“ماتت أمُّ حسن… وبقيَ الخبزُ يتيماً”

محمد قاسم قديح

في القريةِ القريبةِ
من الحدودْ
حيثُ يتعلّمُ الأطفالُ
أن يميّزوا بينَ صوت الرعد
وصوت الطائراتْ

كانتْ أمُّ حسن
توقظُ النارَ قبلَ الفجرِ
وتعجنُ الطحينَ
بصبرِ امرأةٍ
أكلتْ عمرَها السنابلُ والحروبْ.

كانَ خبزُها
يمشي في الأزقّةِ
مثلَ صلاةٍ دافئة،
حتى الجنودُ البعيدونَ
كانوا يشتهونَ رائحةَ البيتْ
حينَ يمرُّ دخانُ الصاجْ.

قالوا لها:
غادري…
السماءُ لم تعدْ آمنة.

ضحكتْ
تلكَ الضحكةَ الجنوبيةَ
التي تشبهُ شقوقَ الجدرانْ،
وقالتْ:
ومنذُ متى
كانَ الفقراءُ يعيشونَ
في أماكن آمنة؟

وأشارتْ إلى شجرةِ التينْ:
هذهِ زرعها أبي
حينَ كانَ قلبُهُ
أكثرَ خضرةً من المواسمْ،
كيفَ أتركُ شجرةً
تعرفُ اسمي
وأهرب؟

في الليلْ
كانتْ الحربُ
تمرُّ فوقَ السطوحِ
مثلَ ذئبٍ أعمى،
وأمُّ حسن
تضعُ إبريقَ الشايِ جانباً
وتقولُ للخوفِ:
اجلسْ…
تعبتَ من الركضِ مثلي.

لكنَّ الطائراتْ
لا تفهمُ لغةَ الأمهاتْ،
ولا تفرّقُ
بينَ فرنٍ صغير
ومستودعِ بارودْ.

وفي صباحٍ
كانتْ ترفعُ يديها إلى السماءِ
كأنها تنفضُ عن اللهِ
غبارَ هذا العالمْ،

جاءتِ الغارةْ.

سقطتْ أمُّ حسن…
وبقيَ الخبزُ
وحيداً على الصاجْ،
يدخّنُ بصمتٍ
كأنهُ آخرُ قرويٍّ
نجا من المجزرةْ
🥀

حين تموتُ امرأةٌ جنوبية،
لا يسقطُ جسدٌ فقط… بل ينطفئُ فرنٌ كان يُدفّئ قلبَ القرية
🥀

محمد قاسم قديح
٢٥ أيار ٢٠٢٦

شاهد أيضاً

عداوة كاذبة وسلام كاذب

د. محمد السعيد إدريس   فى ذروة أزمة التفاوض الأمريكية مع إيران فاجأ الرئيس الأمريكى …