رحلة في بلد الإشعاع

رواية على حلقات للأديب أحمد فقيه

الحلقة 17 (الأمر بالاستدعاء)


لم تفطن القوى التي تعمل على اخفاء شاهين الى أن هناك قوى أخرى قد عملت على اخفائه عن طريقها هي. و يرجع الفضل في هذا لافندينا و زملائه إذ أنهم لم يبلغوا احدا بهذا الامر، فلذلك باتت القوى مطمئنة و لم تأبه لعقد الجلسة ما دام الدليل المهم في القضية في قبضتها. ومهما تقدم غير هذا من ادلة، و مهما كانت دامغة، فهي على استعداد لطمسها او لردها الى نحور من يعملون على نبشها، مهما طال باعهم في هذا المضمار!..
و فعلا، كلما تقدم المحامي، و معه مجموعة من زملائه يساعدونه، بدليل كان يقابل بالف تأويل و تأويل. فالبنطلون قد عرفه رائد.. فهو نفس البنطلون الذى كان القاتل يلبسه يوم الجريمة:” كاكي بنفاخات على الجانبين”، و الخرق و الدماء التي عليه تؤكد اصابة صاحبه عند قفزه عن السور.. و عند فحص الدم الذى على البنطلون تبين انه من نفس فصيلة الدم الذى ما زال على تلك الصخرة. و هذا الحذاء الذى ينطبق تماماً على تلك الآثار التي ما زالت موجودة في الارض الرطبة، كما ان ما عليه من طين جاف هو من نفس طين حديقة القصر، و ما زالت آثار الدماء عليه. حتى القفازات التي نزع احداها باليد اليمنى، اما اليسرى فاستعان على نزعها باسنانه حتى لا تظهر بصمات يده عليها، و هذه اثار الاسنان ما زالت عليها، و هي تدل على ان صاحبها قد خلعت احدى اسنانه الامامية بدليل الفراغ الموجود بين عضتي السنين. و بعد التدقيق تبين ان صاحب هذه الاغراض و الادلة هو ” شاهين” الذى اختفى منذ وقوع الجريمة.. و براهين أخرى عديدة.. و كلها لم تفلح في اقناع المحكمة… (( قد تكون الصدفة تجمعت… لا يمكننا ادانة شخص حتى يمثل امام هيئة المحكمة، و تسمع اقواله..))
هذا ما كان من رأي المحكمة في هذا الصدد.
كان ” افندينا” قد طلب من ضرغام بالا يستخدم المسجل، هو او المحامي، الا عند الضرورة القصوى، لانه كان يريد ان يحتفظ بصداقة “شاهين” بعد ما سمع منه ذلك الحديث المؤلم. و لم يكن يريد ان يظهر بعين صديقه بصورة الصديق المزيف او الخائن، و ان كان يعمل لغرض شريف، و حتى ما فعله اخيراً كان لصالح “شاهين” و لصالح عائلته، و هو مصمم بأن يحمي تلك العائلة و يعولها اذا ما أصابه مكروه.. و ابلغ المحامي بهذا..
و الآن وجد المحامي حتى لو انه استخدم الشريط و اسمع المحكمة ما به من اعتراف صريح، فسوف يفاجأ بالرفض، بل و باتهامه بالتزوير.. فوجد انه لا مناص من تحمل اعباء القضية حتى النهاية. ففكر باحراج المسؤولين، ووضعهم امام الامر الواقع بحيث لا يستطيعون التهرب. فقال:
_ كل ما تجمع لدينا من ادلة تشير الي ان “شاهين” هذا هو القاتل الفعلي، و اذا كانت هيئة المحكمة الموقرة غير مقتنعة الا بوجود المتهم، فلماذا لا تتفضلون سيادتكم باستدعائه؟!
_ سنعمل على البحث عنه و استدعائه حالما نعثر عليه.
_ اتتفضل المحكمة باعطائي امر الاستدعاء هذا، قد استطيع العثور عليه، فاكون قد وفرت جهداً كبيراً على الهيئة الموقرة.
و لم يكن امام المحكمة سوى الموافقة.. فأمر القاضي بتحرير طلب الاستدعاء المذكور، و أعطي للمحامي مسعود. ثم طلب المحامي فرصة ثلاثة ارباع الساعة لا غير ليحاول، قد يجده في بيته، و اذا لم يجده فتؤجل الجلسة لوقت آخر حيث يتم العثور عليه، ثم التمس من هيئة المحكمة الموقرة تزويده بشرطيين.. و كان له ما أراد..
و أجلت الجلسة ثلاثة ارباع الساعة لاستكمال الأدله.


الجموع الغفيرة


قبل موعد الجلسة بيوم واحد اتى ضرغام الى بيروت و اجتمع بالمحامي مسعود و ام رائد وجده أبي خليل و اتفقوا على خطة العمل التي تلخصت في احضار “شاهين” الى بيروت بدون ضجة او علم أحد، و يستحسن ان يتم هذا في الصباح الباكر قبل خروج الناس، و يبقون بحراسته في مكان منزوى قرب قصر العدل.. و بعد تفكير بسيط قال “ضرغام:” هذه العملية تحتاج الى سيارة و سائق.” فقال المحامي نعم.. و يا حبذا لو نحصل على سيارة مقفلة من الخلف.” فصاح ابو خليل: “هذه علي انا.. انا ادبرها.”…
و أوصى المحامي ضرغام بما يجب أن يفعل و زملائه عندما ياتي لتسلم شاهين منهم اذا اقتضى الامر هذا..
و عندما اسر ابو خليل الى جاره الذى يملك سيارة “فولكس واجن” و يستعملها لبيع الثياب بالمفرق عن طريق التجوال بين الحارات، بانه بحاجة لسيارته، قال الرجل بحماس واندفاع:
_ انا و السيارة على حساب رائد.. تكرم يا أبا خليل، و يكرم رائد، و ابو رائد، و ام رائد و كل من له صلة برائد، أو بأبي خليل..”
و عاد ضرغام تلك الليلة بصحبة السائق.. و لكن السيارة لم تستطع الوصول الى ((وادي اللوز)) لعدم صلاحية الطريق، مع ان اهل القرية قد بدأوا يطالبون بهذه الطريق و باصلاحات اخرى منذ عدة سنوات و ما زالوا موعودين بهذا.. الا ان السيارة يمكنها الوصول الى المقلع الذى يوجد في خراج قرية “دير سامر”، لوجود طريق يربط القرية بالخط العام منذ عهد الانتداب الفرنسي، و قد اعيد تعبيده منذ فترة قريبة. و هذا الطريق يمر بالقرب من المقلع و من أجل تيسير العمل، و تسهيل النقل، عمل أبناء عم ضرغام على شق و تمهيد هذه المسافة التي تصل ما بين طريق القرية و المقلع بحيث تسمح للجرارات و سيارات النقل بالوصول من و الى مقلعهم هذا. و كان لهذه الميزة (وجود الطريق على مقربة من مركز العمل) الأثر الأكبر في اختيار هذا المكان لعمل كهذا.
و ازاء هذا الوضع كان على ضرغام ان يذهب بالسائق الى المقلع اولاً ثم يعود هو سيراً على الاقدام الى قريته ليجتمع بافندينا و يرتب الامور معه. ثم عرف أبناء عمه بالسائق و اخبرهم بان ينهضوا الساعة الثالثة صباحا و يأخذوا معهم شاهين، و يبقوا معه داخل السيارة في الجزء الخلفي، محجوبين عن اعين الناس بعد ان يخبروه بانهم ذاهبون به الى المركز الرئيسي للاطلاع على هويته الحقيقية، ما دام لا يعترف بإسمه، و ليبق، مقيد اليدين، و اذا ابدى صراخاً فليكمموا فمه، ثم ينتظرونه عند اقرب مفترق من قريتهم ليرافقهم مع زوجته الى بيروت…
اما افندينا فقد اصطحب المختار “أبا ريحانة” و ام اسماعيل و بعض وجهاء البلدة، الى بيروت في سيارة كان قد رتبها مسبقاً. و كذلك فعل زملاؤه، اذ اصطحب كل منهم المتحمسين من قريته و التقو جميعاً حول “سراي” قصر العدل بانتظار ما سيسفر عنه التحقيق..
لم يكن هؤلاء فقط هم الذين قدموا الى بيروت لحضور هذه الجلسة التاريخية، بل هناك المئات من الشباب الذين هم على اطلاع دائم بالاحداث، و الذين كل منهم اعتبر نفسه”رائدا”، قد نظموا صفوفهم و اندفعوا الى بيروت.. كذلك جميع التلاميذ الذين تقوم بتدريسهم ام رائد، و جميع اعضاء “الجمعية الخيرية” بما فيها من اطباء و محامين، و صحفيين قد اخذوا اماكنهم داخل القاعة او خارجها. حتى الشيوخ و العجزة من اصدقاء ابو خليل سواء في الحارة القديمة او في الحي الجديد، قد أتوا، غير آبهين بعجزهم او بالعكازات التي يتوكأ عليها الكثيرون منهم.
كان مشهدا مثيرا باعثاً على الاعجاب و الاعتزاز و الفخر. و عندما شاهدت عفراء هذه الجموع الغفيرة التي تملأ الساحات و الطرقات، كالبحر الذى تتلاطم فيه الامواج، شعرت بقشعريرة تسرى في جسدها، فهانت عليها نفسها، و هان عليها زوجها و ابنها، و قالت في ذاتها، و عيناها حافلتان بالدموع:
_ كل شيء يهون في سبيل امة تأصل فيها النبل و حب الخير و العدل كهذه الأمة..

و قبل موعد انعقاد الجلسة اتصل المحامي مسعود بأحد الصحفيين و طلب منه ان يراقب بيت شاهين طيلة فترة انعقاد الجلسة. و ذلك لأن المحامي كان يحسب لكل امر حسابه، فيتداركه قبل وقوعه ليتجنب ما قد ينجم عنه، او ليستفيد منه في مهمته. و كان قد تراءى له ان القوى التي تخفي شاهين و تتستر عليه قد ترسل احدا للتأكد من وجوده في بيته عندما تعلم بان هناك امرا باستدعائه للمحكمة، و خاصة اذا بحثت عنه في المخبأ الذى اودعته فيه و لم تجده. و هنا يكون عمل هذا الصحفي هو رصد حركات من يأتي الى هذا البيت عن بعد، و اذا استطاع اخذ صور لأي شخص يقدم الى المكان يكون قد خدم القضية خدمة هامة.
و عندما خرج المحامي مسعود يرافقه بعض زملائه و الشرطيان، تقدم منه ضرغام و مجموعة اخرى من الرجال كان افندينا قد اعدهم لهذا الغرض، فأحاطوا بالمحامي و زملائه لحمايتهم من يد غادرة، ثم اخذوا يسألون:

_ اتريدون شاهين فعلاً.. نحن نحضره لكم في دقائق.. لا تكلفوا انفسكم.. دقائق و يكون عندكم.. فليحيا العدل!.. فليحيا العدل!.. فليحيا الطيبون!.. فليحيا لبنان!.. فليحيا لينان!.. فليحيا!.. فليحيا!..
و كانت هذه الهتافات على وشك ان تسري بين سائر الجموع، الا ان المحامي و زملائه خشيو ان تتخذ سلطات الأمن اجراءات ضدهم، ثم يتخذون من هذا ذريعة لتأجيل الجلسة، و بهذا يكونون قد اساءوا للقضية بدلاً من العمل على انجاحها.. فلذلك سارع المحامون لتهدئة الجماهير و أسروا لضرغام بان يؤجلوا هذا لما بعد الجلسة، خوفا من إفشالها…
و في الحال ساد الهدوء.
فشكرهم المحامي مسعود، و قال لهم اذن سنمضي نحن لزيارة اسماعيل و الاطمئنان عليه، و قبل مضي نصف ساعة سنعود و نأمل ان تكونوا قد قمتم بواجبكم.. بارك الله فيكم..
و استقل المحامي سيارته و معه اثنان من زملائه و الشرطيان قاصدين بيت اسماعيل. و هناك علموا من الطبيب بانه اعطاه حقنة مهدئة و اخرى مقوية، و انه ينام نوما عميقاً.. و يأمل الطبيب ان يفيق اسماعيل بعد هذه الغفوة معافى باذن الله.. و طمأن المحامون ام رائد بان الامور تسير على ما يرام، و التيسير على الله..
عاد المحامون و الشرطيان قبل انتهاء المدة ببضع دقائق، و كان ضرغام بانتظارهم عند مدخل قصر العدل ليسلمهم “شاهين”. و فعلاً، ما ان وصلوا المكان حتى ذهب معهم الى مكان جانبي حيث تقف سيارة “الفولكس واجن”. و هناك فتح ضرغام الباب للشرطيين و قال لهما: (( استلموا!.. هذا هو ” شاهين” الذى يدعي بانه” هاشم”.)).
و عندما فتح الباب و شاهد ابناء عم ضرغام الشرطة مع المحامين اسرعوا ففكوا وثاق شاهين و سلماه للشرطيين اللذين وضعا القيد الحديدى في يديه من جديد.
و فوجيء شاهين بهذا التطور، و لم يستطع تفسير العلاقة التي تربط بين اولئك الذين امسكوا به، و اعتقد بانهم من فرق مغاوير الجيش، و بين الشرطة، ثم عندما خرج شاهين من قصر العدل فزاد تعجبه: هل قضيته أضحت مدنية بعد ان كانت عسكرية، و ما شأن هؤلاء المحامين؟!.. أهل يمكن ان يكون لهذه القضية علاقة بقضيته الاولى؟!..
و كان احد الشرطيين قد سأل” شاهين” قبل وضع القيد في يديه:
_ هل انت شاهين ديك النمر؟.
فتلكأ شاهين بعض الشيء، ثم اجاب:
_ كلا، انا” هاشم عبد صالح”!
و هنا اسرع المحامي، فاخرج من جيبه صورة عن هوية اثبات شخصية عليها صورة شاهين و اسمه، و كان قد حصل عليها سابقاً، و قدمها للشرطيين. و بعد التدقيق، تأكد الشرطيان من انه هو شاهين، فقاداه امامهما و هما يقولان له: “اذا غيرت اسمك، فهل يمكنك تغيير شكلك و جسمك؟.. مهما طال الكذب فحبله قصير.”
و تساقطت الاقنعة
بدأت الجلسة، و نودى على المتهم ووكلاء الدفاع.. تأخر المحامي مسعود عن الدخول لبضع دقائق، فتساءل القاضي:
_ اين وكيل المتهم، اين الشهود؟.. ألم يعثروا على المتهم الجديد؟!..
فعلق وكيل اقارب القتيل:
_ من اين يأتي به، لو كان قد وضعه بيده على الرف، فلا بد من وقت للوصول اليه و تناوله.. دعه يبحث حتى يشبع.. دعه!..
فحدجه القاضي بنظرة من طرف عينه الا انه تجاهل الامر و كأنه لم يكن.
و ما هي الا لحظات حتى فوجيء الجميع بدخول المحامي مسعود و الشرطيين، و امامهما “شاهين” مقيد اليدين.. فدهش القاضي واعجب بنفس الوقت، الا انه اخفى اعجابه، و ترك الكلام لغيره في بادىء الأمر، ليرى ردود الفعل التي قد تنتج عنهم.. و تفحص في و جوههم، فشاهد الارتباك و الاضطرابات على بعضها، و الدهشة و الاعجاب على البعض الآخر.. و عاد الجميع ينظرون اليه ليروا رأيه في القضية.. و عندما سكت الجميع، قال القاضي، و هو ينظر الى المحامي مسعود نظرات تنم عن الاعجاب و التقدير بدرجة لم يخف على المحامي مغزاها:
_ كيف وجدتم هذا الشخص.. و اين كان؟..
انبرى احد الشرطيين للاجابة:
_ لقد وجدناه هنا امام “السراي” مع أشخاص قد احضروه مسبقاً..
فاظهر القاضي بعض الغضب و ثار مع النائب العام و هاجا، و اخذا يوجهان هذه الاسئلة بالتناوب:
_ بأي امر يقبضون عليه؟!..
_ من امرهم بهذا؟!..
_ هذا تعدى على حقوق الغير.. هذا حرام؟!..
و هنا قاطعهما المحامي مسعود قائلاً:
_ الناس علمت بأن هذا الشخص متهم، و انكم بلا شك تبحثون عنه، و لا شك انكم ستخصصون جائزة لمن يقبض عليه، فوفروا عليكم الجهد و الجائزة معا، و احضروه طائعين مختارين.
فرد وكيل القتيل بحدة:
_ لكن لم يطلب منهم احد هذا!..
ثم تناول الدفة الدفاع العام مؤكدا كلام زميله و هو يقول بشيء من الاقتناع و الايمان:
_ نعم!.. و ليس لهم حق في هذا!.. هذا اجراء غير شرعي!..
فقال المحامي مسعود موجها كلامه للجميع:
_ اذا كان الامر هكذا، فتفضلوا سيادتكم و قابلوا الجماهير، و قولوا لهم هذا الكلام.
و عندما سمع شاهين هذا الحوار، تبين له ان في الامر شيئا و انه أحضر الى هذه المحكمة بتدبير معين، من اجل قضيته الاولى و ليس من اجل تغيير اسمه. و مما اكد له هذا هو وجود “رائد” الذى عرفه منذ ان شاهده، في قفص الاتهام.. و عندما اتضح له هذا، صرخ بأعلى صوته (و خاصة بعد ان بدا له أن القاضي و النائب العام و معظم الآخرين بصفه):
_ هذه مؤامرة!.. هذه مكيدة دنيئة!.. هذه خيانة!..
و هنا ارتفعت “المطرقة” لتطلب الهدوء، ثم ليعلن القاضي بعدها رفع الجلسة لمدة عشر دقائق للتشاور، و بحث “شرعية” محاكمة المتهم الجديد في الظروف الراهنة.
خشي المحامي من أن يكون المقصود من هذه الاستراحة هو بحث موضوع تأجيل الجلسة كلية، و قد تكون الى اجل غير مسمى، و بهذا تضيع القضية، و يبقى رائد هو المتهم، و حتى لو خرج من السجن بكفالة. لذلك اوعز الى ضرغام و جماعته، و الى زملائه و كل من يتصلون به و بهم للتحرك و الضغط من اجل تفشيل هذا المخطط. و في الحال تحركت الجماهير ابتداء من قصر العدل، ثم انتشرت الى ان شملت بيروت بأكملها، و من بيروت امتدت الى سائر المدن و القرى و الجميع يهتفون:
_ يحيا العدل.. يحيا العدل.. اليوم يظهر الحق و يزهق الباطل.. اليوم اليوم.. سننام في الشوارع الى ان يظهر الحق…. لا عودة الا بعد ظهور الحق و اقرار العدل.. سنموت هنا او يستقيم العدل.. عاش لبنان.. عاش!.. عاش لبنان.. عاش!.. عاش!..
و اشتغلت التلفونات بين قصر العدل و قسم الامن و الشرطة، و بين الشرطة و الجيش، و كثر الاخذ و الرد.. بين جهات كثيرة..
و اخيرا انتهت العشر دقائق و عادت هيئة المحكمة لتباشر مهامها، فافتتح القاضي الجلسة قائلا:
_ فالننته من هذه القضية اليوم!.. اين المتهم الجديد؟
فتقدم شاهين يدفعه بعض الشرطة الى قفص إتهام قريب من المنصة.
فسأله القاضي:
_ هل انت شاهين ديك النمر؟..
_ كلا يا سيدي.. انا هاشم عبد صالح.
و عندما سأله القاضي عن صورة الهوية التي مع المحامي مسعود، اجاب بانها مزورة.. عندها اخرج المحامي من محفظة كان قد احضرها، حذاء، و قال لشاهين:
و هذا الحذاء، اليس لك؟!..
فجفل شاهين عندما شاهد الحذاء، و لكنه سارع فتدارك نفسه و هو يقول:
لا… ل..ل. لا.. هذا ليس لي!.. و هنا طلب المحامي من هيئة المحكمة بان ينزع القيد من يدي شاهين.. و بعد هذا قال له: جربه ان كان على قياس رجليك!..
و عندما كرر القاضي عليه نفس الطلب، وضع رجليه في الحذاء فكان مطابقاً تماماً. و هنا قال المحامي:
_ لا يستبعد ان يكون هذا صدفة يا حضرة القاضي.. كل شيء جائز.. و لكن (و هو يخرج من المحفظة بنطلوناً، ثم يناوله لشاهين) هذا البنطلون اليس لك كذلك؟!..
فارتعش شاهين و هو يرى بقع الدم ما زالت على البنطلون، و مع هذا قال:
_ لا!.. هذا ليس بنطلوني.. ما دخلي انا بهذه الاشياء؟!..
فقال المحامي:” لا مانع من ان تجربه قد تكون نسيته مع الزمن، دعنا نشاهده عليك.. ليس هناك من ضرر.(واحضروا ستار متحركا.)
و كان البنطلون كذلك على قياس خصر و طول شاهين تماما، و هنا تقدم المحامي، بعد ان استأذن من القاضي ليطابق مكان الخرق في البنطلون و الجرح الذى ادى الى عرج شاهين، فوجدهما في نفس المكان، و طلب من هيئة المحكمة اثبات هذه الاشياء. ثم ناوله القفازات و هو يقول:
” إليس هذه القفازات، لا يستبعد ان تكون مطابقة ليديك كذلك”.. و بعد ان وجد المحامي انها مطابقة ليديه كذلك، قال له: انزع اليمنى قبل اليسرى.
و بعد ان نزعها، تقدم منه المحامي و امسك باليد التي نزعت قفازها (اليمنى) ثم قال لشاهين:” انزع الثانية الآن.” و دون ان ينتبه شاهين سارع الى وضع الثانية ( اليسرى) في فمه و امسك باطرافها باسنانه و شد بها الى ان خرجت. فتناولها المحامي، و دقق فيها، ثم تقدم من القاضي و هو يقول:” تفضل يا حضرة القاضي و قارن بين عضات الاسنان الموجودة حاليا على هذه الفردة، و تلك التي قلت لكم عنها سابقاً.. الم تر بانهما متشابهتان،.. لاحظ الفراغ بين السنين الأمامين اللذين يدلان على وجود سن خال، اليس هو نفس الشيء في كلا الحالتين. ثم انظر الى الشخص نفسه (و هو يتقدم من شاهين و يطلب منه فتح فمه) اليس هذا يؤكد بان صاحب هذه الاشياء هو هذا الشخص الذى امامنا.
فدارت همهمات بين القضاة، و تساؤلات، قال القاضي بعدها:
_ كل هذا ممكن يكون هو، و ممكن يكون مش هو.. ممكن يكون صدفة.. كل شيء جائز في هذه الظروف.
عندها قال المحامي:” فعلاً.. جائز!”.. و نادى على بعض الشهود الذين شاهدوا شاهين ليلة الجريمة و هو يركض متخفياً بين البيوت فتعرفوا عليه في سن الفيل و هو يعرج من رجله اليمنى، و كان يبدو عليه الارهاق و التعب.
ثم قارن كلامه بما قاله لزوجته ليلتها و للمستشفى التي عولج فيها بانه كان يسهر في “الحمراء” و هناك صدمته سيارة.
و هنا قال المحامي:”يا حضرات القضاة.. هذا هو القاتل الحقيقي.. و هذه هي ادوات الجريمة.. فاترك الامر لحكمكم العادل..”
و لكن شاهين ما زال يصر على الانكار و هو يقول هذا كذب، هذا خداع، هذه ليست ثيابي…
و هنا طلب المحامي شاهداً آخر، جعل قلب شاهين يهبط الى ما بين رجليه. كان هذا الشاهد زوجته التي كان المحامي قد طلب من افندينا و ضرغام احضارها و ابقاءها بعيدا عن جو المحكمة حتى يطلبها. و هنا سألها:
_ اليس هذا زوجك؟!
_ بلى يا سيدى.
_ ما اسمه؟.
_ شاهين ديك النمر.
_ اليست هذه ثيابه
_ بلى يا سيدى.. لكن كيف وصلت الى هنا؟
_ انت ادرى.. اين كانت هي؟
_ لقد اعطيتها الى شحاذ يا سيدى.
_ ماذا قال لك زوجك عندما شاهدته بالمستشفى، و اين كان ليلتها؟..
_ قال يا سيدى انه كان يسهر عند اصدقائه في الحمراء، و هو عائد صدمته سيارة، فاوصله صاحب السيارة الى المستشفى.
و هنا قال المحامي اعتقد ان هذا كاف يا حضرة القضاة، و اذا كان المتهم غير مكتف بهذه الادلة فهناك ادلة اخرى قاطعة، و لكني افضل الا ابرزها حفاظا على المتهم نفسه، و على عائلته و اهل بيته.
و عندما سمع شاهين هذا فكر قليلاً، فتذكر ما قال لافندينا، و خاف ان يكون قد تسرب هذا الكلام، فسارع قائلا:
نعم.. نعم.. انا القاتل.. انا قاتل “سبيطين” فافعلوا بي ما شئتم.. و هذا المسكين بريء.. و له فضل علي اذ خلصني من الموت.. سامحني يا اخي.. سامحني!…

الفرحة الكبرى


لم يغادر الطبيب غرفة اسماعيل قط طيلة ذلك اليوم. و كان دائماً يتفقد نبضه، و تنفسه و ضغطه، و يعطيه من الحقن ما يراه مناسباً الى ان حان وقت العشاء. و كان الطبيب يامل في ان يستيقظ اسماعيل بعد ان اخذ كفايته من الراحة، و خشي ان يستمر في نومه الى اليوم التالي.. و لم يكن يريد ان يعطيه شيئاً لهذا الغرض، بل يفضل ان يستيقظ بصورة طبيعية بعد ان يكون قد ارتاح تماماً، حتى لا تعاوده النكسة. و لكن بعد ان جاوزت الساعة الثامنة فقد الامل في هذا، فاراد ان يجري عليه فحصاً نهائياً قبل ان يتركه الى زوجته لصباح اليوم التالي، فيعود للاطمئنان عليه. و لكن ما ان تقدم منه، و خيزران و رائد من الجهة الثانية يساعدانه في كشف ذراعه لاخذ الضغط حتى لاحظ الطبيب ان جفونه ترتعش، ثم تفتح شيئا فشيئا.. و ما هي الا لحظات حتى ينظر اسماعيل حوله فيجد زوجته و ابنه رائد بجانبه، فيبدو عليه و كأنه كان في حلم عميق جداً.. فيقول:” صباح الخير.. ما بالكم.. خير إن شاء الله؟!.. من الاخ؟..”
فيندفع رائد نحوه و يبدأ بتقبيل يديه بعد أن يلاحظ علامات الانفراج و البهجة على وجه الطبيب، ثم يحتضنه و هو يقول الحمد لله على سلامتك يا ابي.. الحمد لله على سلامتك.. هذا الدكتور سالم الذى يرجع اليه الفضل الأكبر في شفائك. كنت متعباً يا أبي و الحمد لله الآن زالت عنك كل اعراض التعب و المرض.. الحمدلله.. الحمد لله.. الحمد لله!..
و عمت الفرحة جميع من في البيت و لأول مرة نسمع عفراء تزغرد بعد ان شاهدت الطبيب ينحني على زوجها و يهنئه بالسلامة، و ترى على وجهه علامات الفرح و الرضا. و طلب رائد من الطبيب عدم الذهاب ليسهر و ليتعشى معهم تلك الليلة، و هو سيذهب لاستدعاء و اخبار المحامي مسعود، و جده و جدته.. فقال له الطبيب:” قد يكون المحامي مشغولاً الآن باستقبال المهنئين و الصحفيين لما احرزه من نصر و لما بذله من جهد.. و لكن لا مانع من أن نخبره بهذا النصر الجديد.”ثم يعقب”: و من جهتي، لا مانع لدي، سأبقى بانتظارك.. انها ليلة سعيدة لا تنسى.”
و قضت العائلة و محبوها ليلة بهيجة، توافد الجيران عليهم خلالها لتهنئتهم بسلامة الأب و الابن، و لمشاركتهم فرحتهم.. حتى ان المحامي مسعود، رغم انشغاله، انتهز فرصة و جاء مع بعض زملائه و بعض الصحفيين ليشهد تلك الليلة السعيدة و يشارك اهلها سعادتهم و بهجتهم.. و رقص ابو خليل في تلك الليلة طرباً و ابتهاجاً، و رقصت ام خليل و ابنتها عفراء، و رقصت ام اسماعيل و افندينا، و رقص ضرغام و سلمى، كما رقص معظم الزوار من جيران و أصدقاء و أقارب تعبيرا عن بهجتهم و سرورهم، و كأن تلك العائلة التي حالفها الشقاء و البؤس ردحا من الزمن، قد و لدت من جديد في تلك الليلة التي أنستها ما مضى عليها من شقاء و ألم.

والى اللقاء في الحلقة الثامنة عشر “بصيص من نور”

شاهد أيضاً

تفاصيل الثورة والاغتراب” ..*

*”تفاصيل الثورة والاغتراب” ..* المخرجة السورية: *”إيناس هيثم حقي”* ضيف برنامج *”شام كاست”* ……………………………………………. الحلقة …