رواية على حلقات للأديب أحمد فقيه
الحلقة -11- (البيت الجديد)
نقلت عفراء لإسماعيل جميع الملابسات التي أدت إلى استلابهم منزلهم ومقهى والدها، و الظروف القاسية التي مرت بهم. ثم تخبره عن حب والدها له ومدى تألمه لفراقه. وبعد لقاء إسماعيل الحاد بأبي خليل وأم عفراء يتم الإتفاق على موعد زواج الحبيبين بعد فراق دام سبع سنوات.
في غضون عشرة أيام رتب اسماعيل كل شيء و تمت الفرحة الكبرى بعقد قرانه على حبيبته الاولى و الاخيرة عفراء بحضور والدته وعمه وصهره ضرغام وأخته سلمى ووالدي العروس وبعض الجيران، ثم انتقلا الى بيتهما الجديد الذي كان اسماعيل قد أعده في نفس الحي (برج البراجنة)، وأول عمل قاما به بعد زواجهما هو الذهاب لزيارة أم مسعود والتعرف على إبنها المحامي “مسعود عبد الجليل”.. وقد كانت سعادة أم مسعود بهما لا تقل عن سعادتها و سعادة أهليهما. و تكررت بعض الزيارات، و توطدت العلاقة بين العجوز وإبنها و بينهما بحيث لم يمض أسبوع إلا ويزور أحدهما الأخر.
..وعاش الحبيبان لبضع سنوات والسعادة والبهجة تفوح من كل ركن يقيمان فيه او يذهبان إليه.. لقد عمل كل منهما على أن يُنْسِيَ الآخر كل ما مر عليه من مرارة الحياة و بؤسها و شقائها..
إسماعيل..الأب
مضت السنون، ورزق الزوجان من الأولاد اربعة: صبي و ثلاث بنات.. ومن البديهي أن يزداد مصروف العائلة مع ازدياد عدد أفرادها..
ولكن ماذا يمكن أن يفعل ذو الدخل الثابت، إذا كانت المصاريف تزداد باستمرار؟!..
ومع هذا فقد جاهد الزوج والزوجة، وعملا كل ما يستطيعان لجعل المصروف يتلاءم مع الدخل.. وبقيا على هذه الحالة إلى أن أصبح لهما ولدان في المدرسة؛ فعندها أفلت الزمام من أيديهما ولم يعد بامكانهما التوفيق بين الداخل والخارج..
لقد أصبحت مصاريف ومتطلبات المدرسة لوحدها بالنسبة لهذه العائلة تعادل القسم الأكبر من ميزانيتها..
كان قد فكر إسماعيل في بادىء الأمر بأن يُدخل أولاده في مدرسة حكومية لتخفيف المصاريف، إلا أن ما حدث له عندما كان تلميذاً في مدرسة قريته الرسمية جعله يصرف النظر عن هذه المدارس و يبحث عن مدرسة “أهلية” التي يقال بأنها تولي إهتماماً خاصاً بالنسبة للغات الأجنبية التي تعتبر الجسر الذي بدونه لا يستطيع التلميذ العبور إلى المراحل العليا من الدراسة، بل أن من لا يحسن “التحدث” بها لا يعتبر مثقفاً مهما بلغت سعة معرفته..
(*) أم مسعود ، الجارة القديمة ،وإبنها المحامي مسعود عبد الجليل له دور كبير فيما يلي من أحداث
وبعد البحث والتدقيق اهتدى إلى واحدة من هذه المدارس التي إعتقد بأنه وجد فيها ضالته المنشودة.. ولكن لم يلبث أن إكتشف بأن هذه المدرسة ليست سوى وكر لابتزاز اموال الكادحين أمثاله..
فهو يدرك، حسب تصوره، أهمية العلم بالنسبة للفرد و المجتمع.. وبناء على تصوراته هذه، يرى بأن الهدف الأول و الأسمى لأية مؤسسة تعليمية يجب أن يكون العلم، و ما عداه يعتبر ثانوياً.. إلا أنه يكتشف قي هذه المدرسة العكس. العلم والتعليم والتربية كلها أمور ثانوية، بل وسيلة لابتزاز أموال الفقراء المساكين.
وتتابعت السنون، و في كل سنة كان إسماعيل يفتش عن مدرسة جديدة، ظناً منه انها أفضل من سابقاتها حسبما تبديه من دعاية و خطابة، وكلام منمق عن الأهداف التربوية و الوسائل التعليمية..ولكن في النهاية تأكد له بأن جميع هذه المؤسسات تدور في فلك واحد، وحول هدف واحد، هوالإبتزاز..
والإبتزاز كان له أساليب متعددة، وكان يأتي بصور مختلفة.ولكن مهما تعددت الصور واختلفت الأساليب، كانت النتيجة واحدة، ألا وهي الركض المهووس خلف الغنى الفاحش، ولو على أجساد اليتامى والبؤساء.. فقد كان على كل تلميذ ان يشتري جميع ادواته ومستلزماته من المدرسة نفسها، وبهذا تفرض الثمن الذي يرضي نَهَمَ أصحابها وشرهم..
فمثلاً الدفتر الذي ثمنه عشرون قرشاً، يبيعونه هم بخمسين، ولا فرق بين الإثنين سوى أن المدرسة تضيف اسمها على الغلاف وبهذا تكون قد أصابت عصفورين بحجر واحد: الربح و إن كان سرقة، والدعاية.. وعلاوة على هذا فهي تَمُنُّ على التلميذ و أهله بهذا الإسم الذي لا يعود عليهم بأية فائدة أو نفع. وفوق هذا، ليس هناك كتاب موحد.فلكل مدرسة نظامها الخاص، والحرية التامة في أن تفرض على الطالب الكتاب الذي تريد، بل الكتاب الذي يدر عليها ربحاً أوفر.
ولكي تستمر حلقة التعاون على الإبتزاز والربح المشترك بين الناشر والمدرسة يتم الإتفاق دائماً على تغيير الكتاب كل سنة حتى لا يستطيع الطالب أن يستفيد منه أكثر من سنة واحدة له أو لأحد أخوانِه الذين يكونون عادة ادنى منه في المرحلة الدراسية، أو ليستفيد من ثمنه إذا باعه وبهذا يكون لزاماً على كل من يبدل مدرسته خلال السنة المدرسية بسبب تغير مسكنه أو لأسباب أخرى، كما كان يحدث لإسماعيل وغيره، أن يرمي جميع كتبه ودفاتره بسلة المهملات، ويشتري غيرها من النوع الذي يتلائم مع مذاق المدرسة الجديدة.
وما قيل عن الكتب وتوابعها، يمكن أن يقال عن الملابس ولواحقها، دون أدنى تغيير.. وهذه الوسائل تمل عادة إحدى جعبتين من جعب المدرسة الإبتزازية، وتسمى جعبة الوسائل الثابتة. أما الجعبة الأخرى فهي جعبة الوسائل المتحركة، وهي تشمل الحفلات والرحلات، و…. التبرعات..فإذا ما فرغت الجعبة الأولى، لجأت المدرسة إلى الجعبة الثانية،إذ لا يمكن أن يسير قطار العلم بدون تفقد هذه الجعب من آن لأخر.. فالحفلات تقام، والرحلات تقرر، والبطاقات توزع، والثمن يدفع مضاعفاً.. وإلا حدث ما لم تحمد عقبا.. وإذا ما أصيب المترفون على هذه الجعب بالدوار من كثرة الحفلات والرحلات، لجأوا إلى حكاية التبرع التي تتميز بالهدوء و عدم اللف والدوران.. فيتمكنوا هنا من استرجاع أنفاسهم، وملء ما زال فارغاً من جيبهم.. هذا مع العلم أن التبرع يكون عادة إجبارياً وليس إختيارياً، وإلا فإن مسيرة الأعمال الخيرية تتوقف، أو، على الأقل، تفقد معناها..
ومع هذا يكون هناك شيء من التستر والتخفي.. وإن كان الستار شفافاً جداً لدرجة أنه لا يحجب الرؤية عن الأعشى، ولكن أن يلجا أمثال هؤلاء المرابين إلى المكاشفة المفضوحة، فهذا ما إستغربه إسماعيل، وهو يقول في نفسه:
-لا شك أننا في عهد خلت منه الآداب و الأخلاق الفاضلة التي تميز الإنسان عن حيوان الغابة!!..
فقد حدثه إبنه”رائد” ذات يوم قائلاً :
-قالوا لنا اليوم بالمدرسة بأن هناك مفتشاً من وزارة التربية سيزور المدرسة، لذلك “يجب أن تكونوا مؤدبين يا شاطرين! وإذا سألكم حضرة المفتش كم يأخذوا منكم كل شهر، فقولوا له ثلاث ليرات فقط!” وعلى اثر هذا قاموا بعمليات تنقل بين التلاميذ، فكانوا يأخذون ببعض الأولاد من عندنا، ويأتون بأولاد آخرين من فصول أخرى، بينما كنا نتهامس، ولا ندري ماذا يفعلون..”
ولكن الوالد كان يعلم تماماً بأن المدرسة لم تقبل منه أقل من عشر ليرات على الولد الواحد في الشهر.. وهنا أدرك مدى الإنحطاط الذي تتردى فيه هذه الأوساط التي يقترض أن تُنشئ جيلاً على قدر من الأخلاق وحسن السيرة والسلوك، لكي يستقيم المجتمع، وينعم أفراده بالطمأنينة والهدوء. فهي بدلاً من هذا تغرس في نفوس هذه البراعم البريئة، الكذب والدجل، والإحتيال.
ومع كل ما تقدم، لم يجد إسماعيل في هذه المدارس ما كان ينشد، وما كان يسمع به عن عنايتها باللغات الأجنبية، ولا حتى اللغة الأم.. لذلك عندما وصل إبنه الأكبر رائد إلى الصف الرابع الإبتدائي، فكر بأن يبحث له ولأخته عن مدرسة أحسن سمعة وأكثر عناية بالعلم والأخلاق، فتناهى إلى سمعه إسم مدرسة تبعد عن منزله بضعة كيلومترات، إلا أنها تعتمد الرهبان والراهبات للقيام بشؤون التعليم والتربية وإدارة المدرسة..
فسارع لتسجيل ولديه فيها، معتقداً بأنه وجد فيها مطلبه، وإن كانت ستكلفه أكثر لبعد المسافة، ولأسباب أخرى..فهو قد خبر الحياة وعبء مرارتها حتى أسكرته، وبالأخص المدرسة التي تركت في نفسه جرحاً لا يندمل..لذلك كان حريصاً على أن يُنشئ أولاده تنشئة تؤهلهم لخوض غمار الحياة، والتغلب على مصاعبها، وتجنبهم الوقوع فيما وقع هو.
اما عن سبب ثقة الناس بالراهبات والرهبان وتهافتهم عليهم، وخاصة في شؤون التدريس والتربية، فهذا أمر يعود لما تمتاز به هذه الفئة من الناس من الإيمان، والفضيلة، والأخلاق العالية، والترفع عن المسائل الدنيوية، مؤمنين بأن الله سبحانه وتعالى خير رقيب، وخير شاهد على ما يفعلون سواء في السر أو العلانية، وأن ثوابه خير ثواب.
هذا ما كان يحلم به أبو رائد المسكين عندما أرسل ولديه إلى تلك المؤسسة.. ولكن سرعان ما تبدلت أحلامه عندما علم بأن تلك المؤسسة تتخذ من إسم الرهبان ولباسهم وسيلة للدعاية والتجارة..
فبعد أن مضى شهران من السنة الدراسية سأل أبو رائد ولده عن سير الدراسة، وكيف يرى نفسه مع مدرسيه الجدد-الرهبان والراهبات، فأجابه رائد:
-ليس هناك في المدرسة راهب واحد أو راهبة واحدة!..
فاستفسر الوالد بدهشة وإنفعال:
-كيف هذا؟!..لقد شاهدتهم بعيني يملأون ممرات المدرسة ذهاباً وإياباً عندما سجلتك أ،نت وأختك!!..
-وأنا كذلك يا والدي كنت أراهم كما تقول، ولكن بعد أن انقضى حوالي أسبوعين من الدراسة لم نعد نرى أحداً، معظمهم لمريحصل على شهادة “البريفيه”، وكثيرون منهم يعجزون عن إجابة أسئلة الطلبة التي تحتاج إلى شرح وتفسير.. وإذا ما تغيب مدرس، وكثيراً ما يحصل هذا، يمضي أسبوع أو شهر أو أكثر ولا يحل محله أحد. وفصْلُنا نحن ليس له مدرس حساب منذ أكثر من شهر. إذ كان هناك مُدَرّسَة عند بداية الدراسة، وكانت مهذبة والجميع يحبونها، لأنها تشرح بطريقة يفهمها كل التلاميذ.. ولكن لم يمضِ شهر على الدراسة حتى غابت تلك المدرّسة، ولم نرها منذ ذلك الوقت.. وما زلنا حتى الأن بدون مدرّس حساب.. وكلما سألنا يقولون لنا : “غداً سيأتيكم مدرّس”.
وهنا اندفع الدم حاراً إلى رأس إسماعيل، وثار، وبلغ الغضب منه حداً عظيماً.. إلا أن ثورته هدأت بعض الشيء عندما تراءت له فكرة سارع إلى تنفيذها، فسأل إبنه:
-أتعرف أحداً من زملائك أين تسكن تلك الفتاة، مُدَرّسَة الحساب؟..
-هناك العديد من رفاقي يسكنون بالقرب من منزلها، وكانوا دائماً يسألونها عن سبب تأخرها، فتجيبهم : “مديركم طماع كثير، يريد أن يأخذ كل شيء ولا يترك لغيره شيئاً”.
وهنا عزم أبو رائد على زيارة تلك المُدَرّسَة ليسألها رأيها، و يطلع على حقيقة الأمر.
وفعلاً، زار أبو رائد هذه المُدَرّسَة بعد أن استدل على بيتها.. وعندما سألها عن سر تركها المدرسة، قالت له:
-إن مدير تلك المدرسة وصاحبها في نفس الوقت، إنسان جشع، يريد أن يلتهم كل شيئ.. إنه لا يريد أن يترك فرصة لغيره كي يعيش.. قلبه جامد لا يعرف الرحمة ولا الإنسانية. لقد خصصت لي الدولة راتباً قدره مائة وخمسة وسبعون ليرة، ولكن لا يريد أن يعطيني من هذا المبلغ الذي هو حقي، ويقبضه هو من الدولة- لا يريد أن يعطيني منه سوى خمسين ليرة فقط، وبعد هذا يريدني أن أوقع بأني إستلمت الراتب كاملاً، أو أنه يستغني عني ويبحث عن غيري.. لم أرض معه طبعاً، وتركته راجية من الله أن ينصفني وينصف الجميع من امثال هذا الذئب الذي يتستر برداء الإنسانية وفعل الخير.. هذا مع العلم بأن الشهر الذي اشتغلته عنده لم يعطني أجره حتى الآن، وأنا متأكدة بأنه سوف لا يعطيني.. لأنه ليس عنده نية العطاء ولا يعرف سوى الأخذ فهو لا يعطي إلا مكرها..
فضرب أبو رائد كفاً بكف عندما سمع هذا الكلام الموجع، وقال:
-لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.. يا رب!..
إلا أنه تذكر شيئاً فارتد فجأة إلى المُدَرّسَة ليسألها:
-تقولين بأن راتبكم هذا تصرفه لكم الدولة، فلماذا لا تقبضونه مباشرة بدون وساطة صاحب المدرسة؟.. أليس هذا أضمن لإيصال الحقوق لأصحابها، وأضمن لسلامة التعليم؟..
-يمكنك توجيه هذا السؤال للمسؤولين.. لأن هذا السؤال بالذات هو الذي يحيرنا نحن مدرسي المدارس الخاصة.. وقد عملنا جهدنا في سبيل تحقيق هذا الغرض، ولكن للأسف بدون فائدة.. من يدري.. قد يكون هناك قوى تسعى لإبقائنا سلعة تباع وتشترى بأيدي تلك الزمرة الجشعة المتكالبة..
ويبدو أن تلك المُدَرّسَة قد بلغ بها الإنفعال درجة فاضت معها عيناها بالدموع، وغاصت الكلمات في أعماقها، فوقفت برهة لتسترجع أنفاسها، ثم بهدوء نسبي استأنفت:
-“الحقيقة، يا عمي هي أن مشكلة رواتبنا ليست هي المشكلة الوحيدة مثار سؤال وإستفهام.. فهناك مسألة وجود المدرسة الخاصة بشكلها الحالي وظروفها الحالية.. فما سبب هذه المشكلة، ولماذا وجدت، ومن المسؤول عن استمراريتها؟.. هذه “الحوانيت” التي لا تختلف عن أي متجر، والتي لا هم لها سوى جمع المال.. ما هي هذه الخدمة التي تؤديها للمجتمع الذي هو بأمس الحاجة للخدمات المفروض فيها أن تقدمها له.. أن ما تقدمه هذه “المؤسسات” هو الضياع، والتشتت، والجهل.. وإن كانت الدولة تدفع عن كل تلميذ يأتي لهذه المدارس مبلغ يزيد عن ثمانين ليرة، أفلا يحق لنا أن نتساءل لماذا لا تضم الدولة هذه المدارس إلى مدارسها وتضعها تحت رعايتها وإشرافها؟!!…
“الحقيقة يا عمي أن هناك الكثير من الأسئلة المحيرة التي تشغل فكرنا الليل والنهار وتبقى تدور وتدور في ذهننا حتى نصاب بالدوار، فنتخلى عن التفكير، وتستمر الدوامة..”
دهش إسماعيل و تالم جداً عندما اتضحت له الصورة على هذا الشكل، وأخذ يعض على أصابعه كمن يأكل نفسه من شدة غيظه،لاحظت المُدَرّسَة ما عليه من توتر، فقالت له:
-هون عليك يا أبا رائد، واترك الأمر لله، ليس باليد حيلة..
-يا رب!.. إذا عصف الظلم، واشتد الظلام، وانحجب النور عن العيان، واستبد الإنسان بالإنسان، فاجعلنا من عبادك الأخيار، وأرسل لنا قبسا من لدنك يهدينا سواء السبيل، إذ لا ملاذ لنا سواك، ولا هدى لنا إلا هداك، يا ذا العرش العظيم!!..
ثم تراءى لإسماعيل كيف أنه انخدع بهذه المدرسة بسبب ما أشيع عن وجود مدرسين رهبان فيها، فسأل المُدَرّسَة:
-والرهبان والراهبات الذين كانوا يملأون ردهات المدرسة في أول السنة أين هم، وما هي حكايتهم بالظبط؟
-كما تعلم يا عم”الفريق يتمسك بقشة”. وبما أن شعبنا أصبح تائهاً كالفريق، يبحث عن ضالته فلا يجدها، يبجث عن الثقة والصدق فلا يجدهما، لذلك وجد أن الدين هو ملاذه الأخير، فلم يكن يتصور بأن الدين قد يُستَغَل لأغراض دنيوية.. لذلك كان رجال الدين موضع إحترام وثقة من قبل الأهالي، وخاصة في شؤون التربية والتعليم، فما أن يسمعوا بأن هذه المدرسة أو تلك فيها رهبان أو راهبات حتى يسارعوا إلى إرسال أبنائهم إليها.. إلا أن تجار التعليم استغلوا هذه الظاهرة لاجتذاب أكبر عدد ممكن من التلاميذ. ولم تعدم قريحتهم إيجاد الوسائل الكفيلة لإنجاح مثل هذه الأمور.. فهناك من يطلق أسماء براقة مثل هذه المدرسة التي يطلقون عليها “دار الأمان للعلم والتربية”. وغيرها أسماء عديدة مثل : “مدرسة القديس…” أو “ثانوية القديسة…”، وهكذا ترى مجرد أمثال هذه الأسماء تجذب من يريد عمل الخير مثل الرهبان وغيرهم من المصلحين. ولكنهم بعد أن يعرفوا حقيقة هذه المؤسسات يتركونها من تلقاء أنفسهم.. وفي هذه الأثناء تكون عملية التسجيل قد تمت، وأخذت المدارس كفايتها من الطلبة، ويفاجأ الطلاب وأهلهم فيما بعد بأنه ليس هناك من رهبان أو راهبات لتدريسهم، وأحياناً ليس هناك مدرسون للكثير من المواد.. وقد يستمر الحال على هذا المنوال أشهراً، كما هو حاصل حالياً في “دار الأمان”..
وهنا يصيح أبو رائد: “يا للضياع!.. يا للضياع!.. حتى الدين أصبح تجارة!.. يا للضياع!.. يا للضياع!..
لم يستطع إسماعيل بعد الذي سمعه أن يُبقي أولاده في تلك المدرسة فأخذ يفكر فيما يمكن أن يفعله.. وهو في بحر تفكيره تذكر تلك المدرسة التي أرسله إاليها والده في ذلك “الحي الراقي”، وتذكر بأنها حكومية، فقال في نفسه: “قد تكون المدارس الحكومية في المدن غيرها في القرى.. وإذا صدق حدسه وكانت المدارس الحكومية هنا مثل تلك التي ذهب إليها، لأمكن أولاده متابعة تعليمهم، ولما كانت اللغة الفرنسية عقبة في طريقهم كما حدث له..وسأل في الحي الذي هو فيه وفي الأحياء المجاورة فلم يجد مكاناً لأولاده في أية مدرسة حكومية.. فقال في نفسه، قد يكون السبب هو مضي شهرين من الدراسة، إذن فلينتظر للسنة المقبلة قد يجد فيها أماكن لأولاده، وليتدبر هذه السنة كيفما كان..
وهكذا عاد لتسجيل أبنائه في أقرب مدرسة خاصة، رغم ما بها من عِلل، ورغم ما تكلفه من تغيير كتب، وملابس وغيره..
وفي السنة التالية عمل جاهداً لتسجيل أبنائه في أية مدرسة حكومية قريبة أو بعيدة،ولكنه لم يوفق، “ليس هناك أماكن خالية”.. هذا كل ما استطاع الحصول عليه من تلك المدارس.. عندما تذكر ما قالته تلك المُدَرّسَة عن “القوى الخفية” التي تعمل لدعم وتثبيت المدارس الخاصة، رغم ما بها من عيوب، ورغم خطورتها على المجتمع، فيعود ليردد نغمته التي أصبحت مألوفة لديه:
-يا للضياع!.. يا للضياع!…
وهو في هذه الدوامة من الحيرة والهم، بدأ يسمع من زملائه السواقين، ومن بعض جيرانه، أو ممن يصادفهم من المارة، أو الركاب في سيارته- بدأ يسمع نغمة جديدة. مفادها أن من يريد “تعليم” أولاده فعلاً، فليأخذهم إلى “الفرير” أو “اللاييك” أو… (فهذه مدارس بالمعنى الحقيقي.. مدارس ولا كل المدارس الأخرى..هنا يضمن نجاح أولاده.. ليس مثل المدارس الأخرى أهلية كانت أم حكومية التي يتقدم منها التلميذ لشهادة “البريفيه” أو “البكالوريا” عشر مرات وأكثر ولا ينجح).
هنا عادت صورة مدرسة قريته إلى ذهنه، وكيف أنها حكومية، ومع هذا لم يستطع أن يساير الصف الذي يلي الشهادة الإبتدائية، فكيف له أن ينجح في أية شهادة أخرى؟!!..
ولكنه يعود ليتذكر بأن تلك المدرسة التي أرسله إليها والده في ذلك “الحي الراقي” هي حكومية، وهنا يحتار بماذا يعزي هذه التناقضات..
وعندما تعييه الحيلة، يقول في نفسه : “بما أن هناك نوعين من المدارس الخاصة، لا يستبعد أن يكون هناك أيضاً نوعان من المدارس الحكومية.. من يدري.. كل شيء جائز في هذه الدنيا!…”
ولم يترك التجربة تفوته، فذهب وبحث عن تلك المدارس التي سمع بها، فوجدها فعلاً شبيهة بتلك المدرسة التي سقط على يديها، من حيث الموقع، والبناء ونظام التعليم، بالإضافة إلى الفخامة والعظمة… التي هي من أهم مميزاتها.. والفارق الوحيد هنا، هو أنه في مدرسته كان يجد أحياناً من يكلمه بالعربية، إلا أنه هنا يكاد لا يجد أحداً.. الجميع، فرنسيون “أباً عن جد”..
وعندما شاهد هذه العظمة، شعر بالرهبة، وحدثته نفسه مراراً بألا يستمر بالإستفسار عن إمكانية وضع أولاده في مثل هذه الأماكن.. إذ لو تهاونوا معه في دفع الأقساط إلى أدنى حد، فإنه لا يستطيع أن يؤمن لأولاده جو البذخ والترف الذي يعيش فيه من يؤم هذه المؤسسات.
ومع هذا فقد غامر بالسؤال، إما حباً بالإستطلاع، أو خوفاً من تأنيب ضميره لأنه قصر في حق أولاده..
وبعد هذا السؤال خرج مكفهر الوجه، وهو يشعر بأن الأرض ستغوص به، أو أنه تمنى هذا.. كان يردد عندها :
“هذه المدارس ليست لي ولأمثالي.. كل ما أجنيه في الشهر لا يكفي لتعليم نصف ولد!.. من أين لي بتعليم أربعة أولاد؟!.. ومن يدرى…”
إلى اللقاء في الحلقة الثانية عشر (النتيجة الحتمية)
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net

