جحيم النوايا الحسنة، وانحسار الهيمنة الأمريكية

حسان جعفر مهدي

اوتاوا- كندا

الكاتب ستيفن والت، أستاذ الشؤون الدولية بجامعة هارفرد .من مؤلفاته: اللوبي الاسرائيلي والسياسة الخارجية للولايات المتحدة ، وأصل وتاريخ التحالفات .

 

يسعى الكاتب الى شرح السبب الذي أمضت الولايات المتحدة زهاء قرن في اتباع سياسة خارجية طموحة وغير واقعية وفاشلة في غالب الأحيان .
هو مزيج اميركا الرائع من الثروة الهائلة ، والقوة العسكرية ، والجغرافيا الملائمة ، فهي لا تواجه اي تهديدات في نصف الكرة الغربي ، ومحمية من بقية العالم بمحيطين هائلين ( الأطلسي والهادىء).
في عام ١٩٩٢ وقفت الولايات المتحدة على قمة القوة العالمية ، وكان الأمريكيون واثقين من ان حقبة جديدة من السلام والازدهار كانت وشيكة . وبعد سنوات تبددت تلك الامال . توترت العلاقات مع روسيا والصين ، وتزايدت النزعة القومية والشعبوية ، والولايات المتحدة عالقة في حروب باهظة الثمن وعديمة الجدوى . اذ ترجع جذور هذا السجل الكئيب الى التزام مؤسسة السياسة الخارجية العنيد باستراتيجية ( الهيمنة الليبرالية ) المضللة ومجتمع السياسة الخارجية المختل بشكل متزايد ، واستراتيجية التي حددت أمريكا بأنها (الأمة التي لا غنى عنها)
يقول ريتشارد هاس ،المدير السابق لمجلس العلاقات الخارجية :اصبح الهدف المركزي للسياسة الخارجية الامريكية يتمثل في دمج الدول الأخرى ضمن ترتيبات من شأنها الحفاظ على عالم يتوافق مع مصالح وقيم الولايات المتحدة . اما عالم السياسة فرانسيس فوكوياما استحوذ على على روح العصر تماما في كتاب شهير يجادل : ان الصراعات الأيديولوجية الكبرى للماضي باتت وراءنا ، وان البشرية قد وصلت الى (نهاية التاريخ) … لن يكون هناك صراع على قضايا كبيرة وبالتالي لا حاجة لجنرالات ورجال دولة ، ما تبقّى هو الأنشطة الاقتصادية .
منذ نهاية الحرب الباردة ، حاول الجمهوريون والديمقراطيون استخدام سلطة أمريكا لنشر الديمقراطية ، وفتح الاسواق ، والقيم الليبرالية في كل زاوية وركن من الكوكب ،كانت هذه الاستخراجية محكوم عليها بالفشل ، لكن مؤيديها من نخبة السياسة الخارجية لم يخضعوا أبدا للمساءلة واستمروا في تكرار نفس الأخطاء .
فاز دونالد ترامب بالرئاسة واعدا بانهاء السياسات المضللة ،لكن أسلوبه المتهور ، مع الفهم الخاطئ للسياسة العالمية ، جعل الوضع السيء اكثر سوءا .ليس هناك بديل الا العودة الى الاستراتيجية الواقعية ( الموازنة الخارجية )التي تتجنب تغيير النظام وبناء الدولة والاشكال الاخرى للهندسة العالمية .سيتطلب ذلك التحول الذي طال انتظاره ، التخلي غير المجدي للهيمنة الليبرالية وبناء مؤسسات للسياسة الخارجية برؤية اكثر واقعية للقوة الامريكية .
هناك الكثير من الخراب في أمريكا ، أكان سمح الحظ الجيد للبلاد بالبقاء على قيد الحياة في نهجها العشوائي والمتعجرف ، وفي السنوات الاخيرة ، نهجها غير الواقعي اتجاه السياسة الخارجية .وعلى الرغم من اخطائها لا تزال أمريكا محظوظة بشكل ملحوظ مما يؤكد السخرية المزعومة لأحد أشهر الساسة الأوروبيين (بسمارك) : يبدو ان هناك عناية خفية خاصة ترعى السكارى ، والحمقى ، والولايات المتحدة الامريكية .

شاهد أيضاً

دونالد ترمب.. بين دهاء المراوغة ومخاطر تقويض الثقة الدولية*

✍️: *يوسف أبو سامر موسى* من الصعب على أي متابع للشأن الدولي أن يتعامل مع …