قراءة تحليلية مفصلة لمسار المفاوضات الراهنة بين واشنطن وطهران، وموقع لبنان في هذه المعادلة،

الأستاذ وليد نعوشي

تشهد منطقة الشرق الأوسط حالياً واحدة من أكثر الفترات الحساسة والمعقدة جيوسياسياً، حيث تتقاطع طبول الحرب مع حراك دبلوماسي مكثف تقوده الولايات المتحدة عبر وسطاء إقليميين.
فيما يلي قراءة تحليلية مفصلة لمسار المفاوضات الراهنة بين واشنطن وطهران، وموقع لبنان في هذه المعادلة، وتقدير نسب اندلاع مواجهة شاملة أو نجاح التسوية.

## 1. مسار المفاوضات بين أميركا وإيران: إلى أين؟
تتحرك المفاوضات الحالية بناءً على **اتفاق تهدئة مؤقت (مذكرة تفاهم مدتها 60 يوماً)** جرى صياغته بعد جولات مكثفة رعتها باكستان وسلطنة عمان، وذلك في أعقاب التصعيد العسكري العنيف والمباشر الذي اندلع في فبراير الماضي (2026).
تتمحور المفاوضات الحالية حول صيغة المقايضة المعروفة بـ **”التخفيف مقابل الأداء” (Relief for Performance)**، وتتركز في مسارين أساسيين:

* **الملف الاقتصادي والبحري:** التزام إيران بإعادة فتح **مضيق هرمز** بالكامل وتطهيره من الألغام للسماح بحرية الملاحة الدولية دون رسوم، وفي المقابل تقوم الولايات المتحدة برفع الحصار البحري عن الموانئ الإيرانية ومنح إعفاءات تتيح لطهران استئناف تصدير النفط، إلى جانب مناقشة الإفراج عن أموال إيرانية مجمدة في قطر (تُقدر بنحو 12 مليار دولار).

* **الملف النووي (العقبة الكبرى):** تضغط إدارة الرئيس ترامب باتجاه تفكيك مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب (بنسبة 60%)، إما عبر تمديده أو نقله إلى دولة ثالثة، مع الالتزام بوقف التخصيب تماماً. في المقابل، تبدي طهران مرونة شفهية حذرة للتخلي عن المخزون مقابل رفع دائم للعقوبات، إلا أنها ترفض حتى الآن نقله إلى الخارج وتطالب بضمانات لعدم تكرار الهجمات.

**إلى أين تتجه؟**
الوضع الراهن يتأرجح بين التفاؤل والتشكيك؛ فرغم إعلان واشنطن أن الاتفاق “شبه منجز”، خرجت الخارجية الإيرانية لتؤكد أن الاتفاق ليس وشيكاً بالمعنى الكامل بسبب ما وصفته بـ “التناقض في المواقف الأميركية والتدخلات الإسرائيلية”، مما يعني أن الأيام المقبلة من عمر الهدنة ستكون حاسمة لإبرام اتفاق إطار ممتد أو العودة للمربع الأول.

## 2. تفاصيل إدخال لبنان في التسوية والمفاوضات
على عكس جولات التفاوض السابقة في الأعوام الماضية والتي كانت تفصل ملف إيران النووي عن أذرعها الإقليمية، أصبح **لبنان جزءاً عضوياً لا ينفصل عن مسار الحل الحالي**، وإن كان بآلية تفاوض موازية:

* **الربط الإيراني:** حاولت طهران في بداية المفاوضات عبر وسيطها الباكستاني اشتراط وقف الحرب في إيران بوقفها في لبنان. ورغم الرفض الأميركي والإسرائيلي الأولي لهذا الربط الشامل، فرضت الوقائع الميدانية مساراً دبلوماسياً موازياً.* **اتفاق وقف إطلاق النار اللبناني-الإسرائيلي:** نجحت الوساطة الأميركية في إبرام وقف إطلاق نار مؤقت في لبنان بدأ في 17 أبريل، وتم تمديده مؤخراً في منتصف مايو **لمدة 45 يوماً إضافية** (تنتهي في أواخر يونيو).

* **طبيعة المفاوضات اللبنانية:** تشهد واشنطن مفاوضات مباشرة وصعبة بين وفود لبنانية وإسرائيلية برعاية أميركية، تهدف للوصول إلى اتفاقية سلام دائم وتطبيق سيادة الدولة اللبنانية؛ إلا أن العقدة الأساسية تكمن في بند “تفكيك سلاح حزب الله” ومنح إسرائيل حق التدخل العسكري الذاتي لحماية أمنها في حال رصد تهديد مستقبلي، وهو ما يرفضه الحزب ومؤيدوه.

* **الوضع الميداني المقلق:** رغم وجود الهدنة الرسمية المستمرة لـ 45 يوماً، إلا أنها **هدنة هشة للغاية وتتعرض لخروقات يومية دموية**؛ حيث تواصل إسرائيل قصف مواقع في الجنوب والبقاع بذريعة استهداف تحركات لحزب الله، في حين يرد الحزب باستهداف القوات الإسرائيلية المتوغلة، مما يضع لبنان في وضع “المعلق” بين السلم والحرب الشاملة.

## 3. ما هي نسبة الحرب اليوم؟
تتأرجح الاحتمالات حالياً بين **سيناريو التسوية الكبرى** و**سيناريو الانفجار الشامل** بناءً على المعطيات الميدانية والسياسية الحالية:

### **سيناريو الحرب الشاملة والعودة للصدام المباشر: (40%)**
هذه النسبة تظل مرتفعة وخطيرة لعدة أسباب:

1. **الخروقات الميدانية المستمرة في لبنان:** المجازر والغارات الإسرائيلية اليومية وردود فعل حزب الله قد تؤدي في أي لحظة إلى انهيار هدنة الـ 45 يوماً واشتعال الجبهة بالكامل.

2. **التهديدات الإسرائيلية لإيران:** تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي بأن الجيش بانتظار “الضوء الأخضر” لإعادة إيران إلى العصر الحجري إذا فشلت المفاوضات.

3. **عقدة السلاح واليورانيوم:** إذا رفضت إيران التخلي الفعلي عن مخزونها النووي، أو إذا رفض حزب الله شروط الترتيبات الأمنية جنوب نهر الليطاني، فإن الخيار العسكري سيعود فوراً إلى الطاولة الأميركية-الإسرائيلية.

### **سيناريو نجاح التسوية والدبلوماسية: (60%)**
ترجح الكفة نسبياً لصالح الحل الدبلوماسي للأسباب التالية:

1. **الضغط الاقتصادي العالمي:** أزمة الطاقة الخانقة الناتجة عن إغلاق مضيق هرمز تفرض ضغطاً هائلاً على الإدارة الأميركية والقوى الدولية لإنهاء الصراع وتأمين تدفق النفط.

2. **حاجة الأطراف للهدوء:** رغبة إدارة ترامب في تحقيق إنجاز دبلوماسي سريع، مقابل حاجة الاقتصاد الإيراني المنهك لالتقاط الأنفاس ورفع الحصار البحري عن موانئه.

3. **استمرار اللقاءات:** تحديد مواعيد لجولات تفاوضية جديدة مطلع شهر يونيو القادم يعكس وجود نية حقيقية لعدم تفجير المسار الدبلوماسي كلياً.

> **خلاصة:**
> المنطقة تعيش مرحلة “عض أصابع” حرج؛ فرغم أن احتمالات السلام والتسوية تبدو أعلى نسبياً (60%) بفضل المصلحة الدولية في فتح مضيق هرمز، إلا أن الخروقات المستمرة في لبنان والتباعد في شروط الملف النووي الإيراني يجعل صاعق التفجير (40%) جاهزاً للاشتعال في أي لحظة إذا ما انهارت المفاوضات في أسابيعها الأخيرة.
>

شاهد أيضاً

يران تفرض شروطها في التفاوض مع واشنطن..من اجل رسم ملامح الشرق الأوسط

إ 🖊️ *حميد عبدالقادر عنتر* إذا كانت الجمهورية الإسلامية تتفاوض مع واشنطن باسم كل دول …