فلسفة الحياة في لوحة (الحياة عبارة عن لهب)

عند فيلسوف الريشة والقلم و الرسّام العالمي جبران خليل جبران(1931- 1883)

بقلم الدكتورة بهية أحمد الطشم

تتوهّج شعلة اللّهب في يد حاملها بسطوع فائق ضمن أيقونة ساحرة رسمتها ريشة فيلسوف وأديب مبدع ومرهف برز اسمه مشرقاً في محافل العالم.

انّه فيلسوف الريشة والقلم جبران خليل جبران ,والذي ولد في بشرّي في شمال لبنان ,وعاش في في ظروف عجاف  بدءاً من الفقر المدقع ووصولاً للهجرة في عُمرٍ مبكر الى الولايات المتحدة الأميركية مع عائلته حاملاً هموم وطنه في قلبه وعقله ,وساكباً من فيض احساسه تحت رأس قلمه وريشته.

لقد بدأ جبران خليل جبران مسيرته الأدبية والفنية وكتب باللغتين العربية والانكليزية , وهو الذي تتلمذ على يد فريد هولاندي ,وأقام أول معرض للرسم وهو في الحادية والعشرين من عمره.

وكذلك عبّر صاحب اللوحة عن قناعاته في كتاباته ورسومه كي لايتحوّر العكس أسرار القلب,أو يطفىء ألغاز النفس والهدف  لذلك:محاربة جمود العادات في نواويس متحجّرة والافصاح وكشف النقاب عن مكنونات الشعور  العارم  بالحروف والخطوط والألوان..

وجُلّ ما نستطيع قوله – ونحن مندمجون- في فكر جبران المنعكس في خطوط وألوان اللوحة التي نحن بصددها ,وكأنّ هذه اليد تقلّب صفحات الحياة بسرعة النار,

فتتأمّل عقولنا في أعماق ناطحاتنا الوجدانية لنسلك في مجرّات قضاءات الحياة الجمّة.

ويتراءى لنا,بأن صاحب دمعة وابتسامة اختصر معالم الحياة في أفراحها وأتراحها ,دمعتها وابتسامتها في هذه اللوحة الاستثنائية ,وهو القائل بهذا الصّدد :”انّ حقيقة الحياة حياة.”

ولعلّنا نستحضر بالذاكرة عبارة ذهبية في دمعة وابتسامة :” وعلمت أنّ الحياة سلسلة ذات حلقات آخذة بعضها برقاب البعض, وأنّ الحزن هو حلقة ذهبية تفصل بين الاستسلام لمآـي الحاضر والتعلل ببهجة الآتي كما يفصل الصبح بين النوم واليقظة.”

ولا غرو, فصاحب كتاب النبي ,الأرواح المتمردة, العواصف وغيرها من المؤلفات المرموقة عبر اختلاف ارهاصات العصور,وهو الذي أمسك بلُباب الذائقة الجمالية في شتىّ صورها,فلم يكن شاعراً وأديباً فحسب ,بل رساّماً محترفاً وفيلسوفاً ,اذ يُعتّد بأقواله في الحب والحياة ,وكذلك رسمت ريشته أوجاع الانسانية وآلام الغربة وأتراحها.

وفي السّياق عينه,فقد شكّل عام 1904  التاريخ المجيد في زمن جبران خليل جبران الابداعي ,سيّما عندما بدأ بنشر رسومه وخواطره في صحيفة المهاجر,وكانت بعنوان رسائل النار باللغتين العربية والانكليزية ,اذ أصبح من من رواّد ادب المهجر ,وأسّس بأسلوبه الحداثي اتجاهاً أدبياً نقدياً , وزخرت مؤلفاته بمئات اللوحات التشكيلية .وتم عرضها في عدة متاحف في العالم.

وتجدر الاشارة الى أنّ طابع الكلاسيكية  طغى على لوحاته وكذلك غلبَ التفاعل البشري فيها, بالاضافة الى شخصيات الانسان المثالي مركّزاً على أواصر الصّلة بين العوالم المادية والروحية.

وبالعودة الى الاستقراء الفلسفي لأبرز حنايا  للوحة التي نحن بصددها, والتي تُحاكي لدُن الحياة, فيكمن المغزى من امساك اليد  للهيب في ضرورة أن تتسم اليد ببرودة الثلج ابّان ملامستها لشعلة اللهيب وفي اطار ابراز احدى الثنائيات المفارِقة التي تدخل في صميم الأبعاد الأنطولوجية للانسان, حيث تأثيرات اهم الأسطقسات الاربعة (النار) موزّعة على الشؤون الحياتية الجمّة.

وفي سِياق استقراء فلسفي لماهيّة الألوان ,فقد انعكست الألوان الدافئة بأقوى ألق سواء في اللون الرمادي لليد والذي يبدو في أسفل اللوحة,ويُحاكي الرغبة بمعالم الهدوء والسّكينة.

وكذلك, اللون البرتقالي الذي يبدو وكأّنه ابن النور بمراحله المتدرّجة في حنايا اللوحة  , اذ يدحر عناوين الظلام بدون منازع.

ومن الأهمية بمكان أن نحوّل نار أمانينا الى شعلة انجازات تحرّك أملنا ,الذي هو الدافع الأكبر للحياة الحقّة,وأن لا نُذعن للهيب اليأس,بل نجعله رماداً منثوراً في العدم.

شاهد أيضاً

<><>جبل الشيخ<><>

بقلم خالد سويد ياجبل الشيخ .. ياشيخ كل الدنيبعزك ربينا وكبرنا ،سني عن سني وعينا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.