بقلم: د. محمد هزيمة
كاتب سياسي وباحث استراتيجي
نقلًا عن الإعلام الغربي، ومنه الأميركي، أن الرئيس دونالد ترامب أبلغ نتنياهو، بلغة حاسمة، قرار وقف الحرب، جازمًا موقف واشنطن والتزامها بكلمة: «يكفي». وهي المرة الأولى منذ بداية الحرب. وأتى القرار تنفيذًا لمذكرة تفاهم بين إيران من جهة وأميركا من جهة ثانية، ساهمت فيها قطر بدور كبير، إلى جانب عمل باكستان وسعيها للوصول إلى تفاهم لا ينهي حربًا بين طرفين فحسب، بل ينهي أزمة كبيرة أربكت حكومات، هزّت الاقتصاد العالمي تسببت بشلل في الأسواق، بعد أن دخل مضيق هرمز ورقة قوة بيد طهران، ونقلها من دور الدولة التي تقع تحت حصار أميركي ظالم إلى موقع القوة التي تحاصر أسواق العالم من بوابة مضيق هرمز.
وإن لم تقفله كليًا، فقد أوجدت آلية تشغيل تتناسب مع سياسة الجمهورية الإسلامية وتخدم أهدافها في معركة وجود تختم حربًا عمرها من عمر نظام الثورة الإسلامية مبادئ أرسى قواعدها الإمام الخميني العظيم منذ ما يقرب الخمسة عقود طبعتها امريكا بحروبها بأشكالها وانواعها، من حرب الوكلاء إلى حرب الوكالات، والحصار المالي، والعقوبات الدولية، والحصار المجحف، والتخريب الداخلي، وعمليات الاغتيال السياسية والعلمية والأكاديمية، وصولًا إلى الجولة الأخيرة التي تُوّجت بفشل أميركي وإسرائيلي، وفرضت نتائجها تغيير معادلة الشرق الأوسط.
وفرضت إيران نفسها قوة إقليمية على الساحة وشريكًا استراتيجيًا في زمن تحولات انتهى معه عصر أحادية القطب الأميركية، لتبدأ مرحلة جديدة كُتبت أول فصول نظام عالمي تعددي وُلد من رحم حرب كبرى أنزلت واشنطن عن عرش حكم العالم، وقطعت طريق توسعها شرقًا للسيطرة على مقدرات المنطقة، بما فيها من حقول طاقة ومعادن وممرات مائية تريدها واشنطن ضمن نفوذها، باعتبارها أوراق قوة تقطع الطريق على الصين، المارد الاقتصادي والعملاق الصناعي، الذي ترى فيه أميركا تهديدًا استراتيجيًا، وتبني سياستها المستقبلية على قطع شرايين الطاقة والنفط عنه، بما يشكل عصب الاقتصاد الذي فشلت أميركا في مجاراة نموه، خشية تفوقه عليها خلال أعوام قليلة.
وذلك بالتوازي مع فشلها بفرض شروطها على موسكو من بوابة حربها على روسيا على الأراضي الأوكرانية، لتُتوَّج بهزيمة في الحرب على إيران التي أفشلت أهدافها، ونجحت بفرض شروطها على طاولة إسلام آباد التي تفرض وقفًا شاملًا لكافة الجبهات، وخصّت لبنان بالذكر تأكيدًا على ثوابت الجمهورية وحرصًا على توازن فرض نفسه حالة سياسية وإطار مرحلة تغيير، لن يكون ما بعدها كما قبلها.
فهل يسري ذلك على لبنان ويوصل إلى وقف الحرب على جبهة الداخل التي تخوضها سلطة الحكم، التي أنتجها الأميركي وأوصلها بمهمة نزع سلاح المقاومة وتغيير هوية لبنان وربطه بالمشروع الأميركي للشرق الأوسط، على حساب الداخل وتجاوزًا للدستور، بانتهاك صارخ للقوانين النافذة، بذريعة عناوين مختلفة، التزامًا بقرار أميركي كشف عورات النظام السياسي؟
وفتح الباب لسؤال مشروع، جوابه سؤال يختصر كل الأجوبة:
لبنان إلى أين؟
عبارة ليست جديدة في قاموس السياسة والشأن العام، ترددت قبل سنوات، وحفرت في وجدان الشعب اللبناني سؤالًا أعمق فتح بابًا لكثير من التساؤلات:
أي لبنان نريد؟
وهل لبنان دولة؟ وأين هو مشروعها أصلًا؟
هل تتساوى جميع مكونات الأمة اللبنانية؟
وهل أمّن دستور الطائف المساواة بين اللبنانيين، أم أنه ليس سوى مدخل يؤسس لقيام دولة عدالة تساوي بين أطياف الشعب اللبناني؟
أم أن الواقع المستجد وحجم الهجمة الأميركية كرّسا واقعًا جديدًا يوجب على طائفة المقاومة أن تدفع ثمن خيارها السياسي وتمسكها بسيادة لبنان؟
أم أن ما جرى انقلاب أنهى الطائف وأدخله حالة موت سريري بعد فشل محاولات الإنعاش وسياسة اليد الممدودة التي اعتمدها الثنائي المستهدف من الداخل؟
أم أن ما يجري بداية مشروع جديد يعيد صياغة السلطة بما يتناسب مع متطلبات المرحلة وحاجة راعيها الأميركي، الذي تبنت السلطة ورقة أعمال المبعوث الأميركي براك، وأصدرتها قرارات حكومية أسقطت الحكومة عن دورها، وأسقطت معها ميثاق العيش المشترك الذي دُفن في ثرى التزام السلطة لراعيها الأميركي الذي أمّن وصولها لتتربع على عرش الحكم؟
تقدم الهدايا للعدو على حساب الوطن، بنهج سياسي متعمد، كثيرًا ما قدم تبريرات للعدو وغطى عدوانه على لبنان، وجلّ ما قدم إدانة خجولة، متوازية مع تحميل المسؤولية لمواطنين أصحاب حق مكرس في المواثيق الدولية، تجسد بحق مقاومة العدو في معركة حماية الوجود.
انحازت فيها السلطة ضد المواطن سياسيًا وعسكريًا وإعلاميًا، بقرارات لا تساوي ثمن حبرها، سواء بتشريع قتل المواطنين أو التخلي عن السيادة، وصولًا إلى وقف إطلاق النار من جهة واحدة، واعتبار المقاومة عدوًا وليس المحتل الصهيوني، الذي تتقاطع معه بعناوين مثل سلاح المقاومة ومحاربة مجتمعها.
تقمصت فيه السلطة دور ميليشيا لحد، بفارق أنها تصدر بمسمى سلطة وتمول من الخزينة، وليست محصورة بشريط أمني، بل وصلت إلى قرارات لم يلجأ إليها محتل، من منع ترميم منازل وهدم مبانٍ بذريعة المخالفات، وصولًا إلى وقف عمليات استيراد كابلات الألياف الضوئية التي تدخل في صناعة المسيّرات، والتي تحولت إلى سلاح رادع كاسر لتفوق العدو.
وهذا يذكرنا بما حصل في أيار 2008 بعد تقرير فينوغراد عن أسباب خسارة إسرائيل في حرب تموز 2006 بسبب شبكة الاتصالات السلكية، فكان قرار حكومة السنيورة الشهير في الخامس من أيار، والذي أوصل إلى السابع منه، يومًا مجيدًا قضى على فتنة داخلية وقطع دابر يد إسرائيلية، وإن كانت بأنامل تحمل جنسية لبنانية.
واليوم تعيد السلطة الكرّة، فهل هذا سبب لطي صفحة الماضي؟ أم أن السلطة تقامر بمستقبل الوطن وهي تقدم الهدايا لإسرائيل بمسمى المفاوضات، في الوقت الذي تستمر فيه إسرائيل بحربها العدوانية وزرع المجازر؟
فهل نشهد آخر فصول هذه السلطة، ويفتح الباب لدولة قوية عادلة قائمة على المساواة والعدالة بين أبناء الشعب، قوية بتماسكها واستراتيجية دفاعية تحمي أمنها الوطني، وتستخدم كل أوراق القوة لتثبيت معادلة ردع بمواجهة فارق التسلح وخطوط الدعم للكيان المعادي؟
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
