“المحلول”

د.سلمان صبيحة


لمصلحة من محاربة العقول و التهجير القسري للكفاءات…
الخبرات و الكوادر الفنية و الإدارية الوطنية لاتقدر بثمن لذلك يجب الحفاظ عليها و دعمها بدلاً من “حلها” أو العمل على ” تطفيشها “و تهجيرها خارج البلاد أو إحالتها للتقاعد و هي في قمة عطائها و إبداعها.
يقال أنه عندما انتصرت ثورة أكتوبر الإشتراكية عام 1917 في روسيا و أقام لينين دولة العمال و الفلاحين ، كانت ظروف تلك المرحلة صعبة جداً حيث كان العالم يتخبط في دوامة الحرب العالمية الأولى بين الدول البرجوازية الاستعمارية المتوحشة من أجل اقتسام العالم و توزيع مناطق النفوذ و الغنائم فيما بينها بما عرف بتقاسم العالم بين
” الضباع الهرمة و الذئاب الفتية ” و السيطرة على الخيرات المادية للشعوب في ظل انتشار المجاعة و الأمراض و الأوبئة. و بعد الثورة الروسية الفتية عقد لينين مجبراً صلح بريست عام 1918 لوقف الحرب و انتشال البلاد من براثنها و العمل على تثبيت دعائم الثورة و إيقاف الحرب الأهلية و القضاء على الأميّة و الجّهل و التّخلف و كانت أهم خطط لينين هي ” كهربة ” البلاد ، لكنّ المشكلة التي صادفته هي عدم وجود مهندسين و خبراء مختصين بالكهرباء.
فبعد قيام الثورة قام الكثير من المهندسين و الخبرات الفنية و الإدارية بالهجرة خارج البلاد بسبب مواقفهم السياسية المناهضة للثورة وخوفهم على مصالحهم و حياتهم و خاصةً بعد قيام قيادة الثورة بإعدام القيصر و عائلته و العديد من الرموز و الشّخصيات الموالية للإمبراطورية القيصرية من رجال أعمال و حرفيين و من المتعلمين من طبقة النبلاء و
“الكولاك ” و بعد أن جرت عملية التأميم للأراضي و المعامل و إعطائها للفلَّاحين و العمَّال البسطاء الغارقين في الأميّة و عدم الخبرة و المعرفة و الدراية الكافية في إدارة المنشآت الحكومية و عدم القدرة على النهوض بالبلاد من واقع التخلف إلى القيام بثورة اجتماعية و صناعية و اقتصادية عميقة .
لذلك قام لينين بوضع خطة أو برنامج للنهوض بالبلاد اقتصادياً عُرِفت آنذاك باسم ” نيبا ” أي السياسة الاقتصادية الجديدة .
فكما ذكرنا عندما استلم ” البلاشفة” السلطة تم اعتماد هيكلة إدارية جديدة تمثلت بحل و دمج مصانع و معامل و إدارات و على أثر ذلك هرب مَن هرب و قُتِل مَن قُتِل و سُجِن مَن سُجِن من العهد القيصريّ البائد ولم يبقى الا القليل من الكوادر الإدارية و الفنية والتي لايمكن الإعتماد عليها بسبب موقف الغالبية منها الرافضة للتغيّر.، لذلك جرى البحث عن الكوادر
“المحلولة” والمتخغية هنا وهناك كي تشارك في عملية الإقلاع و النهوض مِن جديد لكن دون جدوى
و نتيجة البحث المكثف و الدقيق للأجهزة الأمنية التّابعة للثورة عثروا على مهندس ذكي جداً و ذو خبرة كبيرة يمكن الاعتماد عليه من أجل العمل على كهربة البلاد كان متخفي بهيئة “شحاد” في الساحة الحمراء ينتظر الفرصة المناسبة للهروب خارج روسيا ، فتم إلقاء القبض عليه و إحضاره إلى عند لينين الذي عبر عن تعاطفه مع هذا المهندس و طلب منه أن يساعد الثورة في إنتاج الكهرباء و إيصالها إلى البلاد..فكان جواب المهندس بإستهزاء :”البركة بعمالك خلي يمدولك الكهرباء لشوف .”. ورفض في البداية التعاون بحجة أن مديريته محلولة وهو ” محلول ” ولا حول و لا قوة له على العمل…و بعد مفاوضات طويلة وشاقة أجراها لينين شخصياً مع هذا “المهندس المحلول”، وقد كان يعرف عن لينين بأنه يمتلك قدرة كبيرة على الحوار و الإقناع ورغم ذلك لم يوافق المهندس على التعاون مع الثورة إلا بعد أن وافق لينين على جميع شروطه الفنية و المهنية و ضمان مكتسباته الشخصية و منحه العفو العام عنه و عن عائلته و بعض زملائه المهندسين الذين هاجروا وعاد قسم منهم ليعمل مع المهندس “المحلول” و سرعان.مابدأ العمل بإنتاج الكهرباء و تمت كهربة البلاد تدريجياً وبدأت نهضة روسيا التقنية العصرية و تم تدريب و تأهيل العمال و تخريج المهندسين و الفنّيين للبدء ببناء الحياة الجديدة بكل روسيا من مد خطوط السكك الحديدية و شق الطرق و بناء السدود إلى التوسع بمعامل الحديد و الصلب وفتح معامل ومصانع جديدة سواء الخفيفة منها أو الثقيلة و بناء “الكلخوزات و السفخوزات ” الزراعية و إعادة العجلة الاقتصادية للإنتاج في مناجم الفحم و استخراج النفط و كل موارد الطاقة و بناء وتجهيز بنية تحتية جبارة لتشكل قاعدة انطلاق كبيرة لدولة عظمى عملافة لاحقاً
و لعلَّ أجمل تخليد لتلك الفترة التاريخية من عمر روسيا و الاتحاد السوفيتي نراها في رواية الكاتب الروسي العظيم نيقولاي استروفسكي بعنوان : كيف سقينا الفولاذ أو الفولاذ سقيناه…
من كل ماسبق نجد أن الاستثمار في الخبرات الوطنية و الموارد البشرية من الكفاءات الفنية والتقنية والعقول والأدمغة العلمية يعتبر من أهم الاستثمارات التي تحقق عائد اقتصادي كبير ينعكس على الدولة و المجتمع معا”.
لذلك ليس بالضرورة كل مديرية “محلولة ” أو مدير ” محلول ” يجب تنسيقهم أو التخلي عنهم وإحالتهم للتقاعد لأننا لا ندري متى نحتاج لخباراتهم ، لذلك رجائي ألانقول: “محلول ” لحتى يصير “بالعدول.”.

28/7/2021

شاهد أيضاً

بين الحرب والسلام… منطقة تُدار بالاحتمال لا باليقين

بقلم الكاتبة والمربية: فاطمة يوسف بصل في لحظاتٍ تبدو فيها الجغرافيا أكثر توتّرًا من السياسة، …