ليلى الصلح حمادة قدوة في العطاء والانفتاح

السفير الدكتور جان معكرون

كان لي شرف التعرف إلى الوزيرة ليلى الصلح حمادة خلال مناسبة اجتماعية فوجدت نفسي مندفعاً إلى كتابة كلمة بهدف إلقاء الأضواء على إنجازاتها ولكي أتحدث عن هذه الطاقة البشرية والإنسانية وعن هذه الشخصية التي جعلت من نفسها عزًّا للمناقبية.

وإنّ هذه الكلمة قد أفسحت لي في المجال للتعبير عمّا يجول في خاطري عن الأوضاع الراهنة. فالأبواب التي كانت موصدة أمامي بفعل المهمات الدبلوماسية والتي ألزمتني بضبط النفس أضحت اليوم مفتوحة وأصبحتُالآن قادراً على النطق بحرية بعد أن ضاق صدري بمتطلبات الدبلوماسية.

السيدة ليلى الصلح حمادة، إنها حقاً سيدة فاضلة وراقية عُرفت بأعمال البرّ والخيرات وهي آية في الجود والسخاء ولقد تركت بصمة مشرقة في العمل والنضال من أجل تطوير القوانين والتوعية الاجتماعية ودعم المؤسسات العمرانية والتربوية والصحية والصناعية، إنها مدرسة في الأخلاق والمكارم وشخصية تمايزت بحبها للوطن والإنسان.

إني شخصياً من المتابعين لنشاطها الزاخر بالعطاء والمحبة ولأقوالها البليغة وأفكارها النيّرة والمعبّر عنها بنبرات صوتها الذي يستقطب بكل وقار انتباه الحضور والذي يدلّ أيضاً على عزمها الراسخ وإرادتها الصلبة.

نستمع بشغفٍ إليها لأنها شجاعة وقادرة على قول الحقيقة ولا نأبه لأي سياسي لأنه يخاف من قول الحقيقة.

نستمع إلى السيدة الصلح لرجاحَة عقلها وجرأتها، ولا نستمع إلى السياسيين لعدم الفائدة منهم.

وفي هذا السياق، تصحّ مقولة السياسي الفرنسي Jean Jaurès عندما حدّد الجرأة:

“Le courage c’est de chercher la verité et de la dire”..

لم تكن الحياة سهلة على السيدة الصلح وعلى آل الصلح وآل حمادة فقساوة الزمن على الكبار في الوطنية أمر طبيعي.

فلقد حملت في عينيها قلقاً على زوال الوطن وفي قلبها خوفاً من عودة الفتنة إلى أبنائه.

وها نحن اليوم نرى ومع الأسف كيف أنّ الطوائف والأحزاب تتقاسم المكان أي الوطن وتشوّه الزمان أي التاريخ. فكل فئة تدّعي ملكية منطقة خاصة بها، كما تزعم أنها صنعت تاريخ لبنان في حين أننا نشهد على تمزيق المكان وضياع الزمان.

ويؤسفنا أن نكون شهوداً على احتضار الوطن فقدرُنا أن يحكمنا حكامٌ غير صالحين والمضحك المبكي أنّ الشعب هو الذي انتخبهم. إنّ الشعب ليس دائماً على حق وقد يخطئ في انتقاء ممثليه وعليه أن يتحمل تبعات هذا الاختيار. وفي هذا الإطار، فإنّ “هتلر” تحدّث مرةً متهكّماً على شعبه وقائلاً: “كم هي محظوظة الحكومات بهذا الشعب الغبي”.

لقد وهبنا الله وطناً جميلاً لكننا لم نوفَّق بحكّام صالحين والدليل هو ما نعانيه اليوم من مشاكل وأزمات سياسية واجتماعية واقتصادية ومالية… ونعيش اليوم علامات انحلال الدولة والانحدار في القيم الوطنية ونلوم حكّامنا فهُم إما ضالّون وإما غير مبالين. وننتقد الأحزاب، كلها أو بعضها، لأنها لم تخدم الوطن ولم تساهم في إعلاء شأنه كما أنها لم تصنع فرقاً في الوطن لأنها أفرزت رجال سياسة وليس رجال دولة.

والفرق واضح لأنّ رجل الدولة صاحب رسالة وهي تأمين حاجيات المواطن الأساسية ورفاهيته والبحث عن رؤية كفيلة بضمان مستقبل الأجيال القادمة، في حين يهتمّ رجل السياسة بالسعي إلى إعادة انتخابه طمعاً بالجاه والمال والامتيازات.

ولم تصنع الأحزاب والطوائف في مجملها سلاماً بين المواطنين ولم تبشّر بالتقارب بينهم بل كانت وسيلة تباعد وفراق بين اللبنانيين. ولم تبتكر الأحزاب رؤية مستقبلية ولم تكن مثالاً أعلى في الحكم الرشيد وسيادة القوانين بل كانت مثالاً أعلى في الفساد ومخالفة القوانين.

إنّ الحاكم العظيم هو الذي يترسّل بمعنى أن يتخلّى عن رفاهيته الشخصية في سبيل المصلحة العامة وهو الذي يحرص على المال العام ويتقشف في نفقاته الخاصة والعامة.

لقد قرأت في كتب التاريخ أن أبطال الاستقلال هم الذين أسّسوا لبنان بعد أن استندوا إلى قاعدة لا شرق ولا غرب. وما من شكّ أنّ أبطال الاستقلال قد تمايزوا بولائهم الثابت إلى الوطن وبقيمهم الوطنية.

لكن أرى أنهم لم يتنبّهوا إلى أنّ الأوطان تُبنى أيضاً على المساواة والعدالة بين أبنائه، بل خلافاً لذلك، رأينا تقاسماً للحصص وتوزيعاً للامتيازات لصالح فئة معينة على حساب فئة أخرى. فالواضح لدينا أنّ الامتيازات تعني التفرقة والتفرقة هي أن تعامل شخصاً بصورة مختلفة أي أن تفضله على غيره على أساس معايير خاطئة كالتبعية الحزبية والطائفية والسياسية.

إنّ التفرقة تعني الظلم والظلم يؤدي إلى الحقد الذي بدوره يؤدي إلى الفتنة والعنف. لقد كان “أرسطو” على حق عندما قال “إنّ الإنسان الذي يتجاهل القانون والعدالة هو الأسوأ” كما أكّد البابا بولس السادس أنّ العدالة هي الشرط الأساسي لتأمين السلام في المجتمع.

“If you want peace, work for justice”.

ولعلّ ما نعيشه اليوم من أزمات وفِتن ما هي إلاّ حصيلة طبيعية لما أنتجته هذه الامتيازات والإنماء غير المتوازن من تفريق وتفرقة بين اللبنانيين.

في الختام، وبكل فخر، أودّ أن أثني على إنجازات السيدة الصلح الاجتماعية والإنسانية، فالأجراس تُقرع لها ترحيباً وتقديراً لعطاءاتها وهي بدورها تقرع الأجراس للحب والسلام والطفولة.

وبكل ثقة، نقول أنها قدّمت وما زالت تقدم أجمل صورة عن لبنان المحبة والانفتاح والعطاء في حين قدّم سياسيّو لبنان أبشع صورة عنه.

إنّ اسم السيدة ليلى الصلح حمادة مرادفٌ للعطاء ولها مكانة خاصة في عقول وقلوب اللبنانيين لأنها مُحبة للجميع خاصةً الفقراء والضعفاء والمظلومين.

إنها حقاً امرأة قوية بمبادئها لم تُغيّرها الأيام ولا النجاحات ولم يُغريها عسل السلطة بل بقيت واثقة الخطى ومتجذّرة في أرض الوطن كتجذّر أرزة من أرزات لبنان. إنها غنية بمحبة الناس وإنّ محبة الناس لها هي أجمل وأرفع وأرقى وسام يُعلَّق على صدرها.

18/11/2021

شاهد أيضاً

بين الحرب والسلام… منطقة تُدار بالاحتمال لا باليقين

بقلم الكاتبة والمربية: فاطمة يوسف بصل في لحظاتٍ تبدو فيها الجغرافيا أكثر توتّرًا من السياسة، …