فلسفة الرومانسية

 

في لوحة باقة من الأقحوان للرسّام العالمي: أوغست رينوار (1919-1841)

بقلم الدكتورة: بهية أحمد الطشم

تستثير زهور الأقحوان في أنفسنا ابّان تأمّلها باقةً من المشاعر الانفعالية البهيّة ,وبالأخص أسمى انفعال ايجابي للنفس البشريةألا وهو: الحُب.

ولا غرو في ذلك, فالورود هي لغة المحبة وماهيّة التفاؤل في الوجود,حيث اجتمعت الألوان الخلاّبة في باقة من زهور الذهب (التسمية وفقاً للاساطير القديمة).

هذه الزهور التي تنوب عن الكلمات في التعبير عن مبلغ المشاعر الراقية لتنثر أجمل أثر على العيون والقلوب ولتكون مرأى لوجه الفرح, حيث يتكلّم الأقحوان بلُغة الحُب ويعانق رهف الاحساس ويرفع منزلة النفس ويسير بها الى عشيقها الأمل كي تتنسّم هواءه.

ويغدو الحُب جناحها,وينتشر اذذاك الشعور المُعادي للكآبة, اذ لم يستقلّ لدُن الرومانسية أو الرومنطيقية عن فلسفة انوجاد الورود في حيّز الوجود ,تلك الورود المتوقدّة بالمشاعر السامية والمتوجهة الى كل قلب وعقل.

اذاً,تشغف أعيننا الشاخصة بسحرها كما تنبهرالطبيعة بطلوع شمس النهار,وتهتز أعماق النفس بجوهر الجمال المتمظهر في حنايا وجودها ,فتسكب على قلوبنا شرارة من الاندفاع للحياة في زمن حزين بأعظم الحزن.

اذاً ,تهدينا الطبيعة  بساتين الورود ,فنهديها لأحبائنا لتصبح اكليل فرحهم وتاج جمالهم وعربون الولاء للمشاعر الراقية, فتجني النفس حبوب السّعادة من بذور الوفاء  في أهراء العواطف التي لا تمحوها كل أنفاس الثلوج.

ولعلّنا نلتمس من حنايا الورود الفرِحة معالم الآفاق  للخلفية الكامنة وراء ابداع اوغست رينوار وشخصيته المُرهفة,رينوار الذي عاش في كنف عائلة من الطبقة الوسطى في مستواها الاقتصادي ,وترعرع في منزل يقع بالقرب من متحف اللوفر ,حيث لم يتعب يوماً من النظر اليه.. وكان قد جاب مختلف دول العالم وتابع دراسته في الفن وعمل في مجال الزخرفة .يُضاف الى ذلك أنه كان يقضي ساعات طويلة على ضفاف نهر السين السّاحر وهو يمارس شغفه برسم اللوحات المتسمة بالانطباعية والمتأثرة أقوى التأثير بالطبيعة.

حيث اضحت الطبيعة ملكة لوحاته ,والمحرّك الأكبر لريشته الابداعية,و قد جعل زهورها متربعة على عرش مرصّع بالألوان الزاهية التي تنسكب فيها أنوار قوس قزح ,ويفوح منها أريج البهاء.

وفي سِياق الاستقراء لفلسفة الألوان التي تزدان بها الأيقونة التي نحن بصددها ,والتي تقدّم متعة جمالية زاخرة بفسيفساء الألوانالسّاطعة: يتألق رونق الأبيض بسحر عارم ليُحاكي لون السّلام والتناغم النفسي دون منازع,ويزهو الأحمر بعنوان المغامرة الخلّاقة في ربوع السِّحر .

وكذلك يبشّر الأصفر بألوان الخير في المواسم, ونكاد نسمع أجمل الأنغام للفرح في الحنايا المتموّجة للون البرتقالي…

ويشكّل  اللون الأخضر الذي يزيّن المزهرية مرتعاً للاطمئنان وينثر عبق التفاؤل,ويضفي الشعور بالسكينة, ويحفّز دوافع السعادة.

أمّا الأزرق فيعكس معالم الهدوء ,ويرسّخ الطاقة الايجابية وينمّ عن العاطفة الكبيرة ويبدّد الطاقة السّلبية لأنّه لون الحُب الذي يحتضن اختلاف الألوان ويعكس معنى الارتياح.

ولطالما كانت الطبيعة ملاذ العاشق الرومنطيقي ومكمن أسراره في خلوته مع قلبه ,اذ يركن الى أحضانها ويستشعر حنانها وسحر جمالها كرفيقة ومؤنسة تناجي الخيال وتُلهم  عقل الفنان والشاعر والفيلسوف والمخترع في آن……

وفي سياق متصل,نستذكر بجدير الاعجاب البعد او الانطباع الرومانسي لشخصية  الفيلسوف العبقري برتراند راسل ,صاحب كتاب:” تحليل المادة.”, اذ نلاحظ بأنّ الحُب هو محور حياته وفكره, والذي جعله يتنفس بحرية أكبر…فيقول عن نفسه: بأنّه مَدينٌ بعظَمة كتاباته الى الحُب,ذلك أنّ حضور المحبة في حياته الخاصة جعل الجانب الفكري منها غنياً وحيوياً.

وضمن الصّدد عينه قال رائد علم الاجتماع اوغست كونت :”الحُب مبدؤنا,النظام قاعدتنا,والتقدّم غايتنا.”

وفي الخلاصة نستلهم حكمة باهرة:

ما أروع أن تجني النفس ورود المشاعر ابّان سيرورة حياتها لتُضفي عليها عبق الرومانسية الفواحة والمتأجّجة بالأحاسيس المرهفة !

وما أبلغ ما قاله الكاتب والمفكر فكتور هوجو:” في قلبي زهرة لا يمكن لأحد أن يقطفها.” لنلتمس أن القلب المُرهف  يؤاخي الوردة وهو يزهر دوماً بالمحبة, الوردة التي لا ننفك عن النظر اليها كملكة في كياننا ,ونبتغي ملامسة عطرها لأرواحنا التواقة ابداً الى أنفاسها!

شاهد أيضاً

🔴نيويورك تايمز تكشف تفاصيل مثيرة عن عملية اغتيال “أبو البرنامج النووي الإيراني”

باريس _ عيسى ريشوني كشفت صحيفة “نيويورك تايمز” تفاصيل مثيرة حول عملية قتل العالم النووي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.