البُعد السايكولوجي في لوحة فن الرسم للرسّام العالمي يوهانس فيرمير

( 1675- 1632 )

بقلم الدكتورة بهية أحمد الطشم

تتوهّج الأنوار السّاطعة من ألق الأيقونة الخالدة أبداً ” فن الرسم” عند سيّد الضوء في الرسم وهو الرسّام الهولندي العالمي يوهانس فيرمير.

واذا كان الرّسم هو فن مرئي وتعبير راقٍ  يعبّر عن الأفكار والأشياء من خلال الأشكال والألوان في لوحة متعددة الأبعاد ,فالدافع الأهم لرسم  اللوحة التي نحن بصددها يتماهى بالبعد السايكولوجي بشكلٍ صارخ.

ولعلّنا نتمعن ملياً في حنايا هذا البُعد السايكولوجي للوحة ,والذي يشكّل الجزء البارز فيها,حيث يزدان بطابع دلالي يتجاوز الأفق الشكلي سيّما وأنّ هذه اللوحة الزيتية فذّة,وتتسم بسِمات بارزة ,وتكشف النقاب عن أسلوب صاحبها في ممارسة فنّه .

وكذلك هي بمثابة نظرة مُلقاة على النظرة عينها ,حيث تحتفي العيون المتأمّلة في أرجاء لوحة باهرة تجسّد انسياب الابداع عبر الريشة والالوان عند الفنان العاشق للسكون والهدوء.

فقد اشتهرت لوحات يوهانس فيرمير بتصوير المشاهد اليومية في الأماكن الداخلية واتسمت بنقاء رائع للضوء والألوان سيّما وأنه كان يستغرق وقتاً يسيراً في انجاز لوحاته لتكون بغاية الاتقان ,حيث الضوء هو تاج لوحاته اللامعة, وبالرغم من أن العناوين الحزينة والمُظلمة سادت على معظم تفاصيل حياته سيادة عارمة,فواجهها  بجمّ الارادة  ووافر الاصرار وبهاء لوحاته.

وبالعودة الى اللوحة  فهي تعبّر عن نفسها ,حيث تصف فن الرسم نفسه, وتبرز في اللوحة شخصيتان هما : الرسّام والفتاة التي يرسمها وهي تحمل كتاباً بيد وباليد الأخرى بوقاً أو احدى الآلات الموسيقية وكما يتوّج الغار رأسها :كأهمّ رمز للمجد.

ونستلهم بأنّ نجمة اللوحة : الفتاة المثقفة هي بغاية الحِرفيّة والخبرة العارمة ,ويتجلّى ذلك جلياً من خلال حِيادية نظرتها .

ولقد أراد فيرمير من خلال لوحته أن يُدخلنا الى حميميّة عالمه الفني واللحظات الاستثنائية التي يعيشها ابّان انغماسه بعالم الألوان والخطوط  من خلال تركيزه على توثيق التفاصيل الزمكانية لأيقونته.

فتجول أعيننا داخل قدس أقداسه ولحظات ابداعه الفني ,حيث يتولّى الرسّام نقل ملامح الفتاة الى لوحته,ونقل التفاصيل المحيطة بها بكافة حذافيرها من المنضدة الى الصحيفة أمام الفتاة ,وكذلك الثريّا الذهبية التي تعانق عالم اللوحة .

وفي سِياق استكمال استقراء الديكور: تحتل السّتارة حيّزاً مرموقاً في اللوحة , اذ يتم تكوين تركيبة المشهد, وكأنّ المشاهد أو المتأمل قد سَحبَ الستارة للتو ,وقد رأى الفنان جالساً أمامه وهو في وضعية الرسم للفتاة.

أمّا الخريطة المعلقّة  على الحائط فهي تعطي للمكان بُعديه التاريخي والجغرافي لبلده الأم ( هولندا),وفي الاطار عينه ينضوي استقراء فلسفة الألوان,اذ تسود الألوان الدافئة في أرجاء الأيقونة متماهية مع فيض الوجدان وجُود الابداع.

وأخيراً ,يبقى القول بأن الابداع سواء في الرسم, الفلسفة والشّعر….. ووفقاً لِما اعتبر رائد التحليل النفسي سيغموند فرويد…..يعبّر عن العُقدة الايجابية الأسمى للنفس والتي عاشت واقعاً مُدقعاً فتجلّت بالتساميsublimation,,فغالباً ما تُولَد  العَظمة  أو العبقرية  من رحم المعاناة.

شاهد أيضاً

وليد فارس: من صانع القرار 1559 إلى مُخطط من واشنطن للحرب الأهلية في لبنان* ما

*إعداد علي خيرالله شريف نشر وليد فارس بالأمس مقالاً في موقع أندبندت العربية من أكثر …