بقلم/
*أ.محمد البحر المحضار …
ليست كل الثغرات التي ينفذ منها العدو ثغراتٍ عسكرية أو أمنية أو استخباراتية فقط، بل إن أخطر الثغرات على الإطلاق هي تلك التي تُفتح من الداخل، حين يختل ميزان العدالة، ويُهمَّش المخلصون، ويُسكَت الناصحون، ويُترك المجال للمتنفذين والفاسدين والعابثين ليعبثوا بمصالح الناس وكرامتهم ومشاعرهم باسم الوطن أو الثورة أو المسيرة أو المسؤولية.
وحين قال سماحة السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي:
«إقفال المجالات التي فيها ثغرات للأعداء تأتي من عند المؤمنين»
فإن هذا الكلام — لمن يفهمه بوعي وتجرد وإنصاف — ليس مجرد عبارة عابرة، بل قاعدة قرآنية وسياسية وأخلاقية في غاية العمق والخطورة من وجهة نظري، لأنها تكشف أن العدو لا يستطيع دائماً أن يخترق الصف من الخارج، إلا إذا وجد في الداخل بيئة تساعده، أو أخطاء يتغذى عليها، أو ممارسات خاطئة تُنتج حالة احتقان أو ظلم أو شعور بالغبن والتهميش.
ولعل ما حدث بعد مقالي السابق الموسوم بعنوان:
«بين الوحدة التي نحملها… و”التوحّد” الذي يقتلها»
يُعد نموذجاً عملياً واضحاً على حجم الإشكالية التي ما زلنا نعاني منها في فهم معنى النقد البنّاء، والفرق بين النصيحة الصادقة وبين الاستهداف المغرض.
فبمجرد طرح بعض الحقائق والملاحظات المرتبطة بقضايا التهميش والشراكة والعدالة، انقسمت ردود الأفعال بصورة لافتة على مقالي؛
ما بين مؤيد، وما بين مخالف، وانقسم المخالفون فهناك من هاجم بعنف، وهناك من سارع إلى توزيع الاتهامات الجاهزة، وهناك من حاول توجيه النصائح بعدم كتابة مثل هذه المقالات أو الخوض في هذه الملفات، وآخرون أصروا على أن المقال «غير موفق» أو أنه يفتح أبواباً لا ينبغي فتحها في هذا التوقيت.
ومع احترامنا لكل الآراء ووجهات النظر المختلفة، فإن المشكلة ليست في الاختلاف حول الطرح، فهذا أمر طبيعي وصحي، لكن المشكلة تكمن في تحويل أي حديث عن الأخطاء أو الاختلالات إلى تهمة جاهزة، وكأن مجرد التوضيح أو النقد المسؤول أصبح خروجاً عن الصف أو خدمة مجانية للعدو.
فالعدو — أي عدو — لا يراهن فقط على سلاحه، بل يراهن على أخطاء الداخل أكثر مما يراهن على قوته.
يراهن على الظلم.
وعلى الفساد.
وعلى الاستعلاء.
وعلى المحسوبية.
وعلى التهميش والإقصاء.
وعلى غياب العدالة.
وعلى كل ممارسة تُشعر الناس بأن هناك فرقاً بين ما يُقال وما يُمارس.
ومن هنا نفهم أن الثغرات السياسية لا تبدأ من النقد الصادق، بل تبدأ حين يتحول بعض المسؤولين أو المتنفذين إلى عبء على المشروع الذي ينتمون إليه، عبر تصرفات تسيء للناس، وتُنفّرهم، وتفتح الباب واسعاً أمام العدو ليستثمر تلك الأخطاء ويوظفها إعلامياً وسياسياً ونفسياً.
حين يشعر المواطن أنه مهمش… فهذه ثغرة.
حين يغيب معيار الكفاءة والعدالة… فهذه ثغرة.
حين تُقدَّم المصالح الشخصية على المصلحة العامة… فهذه ثغرة.
حين تتحول بعض المواقع إلى أدوات نفوذ واستحواذ لا مواقع خدمة ومسؤولية… فهذه ثغرة.
حين يشعر جزء من الناس أنهم شركاء في الخطاب فقط لا في الواقع… فهذه ثغرة خطيرة جداً.
والعدو بطبيعته لا يصنع كل الثغرات بنفسه، بل أحياناً يجدها جاهزة بسبب أخطاء الداخل سواء تلك الأخطاء المقصودة أو بغير قصد، ثم يبدأ بالبناء عليها وتوسيعها واستثمارها.
لكن المؤسف أن البعض — وبمجرد أن يُطرح أي نقد أو حديث عن خلل أو فساد أو تهميش — يسارع مباشرة إلى محاولة توظيف خطاب السيد القائد وتسخيره بطريقة خاطئة، وكأن المقصود بكلام السيد هو إسكات الأصوات الناصحة، أو إغلاق باب النقد، أو منع الناس من الحديث عن الأخطاء والمظالم.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.
فالبعض يريد أن يجعل من أي صوت ناقد «ثغرة»، بينما يتجاهل أن الثغرة الأخطر هي السكوت على الخطأ، والتغطية على الفساد، وتمكين الظالم، وتهميش المظلوم، وتحويل النقد البنّاء إلى تهمة جاهزة.
بل إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مشروع عظيم هو أن يتحول الصمت فيه إلى فضيلة، والحق إلى تُهمة، والناصح إلى مشكوك فيه، والمتملق إلى وطني ومخلص!
وهذا — في الحقيقة — ليس فهماً صحيحاً لكلام سماحة السيد القائد يحفظه الله، ولا انسجاماً مع المشروع القرآني الذي يقوم أساساً على الوعي والبصيرة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصدق في مواجهة الخلل قبل مواجهة العدو.
فالسيد القائد — في خطابه ومحاضراته، ومنها ما تحدث عنه في محاضرته الثالثة من ذي الحجة — لا يدعو الناس إلى الصمت عن الأخطاء، ولا إلى السكوت عن الفساد أو التهميش أو الممارسات الخاطئة، حاشى وكلا أن يدعوا قائدنا الحكيم إلى مثل ذلك، بل إن سماحته يؤكد دائماً على أهمية الوعي، وتصحيح الاختلالات، وإغلاق الثغرات التي يمكن أن ينفذ منها العدو.
لكن البعض — للأسف — يريد أن يفهم «إغلاق الثغرات» بمعنى إغلاق الأفواه، وإسكات الأقلام، ومنع أي طرح ناقد أو توضيح أو انتقاد بنّاء، حتى وإن كان بدافع الحرص والإصلاح والانتماء الصادق.
وهنا لا بد أن نفرق بوعي وإنصاف بين أمرين:
بين من ينتقد لأنه يريد الإصلاح والتصحيح والمعالجة، وبين من ينتقد لأنه يريد الإسقاط والهدم وخدمة العدو.
فالناصح الصادق يريد إغلاق الثغرة.
أما العميل والمغرض فيريد توسيعها واستثمارها.
أما أن يتحول كل نقاش أو نقد أو مطالبة بالعدالة والإنصاف إلى «ثغرة» أو «طابور خامس» أو «خدمة للعدو»، فهذه بحد ذاتها واحدة من أخطر الثغرات التي يستفيد منها العدو، لأنها تخلق حالة صمت زائف، بينما الأخطاء تتراكم تحت السطح حتى تنفجر بشكل أخطر.
ومن أعظم وسائل إغلاق الثغرات:
ترسيخ العدالة.
تعزيز الشراكة الحقيقية.
محاربة الفساد والمحسوبية.
احترام الناس وكرامتهم.
معالجة الأخطاء بشجاعة لا بإنكار.
التفريق بين الناصح الصادق والمندس المغرض.
وعدم السماح لبعض المتنفذين بتشويه صورة المشروع أو الإساءة له بتصرفاتهم.
وهنا تتجلى الحكمة العظيمة في مشروع السيد القائد؛ لأنه دائماً ما يربط بين الإصلاح الداخلي وبين مواجهة العدو الخارجي، باعتبار أن قوة الجبهة الداخلية هي أساس الصمود والانتصار.
أما أن يقوم البعض بستخدام كلمات السيد لتصفية الحسابات، أو لحماية بعض المتنفذين من النقد، أو لتحويل أي صوت حر إلى متهم، فهذه إساءة لخطاب السيد نفسه قبل أن تكون إساءة للناس.
فنحن حين نتحدث عن التهميش أو غياب العدالة أو بعض الممارسات الخاطئة، لا نتحدث ضد السيد، ولا ضد المسيرة، ولا ضد المشروع القرآني، بل نتحدث انطلاقاً من الإيمان الحقيقي بهذا المشروع، والحرص على بقائه نقياً وقوياً وعادلاً كما أراده قائده.
لأن المشروع الحقيقي لا يُحمى بالمجاملات، ولا ينتصر بالتطبيل، ولا يقوى بالسكوت عن الأخطاء، بل يُحمى بالوعي، والعدل، والصدق، والشجاعة في مواجهة الخلل قبل أن يتحول إلى كارثة.
وفي الأخير…
فإن المعركة اليوم ليست عسكرية فقط، بل معركة وعي وأخلاق وعدالة وبصيرة ومسؤولية.
وإغلاق الثغرات لا يكون بإسكات الناس، بل بمعالجة أسباب تلك الثغرات من جذورها، والوقوف إلى جانب المظلوم، ومحاسبة المسيء، وعدم السماح لأي متنفذ أو فاسد أن يختبئ خلف الشعارات الكبيرة بينما يسيء للمشروع من الداخل.
لأن السكوت عن الخطأ ليس حكمة…
والصمت عن الظلم ليس ولاء…
وإخفاء الحقيقة ليس نصراً.
*#أما_بعد …*
فإن أخطر ما يمكن أن يُبتلى به أي مشروع عظيم هو أولئك الذين يظنون أن حماية المشروع تكون بإغلاق العقول لا بإصلاح الأخطاء، وبإسكات الناصحين لا بمحاسبة المسيئين.
وما زلنا نؤمن أن الكلمة الصادقة، والنقد المسؤول، والموقف الشريف، هي من أعظم وسائل حماية الأوطان والمشاريع والقضايا العادلة من السقوط أو الاختراق أو الانحراف.
*#رفعت_الجلسه …*
*مدير عام مكتب التخطيط – م/شبوة*
*#البحر_المحضار …*
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
