أحمد وهبي
تحت هذا الدقيق الأسمر والأبيض، وجوهٌ من ضوءٍ وماء، وجوهٌ تتلألأ ملامحُها، والرّغبة تجمعُ ما يتكاسر من الموج… لملحٍ للأحشاء …
اليدُ، التي تبكي، كانت تلِجُ عتمةَ الثوب المُقلّمِ الخطوط والرموش، وما وقع تحت اليدِ، زهرةٌ تُسمَعُ دقّات بتلاتها، حتّى جسدٍ ملقىً لاقتمار الأنفاس …
ترغبُ، تحتاجُ النفسُ لكلمةٍ واحدة، نحتاجُها، وفي الضدِّ تجيءُ اللحظةُ .. لحظة التباغُضِ السوداء، الحمقاء والتباعُدِ، كأنّما الذي نتمنّاهُ… هو خصمُنا العميق في الذات، وفي بعض الأمنيات خيانةٌ ما، وذلك الشغف، نحبوهُ حتّى يشتدَّ الساعدُ، ويصيرَ بالإمكان أن ننفصلَ عن كلِّ ذلك بكلمةِ حُبٍّ واحدة، تلك، أن نجِدَ بصمتَنا المعرفية، لتلك اللحظةِ المُتحدّرة بأنساقِ بداياتنا، تلك الملّوثة بكلّ شيء …
السّاعة الأخيرة في الدُّنيا، السّاعة الأخيرة للدُّنيا، تتراقص أنباضهُا، كأنّا لم نزلْ نعودُ، حيث كنّا نحبو مجرَّدينَ من الكلام …
لم نزل نحتسي خمرةَ الحياةِ، كاحتسائنا لحليب الطفولة، لشهوة البلوغ والليالي والأسفار، لم تزل العقاربُ تشيرُ إلى الوقت .. كما هو مُذ عرفناه، مع فارقٍ ضئيلٍ، أنّ العمرَ يتقدّم بنا، لا نعيرُ للوقت انتباهةً ما، لأنّا لا نُحبُّ أن لا يمتلِكَنا، ولا نمتلك ما لا نُحِب…
قالت، سأردُّ البابَ على أعقاب الخطى والسجائر، وذات ليلةٍ انشقَّ الفجرُ على أبوابٍ لا تُحصى، سألتها ما المُراد، قالت مجرّد تسليّة، حينها خبّأتُ مكاني عن الناظرين، واعتمرتُ طاقيةَ الإخفاء، لكنها، تهادلت في شغاف القلب، تردُّ عليَّ الحياة، فقط للتسليّة…
تعودتُها قريبةً وبعيدةً في آن، وتلك اللحظات تردادُ الكثبان، خليعةُ الجوارحِ والمدائح والرياح، وما بين الأهداب لوحةٌ غجرية، ما بين الأنامل ألوانُ الطيف وقوس قزح، ثمّ بادلتني المكان والزمان، قرأتها، كانت عمراً حافلَ المواعيد، وسكين السفرِ في نحري، علامَ الذي كان …!!؟
انتظارٌ أنتِ، وعند شُبّاك العشقٍ وردةُ الثغر، سَهرٌ قمريُّ الفؤادِ والسُّهاد، قُبلةٌ في الحلق حتى الصباح، كأنّما الشمس بيمينكِ، وقلبي بيساركِ، ولي ستون جناحٍ وثلاث .. تثير الضوء، ذاك المعقود حول جيدكِ، أدعوكِ ليلةً تلو ليلةٍ من غفوة المرآة، كأنّي مرآتُكِ، تتكاسرينها، لإجمعَكِ جزءاً تلو عشقٍ تلو ما لا أدري، فهل كنّا تلك الحياة ونسيناها …!!؟
خبّرتني عن عاشقٍ سأكون عليه، وأغمدتْ في الحكايةِ صمتاً ومضتْ، بعد بلوغنا تلك الأعماق، كسرتُ عمقَ المحيط، ورسمتُ سماءً ثامنةً ربّما وعاشرة، كان ذلك الزّمان بالأسود والأبيض، وفي عصر الريموت كنترول، ولجتُ محطات العوالم، أبحث عنها، لكن، لا جدوى، فكلّ الاتصالات تُجيبُ عليها بصوتها، الشخص المطلوب غير موجود، إترك له رسالة، إنّها لتكنولوحيا بغيضة حقّاً …!!
أسدلتْ بضعَ سنين من ليل شعرها، وأنا في سورة الدّخان، أخذتْ بي إلى سورة النّور، وأردفتْ، حين تختمُ ما بدأتَ به، نلتقي في فاتحة القلب، من يومها أستعين بالمعوّذات المعلّقة بأطراف الحكايات، وامرأة تُبهِرُ بلادَ الجنِّ بخيالها، فإذا ارتقتِ النجومُ بشمسنا الوحيدة، أيقنتُ ارتقائي بنجمة الصُبح، احتفائي بيومٍ جديدٍ حين أفقتُ …
ولمّا تزلْ على عنادها، تحاول أن تُقنِعَ غلغامش بأنّها نبتةُ الحياة، إكسيرها السحريّ، وبأنّي على صورتهِ، ولستُ إسمي، لكنّي الصورة العصرية لحاضري، وفرعون من ملح البحر، وحمورابي معين الشرائع، والحاتم حامل الوصايا، وهرقل أهزوجة الأسطورة، والخاتم في إصبعي، حجرُهُ الكريم اللازوري على صورتها، تبسمُ لي، أضحكُ من هلاوسي، اتنفّسُ دُعابةَ حُلُمٍ في اليقظةِ، أفتحُ عينيَّ، ولمّا تزل تُروادني عن نفسها، ولستُ يوسُفَ، ثمة يدين بعشرةِ كواكب .. وقلبي وروحي، فما الذي يأسرني، يقتلني يكاد وأرتقي …!!
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
