العباسية… حين تصير الأرض قلبًا

عندما كتبت هذه الكلمات كانت صورة العباسية تمر في مخيلتي وقد احتضنت في ترابها شبابا..أضافوا مسكهم في ثراها وكتبوا حكاية خالدة لضيعتهم، سطرا من صمود وسطرا من كرامة وسطرا من أمل..

العباسية… حين تصير الأرض قلبًا

ليست العباسية مكانًا يُشار إليه على خارطة، بل نبضًا خفيًّا يسكن من عرفها، وحنينًا لا يهدأ في ذاكرة الجنوب. هناك، لا تبدأ الحكاية من البيوت ولا تنتهي عند الحقول، بل تمتدّ كأثرٍ دافئٍ في الروح، كأن الأرض نفسها تُنادي أبناءها بأسمائهم، وتحتفظ بهم مهما ابتعدوا.
في العباسية، كلّ شيءٍ يشبه الحنين. الطرقات، رائحة التراب بعد المطر، أشجار الزيتون التي تعرف وجوه الراحلين كما تعرف وجوه العائدين. كأن الزمن هناك لا يمضي، بل يجلس إلى جانب الناس، يصغي إليهم، ويترك في ملامحهم شيئًا من وقاره وشيئًا من وجعه.
هي عروس الجنوب… لكنها لم تتزيّن يومًا إلا بدموع أمهاتها، وبخطى أبنائها الذين ساروا نحو الحرية وكأنهم يعرفون الطريق إلى الغياب كما يعرفون الطريق إلى البيت. لم يكونوا عابرين في الذاكرة، بل صاروا جزءًا منها، يسكنون تفاصيلها الصغيرة، ويعودون في كلّ لحظة صمت، وفي كلّ نبرة صوت حين يُذكر اسمٌ غاب جسدُه وبقي حضوره.
في العباسية، الفقد ليس نهاية، بل بداية معنى. الأمّ التي ودّعت، لم تُطفئ في قلبها الحياة، بل وسّعت قلبها ليصير وطنًا كاملًا. والبيت الذي غاب عنه وجهٌ، امتلأ بحكاياته، حتى صار الغياب شكلًا آخر من الحضور…
هناك، البطولة لا تُعلن عن نفسها، بل تعيش بهدوء، في يد فلاحٍ تُصافح الأرضَ كل صباح، في عين طفلٍ يتعلّم أن يحبّ هذه التربة كما لو أنها قدره الجميل، في شبابٍ اختاروا البقاء، لأنهم يعرفون أن الانتماء ليس كلمة، بل موقف يُعاش ..
العباسية… ليست وحدها، لكنها تشبه كلّ الأمكنة التي تعلّمت كيف تُحيل الألم إلى كرامة، والخسارة إلى معنى، والانتظار إلى أمل. هي ذاكرةٌ حين يشتدّ النسيان، وصوتٌ حين يثقل الصمت، ويدٌ خفيّة تربت على كتف الجنوب كلّما أوجعه الطريق.
وحين تُذكر العباسية، لا تُذكر كبلدة، بل كقلبٍ مفتوحٍ على السماء… قلبٍ تعلّم أن ينكسر دون أن يسقط، وأن يحبّ دون أن يخاف، وأن يبقى… مهما اشتدّت الريح.

(نحنا موجوعين عفراقِك بس رح نتحمّل)
سناء زين معتوق

شاهد أيضاً

الأيتام

بقلم: أمين السكافي عاد الجنوب يتيماً. ليس يتيماً لأن أبناءه غابوا عنه، بل لأنه لم …