” منا أمة تكذب على الله وتدعي الإيمان وأنا دفعت الثمن”

 

جهاد أيوب ل “سحر الشرق”:

زمن الكبار قد ولى وزمن الصغار ينتشر

# المثقف العربي للتسلية وشريك في تزوير أيامنا وكثافة الظلمة

# النقد لا يؤمن بأنصاف الحلول ولا بالتراضي في الابداع

# نقلد فنشوه ونسرق فنزور وندعي فنبالغ ونحب حتى القتل

# الخطورة في أننا نلعب تحت الشمس ونورها لم يصل قلوبنا وأفكارنا

# الظلمة استراحة المحارب وانا أصر أن لا أستريح
# يخافونني فيجاملونني هرباً من المكاشفة ووضوح الرؤية

# أنا ابن التجربة العميقة وهي ليست وليدة الحظ أو الصدفة

# إعلامنا متطرف والدراما تعيش الانفصام والشاعر يبحث عن مسروقاته ونغني من دون الصوت واللحن

الناقد والأديب والتشكيلي، ومقدم البرامج جهاد أيوب في هذا الحوار أكثر جرأة، وأكثر وضوحاً، وأكثر انتفاضة… qهو كما هو، يبوح خارج المجاملة، ينتقد ولا يحابي، ويغوص في حياتنا دون أن يغرق، ويسعى بإتقان إلى المساهمة في إنقاذنا معتقداً سينقذ بذلك وجوده!
يرفض أن يحلم بواقعية “الحلم يجب أن يعانق المستقبل” كما قال، لذلك نستطيع أن نعتبر هذا الحوار خميرة الحوارات والتجربة، وحوار الموسم الثقافي لوضوح الرؤية والبصيرة ولواقعيته في هذه الظروف…حوار استمتعنا في خوضه، ونأمل أن يشاركنا القارئ هذه المتعة:

حاوره// طانيوس اندراوس

• بعد هذا الواقع الثقافي المشتت، والمعيشي الخانق، والاقتصادي المتدهور، والإعلام الرداح…ماذا يستطيع المثقف مثل جهاد أيوب أن يقول، وأن يكتب؟

– جميلة هذه الصفعة… الكاتب إبن بيئته، هو صورة ليس بالضرورة أن تكون جامدة وتحمل كل ما فيها، هو صورة واقعية إلى التنوير، إلى رفع الصوت رافضاً ما هو مفروض، وأحياً كما حالنا اليوم هو شريك في تزوير أيامنا… المثقف في كل المجالات التعبيرية صوت المظلوم، وسلاح الحق، وجدلية الحقيقة، ومفتاح التنوير، وإن افترق عن هذا يصبح تكملة عدد، وأرتضى أن يكون كذلك وبإرادته، و يتسلى كما يتسلون بسخافاته التي يقول عنها خواطر الإبداع، وبالحقيقة هي هبل حضوره، وهذيان أفكاره التائهة بين الشهوة والشهوة…
انا لا زلت ابحث عن الأفضل، لا اساوم ودفعت الثمن، ولا زلت ابحث، ولا اجعل من فكري منبراً متسولاً لإرضاء من هو مفسد في الشعر والأدب والسياسة، ومن هو قاتل ومغتصب لنور الشمس، ومن هو يتربع على جماجم تاريخ أجدادي صناع وطن الحرف!

• لهذا يقال عنك المشاكس؟

– يخافون المواجهة، ويرتعدون من ذواتهم لآنني المكتشف الأول لغباء حضورهم، ولسذاجة ما يقدمونه فيجاملونني “بالمشاكس”…النقد لا يؤمن بأنصاف الحلول، والمثقف يرفض التراضي في الثقافة والإبداع، والمسؤول في قلمه وفكره لا يتنازل عن عرش الوضوح المبني على انفعاليات الفعاليات الحقيقية لحقيقة ما يقدم ويطرح ويعرض وينتج!
أنا كل هذا الجهد الذي صنعته بتعب الصبر، صبر الحضور، وحضور المعرفة، ومعرفة النور، والنور صورة من صور الله، والله لا يحب المختالون المنافقون، والباحثون عن شهرة من الفراغ، عن فئة تدعي ثقافة وفن… وللأسف لا ثقافة في الثقافة العربية اليوم، ولا فن في الفن العربي الراهن، والغالبية يضيعون الوقت، ويتوهون في زحمة العمر، والزمن لديهم في أنانيتهم، ويدعون الوجود…لذلك يخافون نقدي، وفكري، ووضوح الرؤية، والرأي الحر فيجاملونني بالمشاكس هرباً وهزيمة واقفالاً لكتاب المكاشفة الذي اعرفه عنهم!

▪ الناقدa

• جهاد أيوب الناقد لا يجامل، وواضح، ولكنه يُتهم بالقساوة…كيف وصلت إلى تكريس اسمك النقدي، وهل الاتهام في مكانه؟

– لا براءة في هذا السؤال، وما دمت تقبلته وجب الجواب بعدم البراءة…تجربتي النقدية إبنة التجربة العميقة وليست مجرد فرصة أو حظ أو صدفة، ووضوحها يعود إلى السهر، العِلم، التخصص، المتابعة، الثقة، عدم إعطاء الرأي بما أجهل، وإعطاء الرأي بعد القراءة والاستماع والمشاهدة، وعدم البوح جراء “قالوا لي”، واحترام مهنيتي، والابتعاد عن الشخصي وذوقي في الاختيار، وفهم معادلة مهمة تكمن في أن ضوابط الإبداع تحتاج إلى متابعة، وتطوير الأدوات باستمرار… كل هذا فرض وجودي النقدي باقتدار، وجعل بعضهم يخاف من صدق نقدي، وقسوة وضوح الإشارة إلى الخلل خارج المجاملة، وهذا الخلل ساعد في أن يُشترى النقد والناقد عربياً عكس من يدعي النقد والإعلام وما أكثرهم.. إن زمن الكبار قد ولى، وزمن الصغار ينتشر!

• ماذا تقصد؟

– أقصد التجربة النقدية غير المدفوعة بالدولار، وغير المسيّسة، وليست تابعة لشركات إنتاج يتصرفون معها باحتقار خوفاً منها، ويسلطون من يعمل في الإعلام لكي يحاربوها ويشوشون عليها، ومع ذلك تلك الشركات تعتبر زمرها والمطبلين عندها الصيصان في الإعلام، ولا تحترمهم، وتأمرهم وتوجههم…من يبيع صوته في الانتخابات السياسية هو يبيع قلمه وفكره ويصبح تابعاً بسهولة، وهذه مثل تلك !

• قلت لا ثقافة في الثقافة العربية، وأنت أكثر نشاطاً ثقافياً، وتصدر الروايات ودواوين الشعر…أليس هذا تناقضاً؟

– أنا نقطة في بحر الثقافة…

• “مقاطعاً له” أنت قيمة بالنسبة لنا، وما تكتبه يصلنا بسهامه بسرعة، ويصنع جدلية، فكيف تقول مثل هذا، ربما تتهرب بذكاء الإعلامي؟!

– أنا لا اتهرب، ولكنك تريد أخذ الحوار حيث تشاء، دعني أتابع فكرتي حينها تأخذ ما تريد…نحن أمة تحلم بواقعية، وهذا اخطر أمراضها، الحلم يجب أن يكون نافذة للمستقبل، نحن أمة تكذب على الله وندعي الإيمان تحت الشمس، ونتصرف في العتمة

عكس ذلك، وهذا الحال من عمر زماننا، لذلك وصلنا إلى انتشار الظلمة رغم تكاثرنا، وساهم المثقف العربي في شرك الظلمة، مع إن دوره هو تنويري وجدلي حتى لو كان المتهم، ولكنه ارتضى أن يعيش في الثرثرة، وكثرة النق والضحية معاً!
أنا أعمل باجتهاد فردي كي لا أكون شريكاً في لعبة الظلمة والجهل والتكاذب، ولا أدري مدى نجاحي…أنتم أخبر مني، المهم أنني ضد الظلمة المفتعلة، الظلمة الطبيعية من خلفها النور، والظلمة في التاريخ استراحة المحارب، وأنا اصر أن لا استريح!

ولماذا يكتب جهاد أيوب؟

– أنا أكتب لآني مسؤول، واعتبر الكتابة مسؤولية، وادات للتغير، وللثورة، ولبوح مخزون في الروح، وفضفضات النفس المسكونة بالتغيير…أكتب لآن أؤمن بالأخر حتى لو لم يتفق معي فكرياً، أقبل حتى لا يستحق ارضي أحد، وأن لا استحمر من أحد، أكتب لآني أؤمن بالتغيير والثورة…صحيح بلادنا لم تعد بحاجة إلى ثورات لكثرة ما هدرنا دماء بعضنا بحجة الإيمان، وبأننا الصح وغيرنا جهلاء، وتغيب عنهم الشمس مع إنها تشرق على الجميع، ولكن الخطورة عند من يلعب تحت الشمس ولا تدخل بنورها إلى قلبه وفكره!

▪ الحاجة


• إلى ماذا نحتاج؟

– نحن نحتاج إلى انتفاضة في كل تاريخنا وتواريخنا الدينية والطائفية، والفكرية والثقافية والفنية، علينا التصالح مع الجغرافيا، وأن نبتعد عن المبالغات، وننقب الحقيقة من الشوائب التي زرعت لمصالح فردية!
نحن أمة لا زالت تبحث عن ثقافتها، عن وجودها مع إنها تتغنى بماضيها، وماضيها متخماً بدماء ابن العم والخال والأخ …ليتنا نقرأ تاريخنا بوضوح، ونتعامل مع من لا يتفق معنا بهدوء، ونتصالح مع الماضي دون خجل حتى نتفوق في الحاضر، وصولاً إلى ترك موروثنا الجيد إلى أولادنا حتى لا يشتمونا، ويصابون بالانفصام كما أصبنا!

• وإلى أين وصلنا؟

– نحن لم نصل بعد، لذلك من غير الممكن أن نسأل إذا وصلنا!
نحن نقلد فنشوه، نسرق فنزور، وندعي فنبالغ، ونحب حتى العداوة وقتل من نحب…لا وسطية فينا وبيننا ومن جراء تصرفاتنا، وهذا انعكس على خطابنا الإعلامي حيث اصبح متطرفاً، وعلى الدراما التي اصيبت بإنفصام لا تحسد عليه، ومغرقة بالاستنساخ من التركي، وقصصنا خيانات وقتل وإجرام ومخدرات، وأفلامنا اختفت ولم يعد أحد يكترث لها لكونها تنظيرات وبيانات سياسية، أما الأغنية فأصبحت من غير صوت، ولا كلمة مفهومة ولحنها خارج السلم الموسيقي، ودواويننا ثرثرات من غير قضية، وشاعرنا يبحث عن منبره المسروق، والتشكيل هجر الصالات، وأصبح للتسلية المنزلية، أما معاهد التمثيل فهي باب لوظيفة إدارية، ونجومها من أجل صورة جامدة تعتمد على التعري، وإعلامنا منابر للشتم وكمية الحقد فيها براكين متفجرة!

• ما هذه السوداوية؟

– وحياتنا، وبلادنا، وطوائفنا، والفرد في المجتمع ماذا تقول عن ما يعيشونه في دائرة تتكرر احداثها دائماً، وهل سألت لماذا؟…نحن لم نعد نحن، و نحن لم نعد نعرف من نحن، تهنا في زحمة الحياة، وإدعينا الحياة لكثرة ما نتجمل الكذب في الحياة!
صدقني لم يعد لمشاريعنا أنسنة الفعل والتعبير، هنالك هوة بين ما نحلم وما يصنع بنا، أصبحنا المفعول به وأدوات للنصب!

▪ الناس

• وما دور الناس في لعبة الزمن ؟

– الناس لم تعد تجتمع، تعتقد أن التواصل الاجتماعي المعاصر ( واتس أب وفيس بوك) قرب المسافات، وفي الحقيقة جمد الروح، وسجن النفس في جهاز جامد، أشعرنا أننا نجتمع مع إننا نفترق في كل دقيقة ونحن نجلس في غرفة واحدة، وعلى أريكة واحدة…مشكلتنا أننا ننظُر ولا نرى، ونتحدث ولا نسمع، ونأمل بحياة أفضل ولا نشبع، ونأكل بسرعة من طعام ليس منا، ونذهب ولا نعود، وإن عدنا نرفع أصواتنا ولا نتحاور، ونكمش العالم بيد وباليد الأخرى نكنس العاصفة والعاطفة وكل الثرثرات التي قيل إنها حوارات ورميت في زوايا كل الأزمنة بحجة تنظيف السوشال ميديا!

• وماذا تغير فينا؟

– تغير فينا أننا لم نعد قلقين، ولا باحثين، ولا مجانين…نقف أمام المرآة فلا نعرف من نحن…نعتقد أننا عقلاء في زحمة الحياة المتغيرة بتكاليف تكالب التطور السريع، وما أن نختلي نصبح خارج العقلانية، وننشغل بخلع الأقنعة…كل لحظة نرتدي الاقنعة وفي كل لحظة نخلعها!

• وماذا عن علاقاتنا المعاصرة؟

– علاقاتنا أزمات مخابراتية، نتلصلص على بعضنا عبر “الواتس أب” و”الفيس بوك”، ونبحث عن فضيحة كي نشمت، ونزرع فوضى في حضورنا رغم سرقة المعلومات بحجة المعرفة…نحن لم نعد نشعر بالألم المفروض علينا بسبب عملية العصر!

• وأين موقع جهاد أيوب من كل هذا؟

– يبحث عن لعبته الضائعة، وهو مصر أن يجدها، ربما سرقت، لكنه يبحث عنها بين قبور الأحياء!
وربما احرقت، ولكنه يتعمد الغوص في بحر من رماد التعب…جهاد أيوب لا يكل ولا يتعب، ودائماً ينتظر القصيدة التي ستغير الواقع، والرواية الثائرة، والمقالة الباحثة، والفيلم الذاكرة، والمسرح الأب، والإعلام الأم…جهاد أيوب يعمل رغم الانتظار الذي سُجن فيه، مع إنه خارج السرب يحلق وينظر كي يجد الطريدة…

شاهد أيضاً

كتاب جديد يسبر أغوار الصراع في القرن الأفريقي في الصور

حميد الطاهري عن دار مؤسسة رسلان للطباعة والنشر والتوزيع بالقاهرة، صدر كتاب “الصراع في القرن …