلّ المناطق التي شاهدناها في العالم العربي …؟

الضيف: أولاً هذه ليست مناعة دولية، كلّ دولة بحدِّ ذاتها إذا لم يكن لديها مناعة داخلية ذاتية لا يكون لها حسابات خارجية، وسوريا لأنها تتمتّع بالمناعة الذاتية جرى كلّ هذا الحشد من الدول والتنظيمات لتفكيكها وضربها وتدميرها لأنهم يدركون أن لديها مناعة، وحتى الآن وبعد خمس سنوات من التدمير إذا سألت أي سوري أنت سني أو علوي، ينظر إليك باستغراب رغم كلّ ما يجري.
وبالنسبة لمصر، حماية مصر ليست دولية أبداً، مصر تكوينها الإجتماعي عصيٌّ إلى حدٍّ ما على التفكّك، وجيشها من جيش عبد الناصر حتى إلى الجيش مع حسني مبارك وإلى الآن الجيش الذي مع السيسي إن كان مخطئاً أو صائباً هناك علاقة بين المصريين وجيشهم مختلفة عن كلّ علاقات الشعوب العربية مع جيوشها، هناك علاقة تماهي وتقدير ودعم وتماسك.

– ما زالت حتى هذه اللحظة …؟

الضيف: نعم ما زالت حتى هذه اللحظة.

 

– ولكن هذا الجيل الذي أتى هو جيل التدريب الأميركي، فجيل عبد الناصر لم يبق منه سوى الكبار في السن.

الضيف: صحيح هذا جيل قيادي ولكنهم وصلوا إلى وقت مع تربية أنور السادات وحسني مبارك صارت قيادة الجيش المصري قيادة أميركية.

 

– مباشرة.

الضيف: مباشرة، والعلاقات مباشرة، وسأعطيك مثلاً صغيراً حين تصبح العلاقة مصرية مصرية، في اليوم الذي كان فيه الملك عبد الله رحمه الله يقوم بنقاهة في المغرب، وكانت المظاهرات ضاربة أطنابها في مواجهة حسني مبارك، وكان حسني مبارك في أيامه الأخيرة، والأميركي مُربَكاً وكلّ الأنظمة العربية مُربَكة، إنتبه ولا تكترث للكلام الإنشائي الأخير أنه شعب وأناس، كانوا جميعهم الأمريكان وغيرهم يُفكّرون كيف يمكنهم أن يحموا نظام حسني مبارك بشخصه الكريم، وهذا الكلام ليس منقولاً عن أحد، أتى في مقال بالنيويورك تايمز كُتب عن إتصال من بندين أو مقطعين، وكان إتصالاً من الملك عبد الله إلى أوباما أثناء نقاهته في المغرب، طالباً منه أن يتكلم مع قيادة الجيش المصري ليتدخل الجيش وينزل إلى الشارع ويفكّ رقاب المشاغبين ويحمي حسني مبارك ونظامه.

 

– هذا سؤال يطرح نفسه، ولماذا لم ينزل الجيش …؟

الضيف: هذا الذي سأوصلك إليه، كان أوباما على مضض ولكنه أخذ الموضوع بعين الإعتبار وبلّغ قيادة الجيش المصري بأنه إذا كان هناك إمكانية أن تدرسوا موضوع النزول إلى الشارع لحماية النظام كي لا ندخل في المجهول، إجتمعت قيادة الجيش المصري وكانوا بأغلبيتهم الساحقة أمريكان واجتمعوا ليقرّروا، فكانت النتيجة تسعة أصوات لا تؤيد النزول إلى الشارع لقتل شعبهم وأربعة أصوات مؤيّدة لهذا الطلب، وكلّهم أمريكان ولكنهم أخذوا القرار.

– يعني في اللحظة التي يجب أن يكونوا فيها وطنيين أخذوا القرار الوطني.

الضيف: سأخبرك موقفاً آخر في ذات المقال، وطبعاً حين يصدر هذا الكلام عن النيويورك تايمز يعني أن مصدره من المخابرات ومن البيت الأبيض، وهو أن أوباما طلب من معمر القذافي أن يدخل ويحمي رئيس تونس “علي” وأن لا يدعه يسقط، وأن لا يهتم ستتمّ حمايته من البحر أي عبر الأسطول الأميركي والغربي الأطلسي، المهم أن يُدخل جيشه ويُمكنه لأن الجيش التونسي كان يقف محايداً، فكان جواب معمر القذافي لا أستطيع الدخول ولن أدخل لأن هذه العملية تولّد إشتباكاً كبيراً بين تونس وليبيا، هذا في المقال وليس من أخبار الناس، فمعنى ذلك أنهم كانوا يريدون أن يحافظوا على هذه الرموز التي تعبوا عليها أربعين عاما.

 

– والغريب هذا السقوط السريع.

الضيف: الأمريكان لا ينتفضون ضدّ هذه الرموز، ولماذا غضبوا وانصدموا، ولماذا تحرّكوا بسرعة لأنهم رأوا أن الأنظمة التي تسقط هي أنظمة حليفة لهم.

 

– وهذه الأنظمة تسقط بسرعة.

الضيف: حاولوا أن يُحافظوا عليها بالثورة المضادة.

– أستاذ سايد للحديث صلة لأن لقاءً واحداً لا يكفي، واستكمالاً للحديث سأختم بعمل غنائي من كلمات الصديق “حسين حمادة”

بعنوان… “بدنا نعلي الصوت”

الضيف: يجب أن يبقى دائماً صوتنا عالياً مهما كانت الظروف.

– لذلك اخترت لك هذا العمل.

ألأغنية…

بدنا نعلي الصوت…
لو سكتنا منندم وبيخطفنا الموت
وبتضيع الحقيقة على حبال الموت
بلدنا لضايع والعتمة دليل
زودوا المواجع بجرحو العليل
وسمموا الخناجر بإيد الوحش الكاسر
وصرخة الحناجر لازم يعلا الصوت
لو سكتنا منندم وبيخطفنا الموت
وبتضيع الحقيقة على حبال الموت
بلدنا لناطر على حدود الزمان
يرجع طير مسافر يحملّو الأمان
وتتلاقى الأيادي ع دروب السعادة
ويُضوي قمر بلادي ويبقى عالي الصوت
لو صرخنا منبقى ومنتحدى الموت
وبتعيش الحقيقة على رماد الموت
ويبقى عالي الصوت ويبقى عالي الصوت
ويبقى عالي الصوت

الضيف: فليسلم هذا الصوت.

– شكراً، وعلى أمل أن يبقى هذا الصوت عالياً.

الضيف: ولن يخفت هذا الصوت وسيبقى عالياً.

– بوجودك أستاذ سايد وبوجود أمثالك، ونحن نعدكم أن يبقى الصوت عالياً لأنّه لم يعد لدينا سوى هذا الصوت.
أشكرك ضيفي العزيز الكاتب والمحلّل السياسي الدكتور سايد فرنجية على هذا الحضور.

لمتابعة الحلقة مع مع الكاتب والمحلّل السياسي ” د. سايد فرنجية “

رابط صفحة اليوتيوب لبرامج ” د. وسام حمادة “

https://www.youtube.com/channel/UC0AuXJduId6PcXIkK9x1phw/videos

متابعة وإشراف: سهام طه
إعداد وتقديم: د. وسام حمادة

شاهد أيضاً

جويس ديب تدخل أجواء بوليوود بأغنية “فلم هندي”.. عمل جديد ينبض بالرومانسية والإيقاع

تستعد الفنانة جويس ديب لإطلاق أغنيتها الجديدة بعنوان “فلم هندي”، في عمل يحمل أجواء رومانسية …