هل كلماتُ الحب تليق بك… يا وطني؟!

بقلم: الكاتبة والمربية فاطمة يوسف بصل

هناك أرواحٌ لا تأتي لتشاركنا الحياة، بل تأتي لتعيد خلقها في داخلنا. وما إن تلامس القلب حتى يتغيّر معنى الأشياء، وتخلع الأيام ثوبها القديم، ويصبح الزمن قبلها مجرد انتظار طويل، وبعدها بدايةً لعمرٍ آخر.
ومنذ عرفتك، أدركت أن الحب ليس كلمةً تُقال، ولا قصيدةً تُكتب، ولا وعدًا يذروه الزمن، بل هو وطنٌ يولد في قلب الإنسان، فإذا سكنه، انتهت كل منافي الروح.
لهذا أسأل، لا لأنني أبحث عن جواب، بل لأن السؤال وحده يشبهك…
هل كلماتُ الحب تليق بك… يا وطني؟
لا أقصد وطنًا تُحيط به الحدود، ولا أرضًا تُرسم على الخرائط، بل وطنًا يسكن القلب حتى يصبح نبضه. وطنًا كلما تعبتُ من صخب العالم، احتميتُ بدفء حضوره، وكلما ضاقت بي الحياة، وجدت في صوته فسحةً تتّسع للعالم كله.
ثمة أشخاصٌ لا يدخلون حياتنا… بل يدخلون لغتنا. يغيّرون معاني الكلمات، ويعيدون ترتيب الأبجدية، ويجعلون الحروف التي ألفناها تبدو كأنها وُلدت لتوّها. ومنذ أن عرفتك، لم يعد الحب كلمةً تُقال، بل أصبح كائنًا حيًّا يتنفّس في صدري، ويُربكني كلما حاولت أن أصفه.
أخشى أن أكتبك فأظلمك، وأخشى أن أصمت فتفضحني عيناي. أقف بين الحبر والسكوت كما يقف البحر أمام السماء؛ كلاهما واسع، وكلاهما عاجز عن احتواء الآخر. فاللغة، مهما بلغت من البلاغة، ليست سوى نافذةٍ صغيرة تطل على سماءٍ لا نهاية لها… وأنت تلك السماء.
أنت لست رجلًا أحببته، بل زمنًا وُلدت فيه من جديد. قبل حضورك كانت الأيام تتشابه، تمضي بطيئةً كساعةٍ نسيت عقاربها الحركة، حتى جئت، فإذا بالعمر يستعيد نبضه، وكأن السنوات التي سبقتك لم تكن إلا تدريبًا طويلًا على انتظارك.
ومنذ ذلك اليوم، تغيّر كل شيء. لم تعد الشمس وحدها تعرف طريقها إلى الصباح، بل صار اسمك يشرق قبله. ولم يعد المطر ماءً يهطل من الغيم، بل رسائل يكتبها الحنين على نوافذ القلب. وحتى الليل، الذي كان يخيفني بسكونه، صار يشبه محرابًا صغيرًا ألتقي فيه بذكراك.
كنت أظن أن الوطن قطعة أرض وحدودًا، حتى اكتشفت أن الوطن قد يكون قلبًا، وأن الإنسان قد يجد انتماءه في إنسان آخر. فأنت الوطن الذي لا تُرفع فوقه الأعلام، بل تُرفع له الدعوات، ولا تُخاض من أجله الحروب، بل تُخاض من أجله معارك الصبر والوفاء.
الحب معك لم يكن عاصفةً اقتلعتني، بل شجرةً أعادت جذوري إلى الأرض. لم يكن نارًا أحرقتني، بل دفئًا أنقذ شتاء روحي الطويل. لم يكن حلمًا عابرًا، بل يقينًا استقرّ في أعماقي حتى صار جزءًا من إيماني بأن أجمل عطايا الله تأتي أحيانًا على هيئة إنسان.
وحين يسألني أحدهم: ماذا ترى فيه؟ أبتسم… لأن السؤال يشبه من يسأل البحر: لماذا تعشق الموج؟ أو يسأل السماء: لماذا تحتضن النجوم؟ فبعض الأرواح لا تُفسَّر، بل تُعاش، وبعض القلوب لا تُحب لأنها الأجمل، بل لأنها تشبه الطمأنينة التي نبحث عنها طوال العمر.
أتعلم ما يشبه وجودك؟
يشبه أول دعاءٍ استجاب الله له بعد طول انتظار… يشبه نافذةً دخل منها الضوء إلى بيتٍ أنهكه الظلام… يشبه الغيث حين يلامس أرضًا ظنت أنها لن تزهر أبدًا، فإذا بها ترتدي الربيع دفعةً واحدة.
لقد كتب الشعراء آلاف القصائد، وأبحر الأدباء في بحار البلاغة، لكن الحب الحقيقي ظلّ أكبر من كل ما كُتب. فهو لا يسكن الكتب، بل يسكن التفاصيل الصغيرة؛ نظرةٌ تختصر ألف كلمة، ويدٌ تمتدّ في لحظة انكسار، وصمتٌ يقول ما تعجز عنه اللغات، ودعاءٌ يخرج من القلب قبل أن تنطق به الشفاه.
لهذا، سأظلّ أؤمن أن الكلمات ليست سوى محاولةٍ متواضعة للاقتراب من الحقيقة، وأن الحروف، مهما ازدانت بالبلاغة، ستبقى عاجزة أمام قلبٍ أحبّ بصدق. فأنت لست قصيدةً أكتبها، بل القصيدة التي علّمتني كيف أكتب. ولست حلمًا أراه، بل الحقيقة التي جعلت للحياة طعمًا آخر.
وإذا سألني الزمن يومًا: ما أجمل ما مرّ في عمرك؟ فلن أجيب باسمٍ، ولن أروي حكاية، بل سأبتسم… لأن بعض الأحبة لا يُختصرون بكلمات، ولا تُحيط بهم القصائد، بل يسكنون القلب كما تسكن الروح الجسد.
فإذا كان للحب وطنٌ… فأنت وطني.
وإذا كان للروح مأوى… فأنت مأواها.
وإذا كان للقلب اسمٌ يردّده كلما اشتاق… فأنت الاسم الذي لا يغيب، والنبض الذي لا يشيخ، والحكاية التي كلما انتهت، بدأت من جديد.

شاهد أيضاً

اللواء صلاح يتفقد سير العمل في مشروع قسم الأطفال بمستشفى العدين

  حميد الطاهري تفقد محافظ محافظة إب “وسط اليمن” اللواء عبدالواحد صلاح، اليوم، سير العمل …