بقلم: محمد بن علي بن ضعين البادي
في طيات التاريخ حقيقة قاسية لا ترحم من يتجاهلها: الحروب ليست نزهة قصيرة، بل هي فخ غدار يبتلع من يظن أنه يتحكم في خيوطه. تبدأ المعارك دائماً بوعود براقة عن نصر سريع وحسم خاطف، وتتحرك الجيوش بنشوة القوة وغرور السلاح، لكن الميدان سرعان ما يفرض منطقه الخاص، لتستيقظ القوى على واقع مرير؛ حيث تصبح البدايات سهلة، أما النهايات فليست بيد أحد.
إن المأساة الحقيقية تكمن في ذلك العمى السياسي الذي يعجز عن رؤية “نقطة التحول”، وهي اللحظة الحرجة التي تخرج فيها النار عن سيطرة من أشعلها. عندها، يتحول الطموح إلى قيد، وتصبح المواجهة استنزافاً طويلاً يلتهم الأخضر واليابس، ويجد القادة أنفسهم عالقين في دوامة لا مخرج منها؛ فلا التراجع ممكن لأنه يعني الانكسار، ولا الاستمرار مجدٍ لأنه يقود إلى الانتحار.
وتتحرك أحداث التاريخ في دورة دائرية لا تنتهي، وتتكرر المأساة ذاتها كلما ظن زعيم أو قائد أن ترسانته العسكرية معصومة من الخطأ. فالقوة المادية، مهما بلغت من الدقة والضخامة، لا تضمن أبداً تطويع إرادة الشعوب أو التحكم في طبيعة الأرض، وعندما تغيب الحكمة، يفتح التاريخ دفاتره القديمة ليذكرنا بنهايات أولئك الذين ساروا في طريق الغرور.
تتجلى هذه الحقيقة في الشواهد التي لا تزال حية في ذاكرة الأمم، حيث تحولت أحلام السيطرة إلى كوابيس حقيقية:
عندما قاد نابليون بونابرت جيشه العظيم نحو روسيا في عام 1812، كان مؤمناً بأن السيطرة على موسكو ستجبر القيصر على الاستسلام خلال أسابيع معدودة. لكنه وجد نفسه أمام إستراتيجية الأرض المحروقة، وشتاء قارس يتربص بجنوده، وخطوط إمداد ممتدة وسط براري شاسعة ومعادية؛ فتحولت حملته الإمبراطورية إلى انسحاب مأساوي مزق كبرياء فرنسا العسكري ونقطة بداية لنهاية عهده.
ولم يكن أدولف هتلر بأفضل حالاً عندما فتح جبهة الشرق في الحرب العالمية الثانية عام 1941، إذ اندفع بثقة عمياء ظاناً أن الاتحاد السوفيتي سينهار بركلة واحدة خاطفة. لكن صخرة الصمود، واتساع الرقعة الجغرافية، وحرب الشوارع في مدن مثل ستالينغراد، حوّلت المعركة إلى مستنقع استنزاف مرعب امتص دماء الجيش الألماني وموارده، حتى انتهى الأمر برفع رايات الهزيمة فوق برلين.
وحتى في النصف الآخر من العالم، تقدم حرب التحالف الثلاثي في أمريكا الجنوبية بين عامي 1864 و1870 درساً بليغاً في تضخم الطموح السياسي؛ حيث قاد رئيس باراغواي، فرانسيسكو سولانو لوبيز، بلاده إلى مواجهة غير متكافئة ضد ثلاث دول مجتمعة، والنتيجة لم تكن مجرد خسارة حرب، بل دمار شامل وطمس شبه كامل لجيل كامل من رجال باراغواي، في واحدة من أقسى كوارث سوء التقدير في العصر الحديث.
وما نراه اليوم في مشهدنا المعاصر ليس إلا تجسيداً حياً وفورياً لهذا القانون التاريخي الصارم، حيث تحول عامنا هذا إلى ساحة مكشوفة سقطت فيها الحسابات وبان فيها حجم المأزق. إن ما يشهده الميدان من مواجهة مفتوحة يكشف كيف اندفعت الولايات المتحدة وإسرائيل خلف وهم الحسم الخاطف، ليجدا أنفسهما في قلب فخ استنزاف حقيقي، حيث لم تعد خيارات الخروج الآمن تلوح في الأفق، وبات التراجع يحمل مرارة الهزيمة.
لقد ظن صانع القرار أن توجيه ضربات عسكرية واسعة وجراحية قد يحسم الصراع ويفكك خيوط الردع، لكن النتيجة جاءت عكسية تماماً. لقد تحول المشهد إلى معادلة استنزاف مفتوحة، تعاظمت فيها الخسائر وتعمق المأزق الإستراتيجي، وتجلى ذلك بوضوح في حجم الأضرار البالغة التي لحقت بالبنية التحتية والمنشآت داخل الكيان الإسرائيلي، ناهيك عن الكلفة البشرية والمادية المتصاعدة التي تكبدتها القوات الأمريكية المنتشرة في المنطقة جراء الهجمات المستمرة.
وفي خضم هذا التخبط، بدا الموقف السياسي غارقاً في تردد عجيب يترجم عمق الأزمة وعجز الرؤية. وجاءت الإعلانات المتلاحقة من الإدارة الأمريكية بقيادة ترامب حول وقف الحرب تارة، ثم التهديد بالعودة إليها تارة أخرى، لتعكس حالة من الارتباك الإستراتيجي؛ إذ لم تعد “الهدنة” المفروضة تعني نهاية المطاف، بل تحولت إلى غطاء لاستمرار المناوشات واستنزاف متبادل لا سقف له. إن هذا التأرجح بين منطق الحسم العسكري المفقود والبحث عن مخرج سياسي متعذر، يثبت أن الدخول في نفق المواجهة كان أسهل بكثير من العثور على باب للخروج منه، ليظل الجميع عالقين في الدوامة ذاتها، يعيدون حسابات القوة على وقع النزيف المستمر.
إن المحصلة النهائية لكل هذه الدروس تؤكد لنا أن بدء الحروب هو الخيار الأسهل، لكن إيقافها يتطلب معجزة لا يملكها أحد. وفي نهاية المطاف، لا يخرج أحد من هذه الدوائر بنصر خالص، بل تلتقي الأطراف كلها عند نقطة الإنهاك المشترك، ليجلس الجميع على الرماد، ويعيدوا الحسابات، ويدركوا—بعد فوات الأوان—أن الحكمة الحقيقية كانت تكمن في تجنب الفخ لا في السقوط داخله.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
