طوفان الجنيد
اعرني سمعك وعقلك اخي الفارئ دعني اتحاورمعك هل تساءلت يوماً، عزيزي القارئ، عن السر الذي يجعل ملايين المسلمين يحتفلون بيوم هو عند بعض الفرق الإسلامية مجرد يوم عادي؟ أتدري أن هذا اليوم، الثامن عشر من ذي الحجة، هو في حقيقته صرخةً مدويةً في وجه النسيان، وتذكيراً بواقعة عظيمة خطّها نبي الإسلام بيديه الشريفتين؟ اليوم الذي قال فيه رسول الله ﷺ في جمعٍ غفير، في حر الظهيرة، تلك العبارة الخالدة: “من كنت مولاه فعلي مولاه”. في هذا الحوار، لن أتركك وشأنك مع الغموض. سنغوص معاً في عمق هذه الواقعة، نحلل كل كلمة، نفضح كل شبهة، ونبرهن بالعقل والنقل على أن هذا اليوم هو تتويج لرسالة الإسلام وإكمال لنعمة الله على هذه الأمة.
تخيل معي المشهد لتدرك لماذا كل هذه الأهمية، وماذا جرى في ذلك اليوم بالتحديد؛ عودة الحشود العظيمة من حجة الوداع، والذي عدده أكثر من مئة ألف حاج، يتفرقون في كل طريق. في تلك الأثناء، يتوقف الموكب النبوي في أرض قاحلة تدعى “غدير خم”، وأليس غريباً أن يتوقف النبي ﷺ في هذه البقعة الحارة ليُلقي خطبةً طويلة؟ لكن القصة أعظم من ذلك بكثير، فقبل الوصول إلى هذا المكان، نزلت على النبي ﷺ آيةٌ خطيرة حسمت الموقف وحملت أمراً حازماً لا يحتمل التأجيل، وهي آية البلاغ(:يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغۡ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۖ وَإِن لَّمۡ تَفۡعَلۡ فَمَا بَلَّغۡتَ رِسَالَتَهُۥۚ وَٱللَّهُ يَعۡصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ )هذه الآية لم تنزل في أمر عابر، بل كانت إنذاراً إلهياً شديد اللهجة، وكأن الله يقول لنبيه: “إن لم تُبلغ هذا الأمر العظيم الآن، فكأنك ما بلّغت رسالتي من الأساس”، وهذه هي القرينة الأولى على عظمة ما سيُعلن عنه. وأمام هذا التوجيه الصارم، يقف النبي ﷺ على منبر من أقتاب الإبل، ويبدأ خطبته التي تختصر كل شيء، قائلاً: “أَلَسْتُ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ؟”، فأجاب الحشد بصوت واحد: “بلى يا رسول الله!”، وعندها، رفع يد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) عالياً حتى بدت غرة إبطيه، وأكمل جملته العظيمة: “فَمَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَهَذَا عَلِيٌّ مَوْلَاهُ، اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ”.
هنا، ياعزيزي قد يتبادر إلى ذهنك سؤال مهم يقف بنا بين الحقيقة والإنكار: لماذا يُعتبر هذا الحديث قاطعاً في إمامة علي؟ أليس من الممكن أن يكون هذا الحديث مجرد مدح للامام علي سلام الله عليه وكرم الله وجه ) أو حث على محبته فقط؟ هنا يسكت الحشد لبرهة، وكأن السؤال الذي طرحته أنت الآن هو ذاته الذي جال في عقول بعض الحاضرين حينها، ودعنا نلتقط أنفاسنا معاً، ونفكك هذا السؤال بوعي وموضوعية، بعيداً عن العاطفة الجافة أو التعصب الأعمى؛ فإذا كان الهدف مجرد حثٍّ على المحبة والقرابة، فهل يستقيم هذا التفسير البسيط مع تلك المقدمات المهيبة التي سبقت الإعلان؟
تعلّم معي كيف نقرأ الأحداث بعين المحقق المحترف من خلال قرائن الأحوال؛ إذ كيف يُعقل كل هذا الجهد لأجل معنىً بديهي؟ تخيل أن قائداً عظيماً، بل أعظم قائد في تاريخ البشرية، يقطع مسير جيش قوامة مئة ألف أو يزيدون، في بقعة جغرافية لاهبة كـ “غدير خم”، في وقت الظهيرة حيث يضع الرجل رداءه تحت قدميه من شدة رمضاء الصحراء، ثم يأمر بردّ من تقدّم وانتظار من تأخر، فهل كل هذه المشقة الإجرائية جاءت لكي يقول للناس فحسب: “أحبّوا عليّاً”؟ إن وجوب محبة علي بن أبي طالب ونصرته كان أمراً مستقراً في وجدان المسلمين بنصوص القرآن الصريحة والآيات الدالة التي نزلت في المدينة قبل حجة الوداع بسنوات، كآية المودة في القربى (قُل لَّآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ أَجۡرًا إِلَّا ٱلۡمَوَدَّةَ فِي ٱلۡقُرۡبَىٰۗ) بالتالي، فإن جمع هذه الألوف المؤلفة في تلك الظروف الاستثنائية لم يكن لإقرار أمرٍ مفرغ منه أو معلوم من الدين بالضرورة، بل كان لبيان أمرٍ تأسيسي جديد، وتشريعٍ إلهي يتوقف عليه مستقبل الأمة ومصيرها بعد غياب نبيها ﷺ.
تفكيك دلالة اللفظ: ماذا تعني “المولى”؟
إن المحقق اللغوي والمنصف لا يمكنه عزل كلمة “المولى” عن السياق (القرينة الملازمة للحدث) الذي وردت فيه. يجادل البعض بأن “المولى” في اللغة تأتي بمعنى المحب أو الناصر، وهذا صحيح في بعض وجوه اللغة، لكن الخروج باللفظ إلى هذا المعنى هنا يسقطه الترتيب النبوي المحكم.
قبل أن ينطق النبي ﷺ بجملته الشهيرة، قدّم لها بمقدمة استجوابية أخذ فيها الإقرار من الأمة:
”أَلَسْتُ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ؟”
هذا الاستشهاد النبوي مستوحى مباشرة من الآية القرآنيّة: {ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ}. والأولوية هنا تعني الطاعة المطلقة، والولاية العامة في إدارة شؤون الدين والدنيا، وحق التدبير والتصرف. وحين أجاب الجمع بـ “بلى”، عطف النبي ﷺ بالقول: “فَمَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَهَذَا عَلِيٌّ مَوْلَاهُ”.
حرف الفاء هنا تفريعيّة؛ أي “بما أنني أولى بكم من أنفسكم، فإن علياً أولى بكم من أنفسكم كذلك”. فالمولى في هذا السياق لا يمكن أن يحمل إلا معنى الأولى بالتدبير والإمامة والخلافة، وإلا بطلت بلاغة الخطاب النيوي وحاشاه ﷺ من ذلك.
تتويج الرسالة: نزول آية الإكمال
لم تنتهِ الحادثة عند رفع الأيادي وتبيان المقامات، بل توجت بحدث غيبي قطع الشك باليقين. فبمجرد أن أنهى النبي ﷺ خطبته ونزل من المنبر، نزلت عليه آية من أواخر ما نزل من القرآن الكريم، وهي آية إكمال الدين:
{ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلْإِسْلَٰمَ دِينًا}
إن ربط إكمال الدين وإتمام النعمة بهذا اليوم بالتحديد يعطينا الدليل الوجداني والعقلي الأكبر. فهل يكتمل الدين بمجرد التأكيد على محبة شخص؟ أم أن الدين يكتمل بوضع الركيزة الأساسية لاستمرار الرسالة، وحفظ الشريعة من الانحراف بعد انقطاع الوحي؟ إنها الإمامة والقيادة الحكيمة المتمثلة في أمير المؤمنين على ابن أبى طالب سلام الله عليه وكرم الله وجه والتي أمنت للأمة مرجعيتها المعصومة.
تواتر الحديث من طرق الفريقين
من الشبهات الواهية التي يحاول البعض التمسك بها هي إضعاف سند الحديث، ولكن أمام شمس الحقيقة تذوب كل هذه المحاولات. حديث الغدير ليس حديثاً آحادياً، بل هو من أعلى منازل التواتر في تاريخ الإسلام، حيث رواه من الصحابة أكثر من مئة وعشرة صحابيين، ومن التابعين نحو أربعة وثمانين، ونقله أصحاب الصحاح والمسانيد من كافة المدارس الإسلامية بأسانيد صحيحة لا تقبل التشكيك.
وقد سارع كبار الصحابة بعد الخطبة مباشرة إلى تهنئة أمير المؤمنين، وفي مقدمتهم عمر بن الخطاب وأبو بكر الصديق، حيث قالا له العبارة الشهيرة التي حفظها التاريخ:
”بخٍ بخٍ لك يا بن أبي طالب، أصبحت وأمسيت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة”.
ختامآ
صيانة العهد
اعلم اخي القارئ، إن يوم الغدير ليس مجرد مناسبة طائفية أو حدث تاريخي نمر عليه مرور الكرام، بل هو “يوم العهد المعهود” والميثاق المأخوذ. إنه المحطة الشاهدة على أن الرسالة المحمدية لم تُترك هملاً بلا راعٍ أو دليل، بل جُعل لها امتداد رباني يقود سفينتها في أمواج الفتن.
الوقوف في الغدير هو وقوف مع الحق، وقراءة واعية لخطاب الوداع الذي رسم معالم الطريق للأمة حتى لا تضل، وكما قال المصطفى ﷺ في ذات السياق: “إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي”. فالحقيقة كاملة جلية، لا يغيبها إنكار، ولا يطمس معالمها نسيان. اللهم فاشهد وانت خيرالشاهدين انانتولاك ونتولى رسولك ونبيك محمد صلوات الله عليه وآله ونتولى امامنا ومولانا اميرالمؤمنين وبعسوب الدين على ابن أبى طالب سلام الله عليه وكرم الله وجه ونتولى جميع الائمة المعصومين اعلام الهدى من ال بيت نبيك المصطفى صلوات الله عليه وآله ومنهم سيدنا ومولانا وقائدنا علم الهدى عبدالملك بدرالدين الحوثي سلام الله عليه وحفضه الله بحفضه وايده بنصره ونحن على ذالك إلى يوم الدين
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
