سُطوع العطاء

قراءة في لوحة فتاة الحليب للرسّام العالمي يوهانس فيرمير 

( 1675 -1632)

بقلم الدكتورة بهية أحمد الطشم

تحتفي أنظارنا المتأمّلة في حنايا لوحة (فتاة الحليب) للرسّام العالمي يوهانس فيرمير بالهدوء ومعالم السّكينة وانبثاق الضوء الباهر ابّان لحظات الانغماس الكليّ   في انجاز الفتاة التي تسكب الحليب من الابريق عند سيّد الضوء في الرسم بلا منازع.

يوهانس فيرمير العاشق للهدوء, والذي جسّد انسياب ذبذبات السّكون في خطوط وألوان لوحاته عبر انجاز فني استثنائي ,انفرد به فشكّل سمةً صارخة وعلامةً فارقة في مسيرته الفنية الراقية, وهو الذي اشتهر بسفره المتكرر والتقى بأشهر الرسّامين في عصره .

والمُلفت أنّه كان يستغرق وقتاً يسيراً في اتمام لوحاته لتكون بغاية الاتقان ,والأهم أنّ الضوء كان تاج لوحاته اللامعة في سجل الخلود للفن عبر سيرورة الزمان.

وتكمُن المفارقة البارزة في أبعاد الخلفية للحياة الشخصية للرسّام ,اذ أنّه تزوج كاترينا بولنوز وأنجب منها اربعة عشر طفلاً ,وكانت تُحاكي نموذج المرأة التي ظهرت في أبرز لوحاته.

أمّا بخصوص اللوحة الزّيتية التي نحن بصددها و المثيرة للتأويلات واختلاف التفسيرات والمعروضة في متحف ريكز أمستردام هولندا فتتراءى في الحنايا الآتية:

تسكب فتاة اللوحة الحليب في الابريق بكلّ حُب وتسكب في الوقت عينه اهتمامها مع كل قطرة تسيل منه,ولعلّ أمتع الأشياء وأجملها عندما نصنعها بعناية,ونضفي عليها من حيثيات أنفسنا وشغفها.

وبمُوازاة انهماك الفتاة بسكب الحليب ,وفي أوجّ لحظات ساكنة من سيرورة الزمان ,تتسلل أنوار الشمس من حنايا النافذة على الجهة اليسرى للوحة متحدة بوهج العطاء السّاطع على وجه الفتاة التي  يغمرها النشاط الخلاّق.

ولعلّ تفاصيل النشاط تنضوي في كيفية ثَني نجمة اللوحة لثوبها الى الاعلى لكي تحمل ابريق الحليب سيّما بعدما وضعت شالها الأزرق على الطاولة والذي يحمل في طيّاته حذر الفتاة اثناء الدّفق الأبيض الذي يسيل أمام الخبز وسلّة النعيم, وكذلك تفعم أرجاء المكان بعبق رائحة البن  المنبعثة من آلة تحميص حبوب البن.

وتنمّ الرسوم على مربعات السيراميك في أسفل الغرفة والتي تعود للارهاصة الاغريقية من سيرورة الزّمان والتي تعبّر عن علاقة رمزية مستمرة بين الأزمنة,ما يعكس مهارة الفنان في تأثير الضوء المتداخل مع رؤيته الفلسفية الانسانية.

وفي سِياق استقراء فلسفة الألوان ,تطغى الألوان الدافئة على أرجاء الأيقونة متماهية مع فيض العطاء وجود الاهتمام.

وتعكس ماهيّة اللوحة المستغرقة في تفاصيل الصمت المُضمر بروز السّكون كسيّد اللغات المعبّرة, والذي جعل التاريخ المتجمّد في حالة دينامية متواصلة….

وأخيراً, نستقي من هذه الأيقونة تأويلات متباينة تتراقص منها ماهيات فلسفية في عمق الوجود الانساني,حيث تسود ثنائية السّكون والحركة كأهم بديهية راسخة في فلسفة الكون.

شاهد أيضاً

<><>جبل الشيخ<><>

بقلم خالد سويد ياجبل الشيخ .. ياشيخ كل الدنيبعزك ربينا وكبرنا ،سني عن سني وعينا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.